ذا خبرة، وسياسة ومداخلة في النواب واتحاد بهم حتى لم يكن لأحد معه حديث. وكان هو المتصرف في المملكة، وتقدم، ورزق الوجاهة، وحظي ونال الدنيا، وجمع بين خطابة القلعة والتوقيع بصفد.
وانتمى إلى القاضي علاء الدين بن الأثير فمال إليه، ولما جاءه خبره من طرابلس بكى عليه، ولو أن زين الدين كان حياً لما انفلج ابن الأثير ما كان كاتب السر في باب السلطان غيره. ولما قال له السلطان من يصلح لهذا المنصب؟ قال: أما في مصر فما أعرف أحداً، وأما في الشام فما كنت أعرف أحداً غير ابن حلاوات وقد مات.
وكان ابن حلاوات قد داخل نواب صفد كثيراً، ويقع بين النواب وبين تنكز، وعزل جماعة منهم، ثم لما جاء إليها الأمير سيف الدين أرقطاي نائباً وقع بينهما، واتصلت القضية بالسلطان وهي واقعة طويلة، فرد فيها الأمر إلى تنكز، فطلب ابن حلاوات إلى دمشق وقد امتلأ غيظاً عليه، ولما دخل عليه رماه بسكين كان في يديه لو أصابته جرحته أو قضت عليه، ورسم علي وصادره، فوزن ثمانية آلاف درهم، فسعى له الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب والقاضي علاء الدين بن الأثير مع السلطان، واتفق أن مات موقع طرابلس في تلك الأيام فما كان بعد ثمانية أيام تقريباً حتى جاء ابريد بالإفراج عنه، وإعادة ما أخذ منه، وهذا أمر ما اتفق لغيره في تلك الأيام، وتجهيزه إلى طرابلس موقعاً، وكان المرسوم مؤكداً، فما أمكن تذكر إلا اعتماد ما رسم به في حقه، وتوجه إلى طرابلس رئيس ديوان الإنشاء، ودخلها في مستهل
جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة، وأقام بها في وجاهة ورياسة وحرمة وافرة إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور.
وكان يعرف النجامة وعلم الرمل جيداً، ويدعي أنه من جماعة الشيخ محيي الدين بن عربي، وينتمي إلى مقالته، ويرى رأيه في الوحدة، ولم يتفق لي به اجتماع خاص، بل رأيته غير مرة، وسمعت خطبه كثيراً.
وأخبرني من رآه أنه كان يتعذر علي كتابة اسمه عمر، فيكتب صورة نمر، ثم بعد ذلك يركب عليها حرف العين، لتتكمل له صورة عمر.
ولما ورد في تلك المدة إلى دمشق دخل الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم إلى الأمير سيف الدين تنكز، وشكى منه شكوى بالغة، وقال: يا خوند! هذا فعل بي، هذا اعتمد معي، هذا حبس أولادي في قلعة صفد، وقيدهم، وزاد في ذلك، ثم إنه بعد ذلك اجتمع بقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، فقال له: يا شيخ شهاب الدين! أنت من بيت فقراء وصالحين، وهذا الذي فعلته بهذا المسكين ابن حلاوات بين يدي هذا الملك الجبار، ما كان يناسب طريقك، فقال له: يا مولانا قاضي القضاة لا تكن حليماً عند غضب غيرك، هذا حط رجلي في المعصار وعصرني، ولو كان ذلك على حوافر بغلتك ضرطت ناراً.
وكان قد كتب إليه شيخناً نجم الدين كتاباً يحرضه عليه فيه ويغريه به، ومنه:
ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلا تجشوكم بين التنانير
فكتب الجواب إليه عن ذلك، ومنه أبيات وهي:....
ودخل زين الدين بن حلاوت في تلك النازلة وهو بدمشق إلى الصاحب شمس الدين، وقال: يا مولانا الصاحب أنا ما بقيت أعمل صنعة التوقيع، اعملوا إلي معلوماً ودعوني في هذا الجامع الأموي أشغل الناس في ستة عشر علماً، وكان شهاب الدين بن غانم حاضراً. فقام وقال: يا مولانا الصاحب هذا غلط منه، وإنما يعرف ثمانية عشر علماً لأنها اثنا عشر برداة وست أواذات في علم النغم، وهذا إلا والده مشبب وهو مطنكل، وأنشده أبياتاً منها:
وإذا رأى المزمار هزت عطفه ... نسب إلى الأجداد والآباء
ومن شعر زين الدين بن حلاوات:
ولابسة البلور ثوباً وجسمها ... عقيق وقد حفت سموط لآلي
إذا جليت عاينت شمساً منيرة ... وبدراً حلاه من نجوم ليال
قلت: هذا القول فاسد؛ لأن البلور جسمها وهو الزجاج، ولباسها العقيق، وهو الخمرة، وأحسن من قول زين الدين رحمه الله تعالى قول الأول:
وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر السما بكواكب الجوزاء
ووجدت منسوباً إلى زين الدين رحمه الله تعالى:
خصت يداك بستة محمودة ... ممدوحة بالبأس والإحسان
قلم ولثم واصطناع مكارم ... ومثقف ومهند وسنان
وأنشد له يوماً بيتاً القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر لما فتح الأشرف قلعة الروم، وهما:
ألا أيها الحصن المنيع جنابه ... تطهرت من بعد النجاسة والشرك
وأمسيت تجلى بالخليلين دائماً ... خليل إله العرش والبطل التركي
فقال زين الدين رحمه الله تعالى:
قلعة المسلمين حزت كمالاً ... وجمالاً ورفعة بهاء
بالخليلين صرت تجلي مساء ... كعروس زادت سنا وسناء
قلت: ما كفاه أنه ما قال شيئاً يسمع حتى لحن وحذف النون من تجلين.
عمر بن آقوش
الشاعر زين الدين أبو حفص الشبلي الدمشقي الذهبي الشافعي المعروف بابن الحسام الافتخاري.
رأيته في صفد، واجتمعت به في دمشق غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، وسمع الحديث على الحجار وغيره. وكان فيه تودد وتقرب، وحسن صحبة وطهارة لسان.
وكان بعضهم يلقبه براطيش، وبعضهم يسميه شراشط.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في ثاني شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
وسألته عن مولده، فقال لي: في سنة أربع وثمانين وست مئة.
أنشدني من لفظه لنفسه يودعني عند توجهي إلى الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة:
ولما اعتنقنا للوداع عشية ... وفي القلب نيران لفرط غليله
بكيت وهل يغني البكا عند هائم ... وقد غاب عن عينيه وجه خليله
وكتبت أنا إليه من الرحبة:
كتبت والدمع قد غطى على بصري ... وبت فيك نجي الهم والفكر
وأشتهي من جوى قلبي وحرقته ... لو أشتري ساعة بالعمر من عمر
وأنشدني له:
قد أثقلتني الخطايا ... فكيف أخلص منها
يا رب فاغفر ذنوبي ... واصفح بحلمك عنها
وأنشدني له:
يا من عليه اتكالي ... ومن إليه مآبي
جد لي بعفوك عني ... إذا أخذت كتابي
وأنشدني له:
يا سائلي كيف حالي في مراقبتي ... وما العقيدة في سري وإعلاني
أخاف ذنبي وأرجو العفو عن زللي ... فانظر فبين الرجا والخوف تلقاني
أنشدني له:
يا سيد الوزراء دعوة قائل ... من بعد إفلاس وبيع أثاث
أبطت حوالتكم علي كأنها ... تأتي إذا ما صرت في الأجداث
فإذا أتت من بعد موتي فاحسنوا ... بوصولها للأهل في ميراثي
وأنشدني ما كتبه للصاحب شرف الدين يعقوب يشتكي من أيوب:
بليت بالصبر من أيوب حين غدا ... ينكد العيش في أكلي ومشروبي
وزاد يعقوب في حزني لغيبته ... فصبر أيوب لي مع حزن يعقوب
وأنشدني له:
إذا ما جئتكم للغناء فقري ... تقول أبشر إذا قدم الأمير
وقد طال المطال وخفت يأتي ... أميركم وقد مات الفقير
وأنشدني من لظفه له في الحمى:
زارتني الحمى فقلت لها ابعدي ... فغدت تخادعني بلثم شفاهي
قالت أروح فقلت هاذ بغيتي ... قالت أعود فقلت لا بالله
وأنشدني من لفظه له:
أمر على المنازل وهي تشكو ... من الأحباب ما أشكو إليها
كلانا يشتكي لهم فراقاً ... فما عطفوا علي ولا عليها
وأنشدني من لفظه له:
لي حبيب ما زال يتعب قلبي ... فرأيت السلو عين الصواب
تبت لله عنه توبة صدق ... واستراحت عواذلي من عتابي
وأنشدني من لفظه لنفسه:
إذا أضمر المحبوب هجري وجفوتي ... وعاد ولم يجز المحبة بالبغض
أقول له أحسنت فيما فعلته ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
عمر بن أبي الحرم
ابن عبد الرحمن بن يونس، الشيخ الإمام العلامة شيخ الشافعية زين الدين أبو حفص الدمشقي المعروف بابن الكتاني..
حدث عن ابن عبد الدائم بالإجازة.
وسمع إسماعيل بن أبي اليسر، وإسماعيل بن المظفر، وعمر بن حامد القوصي، وإسرائيل بن أحمد، ومظفر بن أبي الدل الصالحي، والقاضي حسين بن علي القرشي وغيرهم.
تفقه وناظر، وبرع في الأصول والفروع، وذاكر وحاضر، وتحول من دمشق إلى مصر بعلم جم، وورد القاهرة، فأخجل اليم الذي ثم، وحل بأفقها فاستحيا من كماله البدر الذي تم.
وكان جيد الذهن كثير النقل لمذهبه، بارعاً في التفقه، لا يثبت له أحد إن ناظره أو تمسك بسببه، مائلاً إلى الدليل والحجة، قائلاً بالبحث لا يرى التقليد من عظيم المحجة، يوهي بعض المسائل لضعف دليلها، وخفاء صحتها، وظهور عليلها، يلقي دروساً مفيدة، ويأتي بأشياء فوائدها عتيدة، لا يحتمل أن أحداً يعارضه أو يراسله أو يقارضه، فينفر فيه ويزبره، يكسره بالقول ولا يجبره.
وكان في خلقه زعارة وشراسة، وحدة لا ينكس الكبر لها رأسه، لا يخضع لأمير ولا لقاض، ولا ينفعل لإبرام ولا لانتقاض، وله في ذلك حكايات مشهروة، ووقائع بين أهل مصر مأثورة، إلا أنه فرط في علم الحديث من حيث الرواية، وأهمل أمره، ولم يكن له فيه عناية، فكان صغار الطلبة يحضرونه دروسه، ويعيبونه عليه كثرة تصحيفه، وما يقع له من الخلل في أسماء الرجال، ولا يجسرون على تعنيفه، وكان به وسواس في تكبيره الإحرام، وتطويل حتى يفوته بالركون الإمام.
ولم يزل على حاله إلى أن دخل في العدم، وكثر عليه التأسف والندم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة.
مولده سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وكان قد اشتغل بالفقه والأصولين على ابن أبي الثنا محمود بن عبيد الله المراغي، والعلامة الشيخ تاج الدين الفزاري، وغيرهما.