بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 607

أو انتقاء المانع يكتفي فيه بالأصل إذا لم يعارضه أصل آخر وهنا عارضه أصل آخر، والسبب وحده بدون شرطه أو انتفاء مانعه لا يعمل، وإما أن يجعل وقوع النجاسة محل الحكم ويقاوم، عليها أمران: أحدهم يقتضي التنجيس، والآخر ضده، فيقف الحكم. وعلى كل تقدير فيجب أن لا يحكم بالنجاسة، فخرج من هذا أن دعواه في جانب التنجيس أصلان ليس بصحيح، ولو قال: أصل وظاهر لكان أصح في العبارة، ويتوجه عليه المنع بأن ذلك إنما يكون في أصل مستقل بظاهر مستقل، وليس هنا كذلك؛ لأن القلة ليست بأصل، بل بما ضم إليها، على ما تبين.
وأما مسألة الظبية فإنما حمنا بالنجاسة لأن بول الظبية محقق، واستناد التغيير إليه ظاهر مستقل، لأن الأصل المعارض له معارض بالأصل النافي لطول المكث، ولا لما يقاوم الأصل إن علمنا بالسبب الظاهر المجرد الذي لا معارض له، فأين هذه المسألة من تلك، وقد جزم الصميري بالتنجيس متمسكاً بأن الأصل القلة، وسبق الغزالي دعوى ظهور التنجيس لتمسك بالقلة للتنجيس إمام الحرمي، فاقتصار الكتاني على كلام الغزالي دليل على أنه لم يقف على غيره.
قال كمال الدين جعفر الأدفوي: كان منازعة في النقل، قلت له يوماً: قال الرافعي إن أكثر الأصحاب على جواز النظر إلى الأجنبية في الوجه والكفين إذا أمن الفتنة، فأنكر ذلك، ثم اجتمعت به ثاني يوم بالمدرسة القراسنقرية، فقال: الرافعي قال ما قلت، ولكن من أين للرافعي هذا، وشرع يغالب ويتغلب. قال: وقلت له يوماً: قال النووي: الأصح العفو عن الكثير من دم البراغيث، ونحوها مطلقاً فنازع، وحضر منهاج النووي فرآه، فشرع يؤول.


صفحه 608

وكان بعض الطلبة يقرأ عليه يوماً في أن المعير إذا رجع والذرع قائم، ولم يكن يحصد قصيلاً فإ (نه يبقى إلى الحصاد، فقال هو: واختلف ههنا: هل عليه الأجرة، وما قالوا بمثل ذلك فيما إذا باع مالك الأرض وفيها زرع فإنه يبقى ولا أجرة، وطلب الفرق. فقلت: الفرق أن البائع لما زرع تصرف في ملكه، والمشتري دخل على الإبقاء، والتصرف كان في الملك، فلا يناسب أجره، والمستعير تصرف في ملك غيره، والمالك بصدد الرجوع في كل وقت، لكن التصرف كان الإذن، فلا يناسب قلع الزرع وضياعه، ولا إشغال أرض المالك مجاناً، فجمعنا بني المصلحتين، فأبقيناه حتى لا يفسد، وألزمناه الأجرة حتى لا يشغل أرضه مجاناً، فنازع نزاعاً طويلاً، لا بالرد النظري، إلا بالإساءة. قال: فتركت الاجتماع به. ومع ذلك فكان محققاً مدققاً كثير النقل، يستحضر النظائر والأشباه، لم يكن في الفقه في زمنه مثله، انتهى.
قلت: ما صنف شيئاً ولا انتفع به أحد من الطلبة، وكان قل أن يفتي أحداً، ويقول لمن يأتيه بالفتوى: أنا ما أكتب لك عليها، روح إلى القضاة والى الذين لهم في الشهر من المعلوم كذا وكذا، وربما تحيل عليه بعض الناس فيما يرومه منه بأن يستصحب معه شاباً حسن الصورة فإنه كان يميل إلى ذلك لكن مع دين وعفاف وتصون كثير.
ولما دخلت إلى الديار المصرية قلت للأمير ناصر الدين محمد بن جنكلي رحمه الله تعالى: أريد أن أرى الشيخ زين الدين، وأجتمع به، فقال لي: ما تنتفع به ولا تنال منه مقصودك، ولكن اصبر، أنا أروح معك إليه، فتوجهنا إليه إلى داخل باب السعادة إلى دار الفارقاني، فصعد بي في سلم حجر أعلاه طبقة، فطرق الباب، فقال من؟ قال: محمد بن حنكلي فقال: ومليحك معك؟ قال: نعم، فقام، وفتح الباب، وبش بنا وأجلسنا، وانشرح، وأحضر شراب ليمون، وفيه قلب فستق،


صفحه 609

وشراب حماض، وفيه قلب بندق، وأطعمنا من ذلك، وأحضر طعاماً شهياً طيباً وانشرح لنا مدة إقامتنا عنده لما كان معنا بعض مماليك الأمير، وهو وضيء الوجه، وفارقنا رحمه الله تعالى.
وكان الشيخ كمال الدين بن الزملكاني رحمه الله تعالى يثني عليه.
وقلت أنا فيه:
يا من يروم الفقه برد أصوله ... رقمت حواشيه بكل بيان
عرج بزين الدين تلق دروسه ... حللاً محررة من الكتاني

عمر بن حسن بن عمر بن حبيب
العالم المحدث الفاضل زين الدين أبو حفص الدمشقي، محتسب حلب.
سمع من ابن البخاري، وابن شيبن، وعلي بن بلبان، وطائفة. وعني بالحديث، ورحل وسمع من ابن حمدان، والأبرقوهي، وسدة بنت درباس، وخلق، ونسخ وحصل الأجزاء، وخرج له شيخنا الذهبي معجماً عن أزيد من خمس مئة شيخ بالسماع.
وكان كثير الأسفار، فدخل في آخر عمره إلى الروم، ثم إلى مراغة، فتوفي هناك رحمه الله تعالى في.... سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة تقريباً.


صفحه 610

عمر بن داود بن هارون بن يوسف
القاضي زين الدين أبو حفص الصفدي، كاتب الإنشاء بالشام ومصر أصله من نين قرية من مرج بني عامر من صفد، بنونين، بينهما ياء آخر الحروف على وزن بين ودين.
كان كاتباً ذكياً، فاضلاً سرياً، يقع على المقاصد، ويرقب المجرات ويراصد، إذا أخذ كتاباً تأمل فضوله، وتصور محصوله، وأجاب عنه بأجوبة بليغة ساده، دالة على غزارة المادة، وكان قلمه بليغاً إذا كتب مسترسلاً من غير سجع، واتكل على ما عنده في ذلك من الطبع، لأنه يأتي بما يكتبه، بليغ المعاني، مستوفي المقاصد، تام المراد، غير مخل ببيان ولا فاسد.
أما نظمه فكان قليلاً مرذولاً، بطيئاً مهزولاً، ونثره كان أجود منه؛ إلا أنه كان وعر الجادة، ناب عن الطبع غير سار في المادة، وخطه أيضاً قوي منسوب، لكن ما عليه حلاوة، ولا له ما لخط غيره من اللطف والطلاوة؛ إلا أنه كان صبوراً على الكتابة، لا يسأم تواترها، ولا يمل تكاثرها، يقوم بتنفيذ ما في الديوان، ويسد مهماته على أحسن ما يكون وأسده، ولو بلغت إلى كيوان.
تنقل من صفد إلى دمشق إلى غزة إلى الرحبة، ثم إلى دمشق، ثم إلى مصر إلى دمشق إلى مصر كرتين هبة بعد هبة، مع عطلة تخللت ذاك، وكاد الأمر يكون حتماً بغير انفكاك، ولكنه لطفت به المقادير، وأعادت اسمه إلى الدساتير.


صفحه 611

ولم يزل على حاله إلى أن بتر الله عمر عمر، وانقبض ابنساطه في الحياة وانقبر.
وتوفي رحمه الله وسامحه بالقاهرة في ثامن عشري صفر سنة تسع وأربعين وسبع مئة، بعد مرض طويل قاسى منه شدة.
ومولده في سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
قدم من قريته إلى صفد، وقد عذر في عام ستة عشر وسبع مئة فيما أظن أو قبل ذلك بقليل، ولازم شيخنا نجم الدين الصفدي، وأقام في بيته يبيت ويصبح، واشتغل عليه وكتبه وهذبه ودربه، فكان شيخنا في تلك المدة كاتب سر صفد، فاستكتبه عنده، وتخرج. وكان ذكياً فذاق هذه الصناعة، ومهر فيها. ولما بطل الشيخ نجم الدين من التوقيع كتب زين الدين الدرج للأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الدواوين بصفد ووالي الولاة، ولما هرب الأمير علم الدين سنجر الساقي من صفد فاراً من نائبها الأمير سيف الدين أرقطاي توجه زين الدين معه، فأقام بدمشق مدة يتردد إلى شيخنا شهاب الدين أبي الثناء محمود والى القاضي شهاب الدين بن فضل الله، وعرف بين أهل دمشق، وعامل أهلها معاملة جيدة إلى أن أجمعوا على الشكر منه والتوجع له في بطالته، فأقام بها مدة، وحضر شمس الدين الجاولي إذ ذاك نائب غزة، فرأى خط زين الدين وعبارته فأعجبه ذلك. وكان


صفحه 612

زين الدين شديد المداخلة للناس، لطيف المؤانسة جريا في الإدلال والكلام والمشاركة مع صاحب المجلس والانخراط في سلكه، فخاف ابن منصور من تقدمه، فعمل عليه وأعاده إلى دمشق. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، جهزه إلى الرحبة موقعاً بإشارة القاضي شمس الدين محمد بن شيخنا شهاب الدين محمود رحمه تعالى بعد ما أقام بدمشق بطالاً تسع سنين فأقام بها قريباً من سنتين.
ولما توجه القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى مصر قال الأمير سيف الدين تنكز لهما: ما بقي في الديوان أحد، فذكراه له، وقالا: يا خوند، كاتب الرحبة زين الدين الصفدي يصلح أن يكون في باب مولانا ملك الأمراء. وكان قد خلا مكان القاضي جمال الدين بن رزق الله من ديوان الإنشاء بدمشق لتوجهه إلى توقيع غزة، فرسم بإحضار زين الدين إلى دمشق، فجاء إليها، وأقام بها دون السنة، ثم إن القاضي شهاب الدين بن فضل الله طلبه إلى الديار المصرية، فأقام يكتب بين يديه قريباً من ثماني سنين إلى أن رسم السلطان الملك الناصر محمد للقاضي شهاب الدين بن فضل الله بأن يلزم بيته، فعمل عليه هو الآخر، وأخرجه السلطان من الديوان، وأقام في القاهرة مدة ملازم بيته، ثم إن طاجار الدوادار أخرجه من القاهرة إلى صفد بطالاً، فأقام فيها إلى أن حضر القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فتحدث له القاضي شهاب الدين وأحضره من صفد إلى دمشق، فبقي فيها بطالاً إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد فتحدث له القاضي شهاب الدين بن فضل الله مع الأمير علاء الدين ألطنبغا


صفحه 613

نائب الشام، فأمر له بالدخول إلى ديوان الإنشاء، فأقام به إلى أن رسم السلطان الملك الصالح بإبطال من أحدث عبد أبيه السلطان الملك الناصر، فبطل، ولازم بيته مدة، ثم إنه دخل مع من دخل فيما بعد.
ولم يزل يكتب في ديوان الإنشاء بدمشق إلى أن حضر القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله، فسلم إليه الأمر، ورأى من السعادة ما لا رآه في عمره مدة ثلاث سنين. ثم إن القاضي علاء الدين بن فضل الله طلبه إلى الديار المصرية، فتوجه هو ووالده القاضي شهاب الدين أحمد في البريد يوم عيد الأضحى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فأقام بها موقعاً في الدست، وولده في جملة كتاب الإنشاء، إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور.
وكنت قد كتبت إليه إلى دمشق من صفد:
عن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها
وكتبت إليه مع غلام حسن الوجه وهو بغزة:
يا نازحاً صورته في خاطري ... فرميت للتصوير بالنيران
إن لم يبلغك النسيم تحيتي ... فلقد أتاك بها قضيب البان
وكتب هو إلي من دمشق وأنا بصفد سنة ست عشرة وسبع مئة:
أشتاق من دون الأنام خليلا ... فلذاك أصبو بكرة وأصيلا
مولى رحلت وسرت عن معروفه ... فعدمت من إحسانه تنويلا
لو كان في عصر مضى لم يعتمد ... إلا على ألفاظه الترسيلا
هو فارس في فنه كم جدل الأقران في ميدانهم تجديلا
ليس اليراع بكفه في طرسه ... إلا حساماً هزه مصقولا


صفحه 614

فإذا ترسل خلته من لطفه ... أضحى يدير على الأنام شمولا
نبت الكتابة عن سواه فلم تجد ... إلا بضافي الظل عنه بديلا
فلذاك وجه الدهر راح بفضله ... لمن اجتلاه أو رآه جميلا
أرجو اجتماع الشمل منه لأنه ... قد لا يكون به الزمان نحيلا
والله ما لاحت بروق في الدجا ... إلا تجدد لي بكى وعويلا
ولربما سمح الزمان بعودتي ... فأبل من شوقي إليه غليلا
لا زال جودك بالمرام كفيلا ... ولطيف صنعك بالأنام جميلا
أنس قريضك مذ تطلع نيراً ... بسما البديع كثيراً وجميلاً
قط اليراع لسانه عن وصفه ... مذ مد باعاً في البديع طويلا
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
يا سيداً أضحى عظيم فخاره ... أبداً على هام العلا إكليلا
وكسا برود النظم من ترصيعه ... غرر البيان وزادها تحجيلا
لاحت تباشير الصباح بطرسه ... من أسطر أفنيتها تقبيلا
راقت محاسنه ورق شمائلا ... فغدا يمج من البيان شمولا
أما التشوق والحنين فلا تسل ... فالخطب منه لا يزال جليلا
مذ غبت عني فالدموع على الولا ... لو كن سيلاً ما وجدن مسيلا
وتلهب الزفرات في طي الحشا ... خلى محل الصبر عنك محيلا
فاسعف بقربك إنه جل المنى ... لتكيد ضداً أو تسر خليلا
فالجسم في صفد أقام وقلبه ... بل قد تشحط في دمشق قتيلا