فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
يا خير من خط في الأوراق أو كتبا ... وخير من حاول العلياء والأدبا
ومن علا فغلت فيه مودتنا ... وفاق فضلاً وفات العجم والعربا
أنت قصديك الغراء باسمة ... عن نقط أحرفها لما حكى الحببا
فرنحت أنفساً بالبعد قد تلفت ... وحركت كل عطف قد قسا طربا
فهل بعثت بعتب جاء عن قلق ... أو لطف نظمك قد أهدى نسيم صبا
حاشى المودة أن يعتادها ملك ... أو أن يكون النوى في مثله سببا
وإنما الدهر بالإزراء حاربني ... وجار في الحكم لما بت مغتربا
وما ترق على ذلي عواطفه ... ولا تمد إلى العلياء لي طنبا
وكلما قلت قد لينت شرته ... يزيد ناري على تأجيجها حطبا
فاعذز فإنك أولى الناس كلهم ... ببسط عذري إن لم أبعث الكتبا
فأنت تعلم أني قد جعلتك من ... دون البرية في الدنيا أخاً وأبا
فلا تؤاخذ إذا ما هفوة عرضت ... ممن يكون إلى علياك منتسبا
وكتبت أنا إليه من الرحبة أهنئه بمولود ذكر:
هناء به وجه الزمان تهللا ... وبشرى بها الإقبال وافى وأقبلا
فهنئت مولوداً أتى فتشوفت ... إليه عيون الفضل والمجد والعلى
وأكرم بنجم لاح فينا ومن يقل ... بنجل فحرف الميم باللام بدلا
إذا ضوأ الآفاق نور هلاله ... فكيف إذا ما صار بدراً مكملا
سيرضيك في أفعاله ومقاله ... إذا طال في أوج العلا أو تطولا
وترعف أقلام السيادة كفه ... ويرعف أعداء ويرعد ذبلا
ويستخدم البيض الرقاق يراعه ... إلى أن يرد الصعب سهلاً مذللا
ويسعى إلى أبوابه السعد صاغراً ... ويأتي إليه وهو طفل تطفلا
يقبل الأرض وينهي أنه جلس بهذه البشرى على سرر السرور، والتحف منها بحبر الحبور، وملأ كفه بالدرر من هذه الأفراح، وملأ طرفه بالبدور، ونطقته هذه المسرات بالمحامد فارتجل وارتجز، وأمكنته الفرصة من التهاني، فانتهب وانتهز، وقرن الهناء بالدعاء فابتهج وابتهل، تخير ساعات الإجابة فانتقد وانتقل، وكيف لا يبتهج المملوك بمخدوم تجدد، ويتمسك بفضل تعدد، ويسر بدوح تفرع، وإن كان أصله بالمزايا تفرد، وهو هذا إلا بيت تمد في العلياء أطنابه، ترفع في السيادة أعلامه وقبابه، وتتسع لبني الآمال ساحاته ورحابه:
وهذا هدية رب العلا ... فثق بهدايا هداياته
وما أقول إلا أن مولانا ليث وقد أشبل، وبحر زخر لجه حتى مد بجدول، ومن حرمان المملوك أنه ما شافه السمع الكريم بالتهاني، ولا فاز برصد هذا الهلال كيف يترقى إلى الإبدار على الدقائق والثواني، ولا عاين لسلوك المحبين إليه طريقة، ولا حضر لهذه الجوهرة النفيسة يوم عقيقة، وما ضر الأيام لو كنت لجوهره عرضاً أدنى، أو لو ساعفت بالقرب فأكون حاضراً بالصورة إذ قد حضرت بالمعنى، والله تعالى يمتع عينه الكريمة بهذه القرة، ويهبه أمثالها حتى يرى في كل ذرة من الزمان دره، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
فكتب هو الجواب عن ذلك:
أتاني كتاب منك كالبدر يجتلى ... فأصبحت أجلوه على سائر الملا
حكى الروض أمس بالأزاهر ناضراً ... أو العقد أضحى بالجمان مفصلا
يدير على سمع الأنام سلافة ... من القول فاتت منك مسكرة الطلا
لو أن أبا تمام أبصر حسنه ... لما قال في عصر تقدم أو خلا
تخال به برداً عليك محبراً ... وتحسبه عقداً عليك مفصلا
تهن به عبداً لعبدك قد أتى ... فناهيك من مولى به قد تطولا
لقد زاد عبد في عبيدك إذا أتى ... فتمم عداً حين جاء تكملا
وإني لأرجو أن يفوء بخدمة ... يفوق بها فوق السماكين منزلا
تربيه مملوكاً وتنشيه خادماً ... ويكفيه هذا للمعالي توسلا
وكتب هو إلي من صفد وأنا مقيم بالديار المصرة بعد ما خرج إليها في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وقد ظن أن لي في خروجه مدخلاً، وعلم الله تعالى كاف:
إن كان ظنك أنني لك ظالم ... فارحم لأن تسمى لأنك راحم
حسب المسيء من القصاص بأنه ... جرح بجرح والسعيد مسالم
كم قد حرصت على التنصل عندما ... وقع العتاب فما أقال الحاكم
الله يعلم أنني عاذر ... والله عني بالبراءة عالم
ها قد جرى لي ما جرى لك قبلها ... ووقعت في صفد وأنفي راغم
إن صح لي فيها عليك جناية ... فجزاؤها هذا العقاب اللازم
فاقنع به واذكر قديم مودتي ... فالعهد فيما بيننا متقادم
أو لم يكن ذنب وحالي ما ترى ... فامدد إلي يداً وجاهك قائم
فلقد تأتى ما تريد فوالني ... منك الجميل فإنه لك دائم
جار الزمان على وليك واعتدى ... وإليك للزمن الألد يخاصم
من كان ليس بنادم مستدرك ... فأنا عليك إلى مماتي نادم
كانت هناة وانقضت ومن الذي ... منا وليس له تعد جرائم
إن الذي قسم الحظوظ كما يشا ... للرزق ما بين البرايا قاسم
قل وكثر ليس تبقى حالة ... والدهر بين الناس بان هادم
يا من له أخلصت كن لي مخلصاً ... فعلى مجازينا كلانا قادم
أعلنت بالشكوى لضر مسني ... لكن ودي في الحقيقة سالم
ولك السيادة خلة ومكارم ال؟ ... أخلاق منها في يديك خواتم
فاقبل أخوتي الجديدة إنني ... فيها لمجدك أو لودك خادم
وإلى الرضى عد بي وللحسنى أعد ... حتى تقوم على الصفاء علائم
والبس رياستك السنية حلة ... أبداً لها من نسج سعدك راقم
واجعل لها شكراً إقالة عثرة ... من صاحب قد صد عنه العالم
أنت الخليل بل الخلي من الهوى ... وأخوتي قد جرها لك آدم
فأعن أخاك بحسن سعيك مرة ... إن المغارم في الإخاء مغانم
قلت: الأجوبة التي تقدمت أصلحت أنا فيها أماكن حتى رقت ولطفت، وأما هذه الأبيات الميمية فهي شعره على صرافته لم أغير منها شيئاً، وهي بخط يده في التاريخ الكبير في ترجمته.
وكتبت أنا الجواب إلهي عن ذلك:
يا من تعرضني وقلبي سالم ... من إثمه والله إنك آثم
أتظن أني فهت فيك بفظة ... لا والذي هو بالسرائر عالم
ما الأمر فيك كما زعمت وإنما ... أنت امرؤ فيما أهمك واهم
أنسيت أن الله في أحكامه ... عدل وأنك في الحقيقة ظالم
فاقتص لي منك الغداة بمثل ما ... عاملتني والله عدل حاكم
كم قد قطعت الليل منك مسهداً ... والقلب ملتهب وطرفي ساجم
أستصرخ الأنصار فيك وكلهم ... في غفلة عما دهاني نائم
وإذا طلبت الروح من نفس الصبا ... جاءتني النسمات وهي سمائم
فأقمت في صفد ودمعي مطلق ... حزناً ومالي في البرية راحم
حتى إذا علم الإله ضرورتي ... نجى وطرفك بالغواية حالم
فأنب وتب لله وارض بحكمه ... واصبر فحكم الله أمر لازم
لعساك تؤجر أو ترى لك مخلصاً ... من ضيق حال ضره متفاقم
والله مالي في خروجك مدخل ... كلا ولا طبعي لذاك ملائم
فعليك بالصبر الجميل فإنه ... لجراح ناب النائبات مراهم
ما دام لي بخلاف قصدك شدة ... وكذاك ما تخشاه ما هو دائم
أعزز علي بأن يسوءك حادث ... أو أن أنفك في الرزية راغم
ما احتجت للتذكار منك لأنني ... لك في الرخاء وفي الشقاء أقاسم
فلأبذلن عليك مجهودي إلى ... أن تنقضي البلوى وبالك ناعم
فتوخ في الأسحار أوقات الدعا ... إن الدعاء لدفع ذاك دعائم
فكأنني بك قد خلصت خلوص بد ... ر التم حيث سحابه متراكم
وصفوت كالإبريز يخرج من لظى ... والصبح قد أخفاه ليل عاتم
وأراك مسروراً ووجهك مسفر ... بشراً وثغرك بالأماني باسم
وكأنما قد كان من عبث الردى ... بك لم يكن ولك الزمان مسالم
وكان هو قد كتب بدمشق قبل الديوان كتاباً ببشارة النيل على وجه امتحان الخاطر، وجهز إلي نسخته، وهو: " أعز الله أنصار المقر ولا أخلاه من أثر رحمة يشاركه فيها الخلائق، وينبه ذوي الفضائل على التفكر في لطيف صنع الخالق، ويدخل في شمول عمومها وعموم شمولها الصامت والناطق، ويدل على إقبال الرخاء دلالة البرق المستطير على النوء الصادق:
حتى يكون مباركاً في نفسه ... وعلى الورى في سائر الأقطار
متقسم المعروف أحلى موقعاً ... عند النفوس من الخيل الساري
يحيكه مشبه كفه النيل الذي ... أغنى الثرى عن منة الأمطار
أربى عليها لونه لما جرى ... ما شانه الإرعاد بالأكدار
وهي نعمة تحدث عن عجائب بحرها على الحقيقة ولا حجر، ويتساوى في الانتفاع بها كل نام فضلاً عما دب ودرج. لقد أبرزت كنانة أرض الله في أثوابها القشب، وسرى ذكرها إلى الشام المرتقب، موسم الوسمي طليعة السحب تضمن ذلك المثال الشريف الوارد بخبر وفائه القائل من سمعه: هذا عذوبة ألفاظ ألبستها من حلاوة مائه. وإن المقياس أتى بتمام قياسه الثابت على عادة عدانه، ونادى وقد سقى الأرض غير مفسدها بالأمان من طوفانه. وإن أراقم غدرانه انسابت في ذلك الإقليم
فابتلعت غدران أراقمه، ومحا سيله المتدفق معالمه المجهولة، فاستعمل الأقلام في إثبات معالمه. وإنه أحاط بالقرى كالمحاصر فضرب بينها وبين ضائقة المحل بسور، وأخذ الطرق على السالكين فلا مراكب في البر ولا عاصم إلا الجسور. ولم تنتقض قاعدة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. على أن لله الحفي في هذا لطفاً خفياً وما هو بالخفي، فنقصها جاء " تماماً على الذي أحسن "، ونجاة بدنها الهالك للنبات آية المأمن. وكأني بهذا المخبر عنه، وقد بلغ الزبا من الربا، فطار النسر مبلول الجناح، ودنا حين أطلق فركضه من مشى بالأرجل، لا أن رفعه من قام بالراح.
ومولانا يأخذ من هذه الأنباء بأحسنها وكلها حسنة، ومن هذه البشائر المنتظر قدومها بأبينها يمناً وكلها بينة متيمنة، وقد علم حق نعم الله الشكر فيوفيها منه حقها. ويتوقع رزق بلاده من السماء كما وعد، فقد أخرج لتلك من خزائن غيبه رزقها، ويوفر الرعايا من الجباية ليتوفروا على الدعاء، ويعرفوا نزاهة هذه الدولة القاهرة عن القوة على الضعفاء.
فإن المرسوم الشريف نص على هذه الخاتمة الجلية، وطهر هذه الموارد من قذى
الأذى لتنقى القلوب من السخط كما كانت في نفسها نقية، ومن وعى فواضل هذا الكرم الطاهر فليقل: يا مقيلات الجدود العواثر.
والله تعالى يجعل مولانا من المتوكلين عليه ليزيده إيماناً، ويرزقه كما رزق تلك الديار التي غدت من الظمأ خماصاً، وراحت من الري بطاناً، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
ولما كنت أنا بالديار المصرية سنة تسع وعشرين وسبع مئة ألزمني القاضي شهاب الدين بن فضل الله رحمه الله تعالى أن أنشئ كتاباً في المعنى، فكتبت، وبالله التوفيق: ضاعف الله تعالى نعمةالجناب وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من الهناء كل آية هي أكبر من الآخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبحها تفرق ليل الهم وتفرى، وأورد لديه من أنباء الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرا.
هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تخصه بسلام يرق كالماء انسجاماً، ويروق كالزهر ابتساماً، وتتحفه بثناء جعل المسك له ختاما، وضرب له على الرياض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص الله الديار المصرية بوفادة وفائه، وأغنى قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافه وفائه، ونزهه عن منه الغمام الذي إن