بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 618

فكتب هو الجواب عن ذلك:
أتاني كتاب منك كالبدر يجتلى ... فأصبحت أجلوه على سائر الملا
حكى الروض أمس بالأزاهر ناضراً ... أو العقد أضحى بالجمان مفصلا
يدير على سمع الأنام سلافة ... من القول فاتت منك مسكرة الطلا
لو أن أبا تمام أبصر حسنه ... لما قال في عصر تقدم أو خلا
تخال به برداً عليك محبراً ... وتحسبه عقداً عليك مفصلا
تهن به عبداً لعبدك قد أتى ... فناهيك من مولى به قد تطولا
لقد زاد عبد في عبيدك إذا أتى ... فتمم عداً حين جاء تكملا
وإني لأرجو أن يفوء بخدمة ... يفوق بها فوق السماكين منزلا
تربيه مملوكاً وتنشيه خادماً ... ويكفيه هذا للمعالي توسلا
وكتب هو إلي من صفد وأنا مقيم بالديار المصرة بعد ما خرج إليها في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وقد ظن أن لي في خروجه مدخلاً، وعلم الله تعالى كاف:
إن كان ظنك أنني لك ظالم ... فارحم لأن تسمى لأنك راحم
حسب المسيء من القصاص بأنه ... جرح بجرح والسعيد مسالم
كم قد حرصت على التنصل عندما ... وقع العتاب فما أقال الحاكم
الله يعلم أنني عاذر ... والله عني بالبراءة عالم
ها قد جرى لي ما جرى لك قبلها ... ووقعت في صفد وأنفي راغم
إن صح لي فيها عليك جناية ... فجزاؤها هذا العقاب اللازم


صفحه 619

فاقنع به واذكر قديم مودتي ... فالعهد فيما بيننا متقادم
أو لم يكن ذنب وحالي ما ترى ... فامدد إلي يداً وجاهك قائم
فلقد تأتى ما تريد فوالني ... منك الجميل فإنه لك دائم
جار الزمان على وليك واعتدى ... وإليك للزمن الألد يخاصم
من كان ليس بنادم مستدرك ... فأنا عليك إلى مماتي نادم
كانت هناة وانقضت ومن الذي ... منا وليس له تعد جرائم
إن الذي قسم الحظوظ كما يشا ... للرزق ما بين البرايا قاسم
قل وكثر ليس تبقى حالة ... والدهر بين الناس بان هادم
يا من له أخلصت كن لي مخلصاً ... فعلى مجازينا كلانا قادم
أعلنت بالشكوى لضر مسني ... لكن ودي في الحقيقة سالم
ولك السيادة خلة ومكارم ال؟ ... أخلاق منها في يديك خواتم
فاقبل أخوتي الجديدة إنني ... فيها لمجدك أو لودك خادم
وإلى الرضى عد بي وللحسنى أعد ... حتى تقوم على الصفاء علائم
والبس رياستك السنية حلة ... أبداً لها من نسج سعدك راقم
واجعل لها شكراً إقالة عثرة ... من صاحب قد صد عنه العالم
أنت الخليل بل الخلي من الهوى ... وأخوتي قد جرها لك آدم
فأعن أخاك بحسن سعيك مرة ... إن المغارم في الإخاء مغانم
قلت: الأجوبة التي تقدمت أصلحت أنا فيها أماكن حتى رقت ولطفت، وأما هذه الأبيات الميمية فهي شعره على صرافته لم أغير منها شيئاً، وهي بخط يده في التاريخ الكبير في ترجمته.


صفحه 620

وكتبت أنا الجواب إلهي عن ذلك:
يا من تعرضني وقلبي سالم ... من إثمه والله إنك آثم
أتظن أني فهت فيك بفظة ... لا والذي هو بالسرائر عالم
ما الأمر فيك كما زعمت وإنما ... أنت امرؤ فيما أهمك واهم
أنسيت أن الله في أحكامه ... عدل وأنك في الحقيقة ظالم
فاقتص لي منك الغداة بمثل ما ... عاملتني والله عدل حاكم
كم قد قطعت الليل منك مسهداً ... والقلب ملتهب وطرفي ساجم
أستصرخ الأنصار فيك وكلهم ... في غفلة عما دهاني نائم
وإذا طلبت الروح من نفس الصبا ... جاءتني النسمات وهي سمائم
فأقمت في صفد ودمعي مطلق ... حزناً ومالي في البرية راحم
حتى إذا علم الإله ضرورتي ... نجى وطرفك بالغواية حالم
فأنب وتب لله وارض بحكمه ... واصبر فحكم الله أمر لازم
لعساك تؤجر أو ترى لك مخلصاً ... من ضيق حال ضره متفاقم
والله مالي في خروجك مدخل ... كلا ولا طبعي لذاك ملائم
فعليك بالصبر الجميل فإنه ... لجراح ناب النائبات مراهم
ما دام لي بخلاف قصدك شدة ... وكذاك ما تخشاه ما هو دائم
أعزز علي بأن يسوءك حادث ... أو أن أنفك في الرزية راغم
ما احتجت للتذكار منك لأنني ... لك في الرخاء وفي الشقاء أقاسم
فلأبذلن عليك مجهودي إلى ... أن تنقضي البلوى وبالك ناعم
فتوخ في الأسحار أوقات الدعا ... إن الدعاء لدفع ذاك دعائم
فكأنني بك قد خلصت خلوص بد ... ر التم حيث سحابه متراكم


صفحه 621

وصفوت كالإبريز يخرج من لظى ... والصبح قد أخفاه ليل عاتم
وأراك مسروراً ووجهك مسفر ... بشراً وثغرك بالأماني باسم
وكأنما قد كان من عبث الردى ... بك لم يكن ولك الزمان مسالم
وكان هو قد كتب بدمشق قبل الديوان كتاباً ببشارة النيل على وجه امتحان الخاطر، وجهز إلي نسخته، وهو: " أعز الله أنصار المقر ولا أخلاه من أثر رحمة يشاركه فيها الخلائق، وينبه ذوي الفضائل على التفكر في لطيف صنع الخالق، ويدخل في شمول عمومها وعموم شمولها الصامت والناطق، ويدل على إقبال الرخاء دلالة البرق المستطير على النوء الصادق:
حتى يكون مباركاً في نفسه ... وعلى الورى في سائر الأقطار
متقسم المعروف أحلى موقعاً ... عند النفوس من الخيل الساري
يحيكه مشبه كفه النيل الذي ... أغنى الثرى عن منة الأمطار
أربى عليها لونه لما جرى ... ما شانه الإرعاد بالأكدار
وهي نعمة تحدث عن عجائب بحرها على الحقيقة ولا حجر، ويتساوى في الانتفاع بها كل نام فضلاً عما دب ودرج. لقد أبرزت كنانة أرض الله في أثوابها القشب، وسرى ذكرها إلى الشام المرتقب، موسم الوسمي طليعة السحب تضمن ذلك المثال الشريف الوارد بخبر وفائه القائل من سمعه: هذا عذوبة ألفاظ ألبستها من حلاوة مائه. وإن المقياس أتى بتمام قياسه الثابت على عادة عدانه، ونادى وقد سقى الأرض غير مفسدها بالأمان من طوفانه. وإن أراقم غدرانه انسابت في ذلك الإقليم


صفحه 622

فابتلعت غدران أراقمه، ومحا سيله المتدفق معالمه المجهولة، فاستعمل الأقلام في إثبات معالمه. وإنه أحاط بالقرى كالمحاصر فضرب بينها وبين ضائقة المحل بسور، وأخذ الطرق على السالكين فلا مراكب في البر ولا عاصم إلا الجسور. ولم تنتقض قاعدة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. على أن لله الحفي في هذا لطفاً خفياً وما هو بالخفي، فنقصها جاء " تماماً على الذي أحسن "، ونجاة بدنها الهالك للنبات آية المأمن. وكأني بهذا المخبر عنه، وقد بلغ الزبا من الربا، فطار النسر مبلول الجناح، ودنا حين أطلق فركضه من مشى بالأرجل، لا أن رفعه من قام بالراح.
ومولانا يأخذ من هذه الأنباء بأحسنها وكلها حسنة، ومن هذه البشائر المنتظر قدومها بأبينها يمناً وكلها بينة متيمنة، وقد علم حق نعم الله الشكر فيوفيها منه حقها. ويتوقع رزق بلاده من السماء كما وعد، فقد أخرج لتلك من خزائن غيبه رزقها، ويوفر الرعايا من الجباية ليتوفروا على الدعاء، ويعرفوا نزاهة هذه الدولة القاهرة عن القوة على الضعفاء.
فإن المرسوم الشريف نص على هذه الخاتمة الجلية، وطهر هذه الموارد من قذى


صفحه 623

الأذى لتنقى القلوب من السخط كما كانت في نفسها نقية، ومن وعى فواضل هذا الكرم الطاهر فليقل: يا مقيلات الجدود العواثر.
والله تعالى يجعل مولانا من المتوكلين عليه ليزيده إيماناً، ويرزقه كما رزق تلك الديار التي غدت من الظمأ خماصاً، وراحت من الري بطاناً، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
ولما كنت أنا بالديار المصرية سنة تسع وعشرين وسبع مئة ألزمني القاضي شهاب الدين بن فضل الله رحمه الله تعالى أن أنشئ كتاباً في المعنى، فكتبت، وبالله التوفيق: ضاعف الله تعالى نعمةالجناب وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من الهناء كل آية هي أكبر من الآخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبحها تفرق ليل الهم وتفرى، وأورد لديه من أنباء الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرا.
هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تخصه بسلام يرق كالماء انسجاماً، ويروق كالزهر ابتساماً، وتتحفه بثناء جعل المسك له ختاما، وضرب له على الرياض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص الله الديار المصرية بوفادة وفائه، وأغنى قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافه وفائه، ونزهه عن منه الغمام الذي إن


صفحه 624

جاد فلا بد له من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي البلاد التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج فيها مفارق الطرق ورؤوس الجبال، ولا تبيت البروق ساهرة لمنع العيون من تعهد الخيال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس. وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب لأن القطر سهام والضباب عجاج قد انعقد، ولا يعم الغيث بقاعها، لأن السحب لا تراها إلا بسراج من البرق إذا اتقد، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال: عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل وأنا بالملق أطبع.
والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها وجود الوفاء عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كسر والماء كما يقال سلطان، وهو أكرم منتمي، وأشرف منتدى، وأعذب مجتنى، وأعظم مجتدى. إلى غير ذلك من خصائصه وبراءته مع الزيادة من نقائصه، وهو أنه في ذا العلم المبارك جذب البلاد من الجدب، وخلصها بذراعه، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من تراعه، وحصنها بسواري الصواري تحت قلوعه وما هي إلا عمد قلاعه.
وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة في مطالعتنا الشريفة في كل يوم بخير قاعة في رقاعه، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعاً، وأقبلت سوابق الخيرات سراعاً، وفتح


صفحه 625

أبواب الرحمة بتغليقه، وجد في طلب تخليقه، وتضرع بمد ذراعيه إلينا، وسلم عند الوفا بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلاب لكرم طباعه جبر العالم بكسره.
فرسمنا بأن يخلق، ويعلم تاريخ هنائه ويعلق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فرح موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له في هذا خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زبد حركته ولولاه ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة، وبشر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله عز وجل على العباد. وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ منها ما نهبه لرعايانا من فوائدها.
ويخص بالشكر قوادمها فهي تدب حولنا وتدرج، وتخص قوادمها بالثناء والمدح والحمد فهي تدخل إلينا وتخرج.
فليأخذ الجناب العالي حظه من البشرى التي جادت المن والمنح وانهلت أياديها الغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجا أديم الأفق، ويتخذها عقداً يحيط به من العنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان