عمر بن محمد بن عمر
ابن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي الحنفي، قاضي القضاة، نجم الدين أبو القاسم الحاكم بحماة، ابن الصاحب جمال الدين أبي غانم ابن الصاحب الكبير كمال الدين أبي القاسم.
سمع من الأبرقوهي، وحدث عنه، وحج سنة سبع عشرة وسبع مئة.
كان حسن الشكالة، كأن وجهه تحت عمته بدر في هالة، دائم البشر، عطر النشر، كريم الملقى لمن يحضر إليه، لين الجانب للخصم إذا وقف بين يديه، لم يشتم أحداً مدة ولايته، ولا خاطب أحداً بما لا يليق لكرم أصالته، مجموع الفضائل، مطبوع الكرم والشمائل، يعرف من العقليات جمله، وعنده من الأدب علماً وعملاً ما هو على الشرعيات فضله، قد فض له فضله ختام كل فن، وبل له وبله رياض ما شرد من النكت وعن، وخطه عقود العقول وفصوص الفصول، يحكي البرد إذا حبك، والذهب إذا سبك. ونظمه أرق من شكوى المحب إلى الحبيب، وألذ عند المتيم من غفلة الرقيب القريب.
وكان الملك المؤيد يعظمه ويثني على فضائله ويتعجب لذهنه إذا تصرف في مسائله.
اجتمعت به فخلبتني عبارته، وسلبتني حركته وإشارته. ورأيت منه سيادة تعرب عن كمال ذاته، ورئاسة تفضي بغريب صفاته:
ويفتر منه عن خصال كأنها ... ثنايا حبيب لا يمل لها رشف
وفارقته والتلفت إليه يثني دائماً عنقي، والشوق تضرمه لواعد قلقي.
ولم يزل بحماة والناس به مغتبطون، وعلى إحسانه وبره مرتبطون، إلى أن بغته أجله في أشده، وحل أنسه من الوجود بعد شده.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الخامس والعشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بعد صلاة الجمعة بمقبرة أقاربه قبلي البلد.
ومولده يوم الثلاثاء سابع عشري شهر رمضان سنة تسع وثمانين وست مئة.
وتولى الحكم بحماة من سنة إحدى وعشرين وسبع مئة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان لين الجانب، كثير المروءة، ما قصده أحد في شيء وخيبه. ولم يحفظ أهل حماة عنه أنه سب أحداً بحماة مدة ولايته. وهو قاضي القضاة الحنفية، ومدرس بها، وكان صاحب حماة يثني عليه وعلى فضائله، وحصل لأهل حماة على فراقه ألم شديد وحزن عظيم، وجنازته حافلة إلى الغاية.
وعند مروري بحماة عائداً من حلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، دخلت إليه في تحمل شهادة عليه، فرأيت منه رئاسة وحشمة وسيادة ولطفاً زائداً.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
كأن وجه النهر إذ حفت به ... أشجاره فصافحته الأغصن
مرآة غيد قد وقفن حولها ... ينظرن فيها أيهن أحسن
ومن نظمه:
ما لليالي بسهم البعد قد رشقت ... وصارم البين للأحباب قد مشقت
وخالفت في الذي يهوى وما ونيت ... كأنها لخلاف القصد قد عشقت
وأضرمت نار حرب من عداوتها ... ضراً فأعلامها بالهم قد خفقت
وفرقت جمع شمل كان ملتئماً ... وجمعت حادثات كانت افترقت
هي الليالي فلا تستكثرن لها ... هذا العناد إذا أنصارها اتفقت
منها:
أشكو إليك غراماً فيك أقلقني ... فدتك نفسي على طول المدى ووقت
وفرط شوق ووجد ناره اتقدت ... بين الأضالع والأحشاء فاحترقت
ولوعة منك لولا النفس واثقة ... بأن تعود لكانت للنوى زهقت
من بعد ما غبت يا من كان يؤنسني ... ما أبصرت حسناً عيني ولا رمقت
سواك ما مر في بالي ولا شفتي ... بغير ذكرك يا أقصى المنى نطقت
عمر بن محمد بن ماو
شهاب الدين الحميدي.
أنشدني شيخنا العلامة أثير الدين، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أفديه عطاراً شهي اللمى ... أحور فتاناً كحور الجنان
بي غمرة منه فيا ليته ... لو جاد لي يوماً بماء اللسان
قلت: ذكرت هنا ما قلته في عطار:
كلفت بعطار حكى البدر في السنا ... وظبي الفلا في جيده ونفاره
دوا ألمي الورد المربى بخده ... يذر عليه آنسون عذاره
وقلت أيضاً فيه:
فديت عطاراً غدا حسنه ... يقول: سبحان بديع الصفات
نهدي في صدري أبلوجة ... والريق قطر وعذاري نبات
وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدني المذكور لنفسه أيضاً:
فديت نشاراً غدا نشره ... أذكى من المسك إذا فاحا
قد راح من سكرة خمر الصبا ... كأنما قد شرب الراحا
بسيف جفنيه ومنشاره ... كم شق أرواحاً وألواحا
قلت: ذكرت أنا ما قلته في نجار:
قد عشقت النجار لما بدا لي ... بمحيا قد فاق في الحسن بدرا
أصله طيب ونكهة فيه ... فلهذا قد فاق نجرا ونشرا
وقلت أيضاً في مليح نجار:
أحببت نجاراً بديع جماله ... منه الشموس تغار والأقمار
فخري به بين البرية أنهم ... قالوا غدا وحبيبه النجار
عمر بن محمد بن عبد الحاكم
ابن عبد الرزاق، الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة زين الدين أبو حفص البلفيائي، بالباء الموحدة وبعدها لام وفاء وياء آخر الحروف وألف ممدودة، وبلفيا بلدة من أعمال البهنساوية.
تفقه بالقاهرة على الشيخ علم الدين العراقي، وسمع يسيراً من الحديث على الأبرقوهي، وعلى ابن سليمان بن القيم، والإمام علاء الدين الباجي. وخرج له قاضي القضاة تاج الدين السبكي أحاديث حدث بها أيام تفقه عليه.
كان في الفقه إماماً، وعلماً لا يسام رفعة ولا يسامى، قد تضلع من الفروع، وكاد يتقدم على غيره من الشروع. قل نظيره، وعلا على الأطلس أثيره. اعترف له بذلك فقهاء مصره، وفضلاء عصره، لو أنه لم يكن عقله المعيشي طائلاً، ولا سيل علمه في سياسة الناس سائلاً. لا جرم أنه عزل واخترم من منصبه واختزل.
وما زال يتقلب في حاليه مع الأيام، ويتصرف بنفسيه مع النقض والإبرام، إلى أن درج بعدما مشت حاله، وراح إلى الله وقدامه علمه وأعماله.
وتوفي رحمه الله تعالى بصفد في أول شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة إحدى وثمانين وست مئة.
كان شيخنا الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي يثني عليه ويعظمه في الفقه، ويقول: ما رأيت أفقه نفساً منه. وكان المصريون يقولون: لو حلف الحالف أنه يستفتي أعلم من في القاهرة، واستفتاه، لم يحنث.
وكان قد تولى قضاء القضاة بحلب، فحضر إليها في أيام الأمير سيف الدين طرغاي، فلم تطل مدته، ولم تحسن سياسته الناس، فتعصب عليه جماعة مع كاتب سرها القاضي شهاب الدين بن القطب، فعزل منها بعد شهرين ثلاثة، إلا أنه باشرها بصلف وأمانة وعفة حتى قال فيه القاضي زين الدين بن الوردي رحمه الله تعالى:
كان والله عفيفاً نزهاً ... وله عرض عريض ما اتهم
وهو لا يدري مداراة الورى ... ومداراة الورى أمر مهم
فحضر إلى دمشق في أواخر أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى ففاوضه قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى فيه وعرفه مقداره، فقال له: لا تقطع به، فولاه تدريس المدرسة النورية بحمص، فأقام بها مدة إلى أن ورد الأمير سيف الدين آقبغا عبد الواحد، فتعصب عليه عنده حاكمها القاضي شهاب الدين البارزي، فتركها وتوجه إلى القاهرة، فولاه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة قضاء المنوفية، فأقام بها مدة، وأتى إلى القاهرة، فولاه قاضي القضاة نيابة الحكم في باب الفتوح، ثم إن السلطان ولاه قضاء القضاة بحلب في أوائل سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ثم أبطل ذلك وولاه قضاء صفد في أواخر صفر فيما أظن، فأقام بها تقدير خمسين يوماً، وتوفي في طاعون صفد رحمه الله تعالى.
وكان قاضي القضاة عز الدين قد ولاه قبل قضاء حلب الأول قضاء البهنساوية، وذلك في أوائل ولاية ابن جماعة.
عمر بن محمد بن عثمان بن عبد الله
الإمام البارع المفتن كمال الدين أبو حفص بن شهاب الدين بن العجمي الحلبي الشافعي.
سمع بحلب ومصر ودمشق، وقرأ على شيخنا الذهبي أجزاء.
كان فاضلاً قد تفنن، وعالماً قد تميز وتعين. شارك في العلوم، ورقى إلى أن استفلت عنه النجوم. بذهنه الوقاد، وخاطره المنقاد:
تعرف في عينه حقائقه ... كأنه بالذكاء مكتحل
إلا أنه كان فيه رهج وطيش، وعدم قرار على حالة من العيش. يسعى ليله ونهاره، ويخلب بحسن توصله الحجارة.
وما زال إلى أن اعترضت المنايا أمانيه، وخانت آماله أيامه ولياليه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
تخرج بالشيخ فخر الدين بن خطيب جبرين. وكنت أنا وهو نقرأ عليه بحلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة في المعقول والمنقول. وتخرج أيضاً بالشيخ كمال الدين بن الزملكاني لما كن بحلب.
وتصدر بحلب للإفادة وتميز سنة نيف وسبع مئة.
أخبرني القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء بالشام قال: كان القاضي زين الدين عمر بن الوردي يقول له: والله عمرك ما تفلح، وإن أفلحت تموت. فكان الأمر كما قال، لأنه مات والده وورثه وتبلبل حاله ومات.
عمر بن محمد بن سلمان
ابن حمائل، جمال الدين بن غانم، أحد الإخوة.
قال شيخنا البرزالي: سمع معنا مسند الإمام حمد على بن علان وغير ذلك. وكان رجلاً جيداً قليل الاختلاط بالناس متقنعاً.
توفي رحمه الله تعالى حادي عشر جمادى الأولى سنة عشرين وسبع مئة.
تقدم ذكر إخوته أحمد وعلي وأبي بكر.
عمر بن محمد بن عثمان
الشيخ الإمام المجود المحرر المتقن شيخ الكتابة في عصره، جمال الدين الدمشقي.