ولما وقفت له على كتابه الكلام على مئة غلام عند القاضي الرئيس بهاء الدين حسن بن ريان، وجدت غالبه من نظمي في الحسن الصريح في مئة مليح، وكان ذلك عقيب قدومي من القاهرة فقلت له: يا مولانا اكتب إليه، وقل له: قد وقع صاحب العملة بها وعرفها. فكتب إليه وعرفه المقصود، فغير فيها أشياء فلهذا ترى نسختين ثم وقفت له على أشياء في غير ما نوع قد اغتصبها واختلسها، فكتبت إليه رحمه الله تعالى:
أغرت على أبكار فكري ولم أغر ... عليها فلا تجزع فما أنا واجد
ولو غير مولاي استباح حجابها ... أتته من العتب الأليم قصائد
قواطع لا تحميه درع اعتذارها ... وألسنها عنه الخصام مبارد
ولكنه لا فرق بيني وبينه ... يبين لأنا في الحقيقة واحد
فكتب هو الجواب إلي وأجاد:
وأسرق ما أردت من المعاني ... فإن فقت القديم حمدت سيري
وإن ساويته نظماً فحسبي ... مساواة القديم فذا لخيري
وإن كان القديم أتم معنى ... فهذا مبلغي ومطار طيري
فإن الدرهم المضروب باسمي ... أحب إلي من دينار غيري
كان رحمه الله تعالى وسامحه لما سمع قولي:
أترك هوى الأتراك إن شئت أن ... لا تبتلى فيهم بهم وضير
ولا ترجي الجود من وصلهم ... ما ضاقت الأعين منهم لخير
قال هو رحمه الله مختصراً:
سل الله ربك من فضله ... إذا عرضت حاجة مقلقه
ولا تقصد الترك في حاجة ... فأعينهم أعين ضيقه
ولما سمع قولي:
ركبت في البحر يوماً مع أخي أدبٍ ... فقال دعني من قال ومن قيل
شرحت يا بحر صدري اليوم قلت له ... لا تنكر، الشرح يا نحوي للنيلي
فقال هو رحمه الله تعالى وزاد:
ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلهم بتقبيل
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيلي
ولما سمع قولي:
كؤوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشها ... فأحسن ما ذهبت بالطلا
قال هو رحمه الله تعالى ونقص:
؟ أحسن ما كانت كؤوس الطلا ... ساذجدة يبدو بها الخافي
فالنقش نقص ومن الرأي أن ... ترتشف الصافي من الصافي
وقال رحمه الله تعالى أيضاً مختصراً:
دع الكأس من نقشها ... فصاف بصاف أحب
إذا ذهبت بالطلا ... فقد طليت بالذهب
ولما سمع قولي:
انهض إلى الربوة مستمتعاً ... تجد من اللذات ما يكفي
فالطير قد غنى على عوده ... في الروض بين الجنك والدف
قال رحمه الله تعالى:
دمشق قل ما شئت في حسنها ... واحك عن الربوة ما تحكي
فالطير قد غنى على عوده ... وزفها بالدف والجنك
قلت: كذا وجدته قال، وفيه فساد، وهو أنه أضاف الدف إلى الربوة والمشهور بين الناس إضافة الجنك إلى الربوة، فما يقال إلا جنك الربوة، وما يقال: دف الربوة. وإن كان هناك دفوف كثيرة فإن المشهور ما قلته، وقد أخذ المعنى بكماله، ونصف البيت الأول من الثاني بلفظه، وهذه مصالتة، عفا الله عنه.
ولما سمع قولي:
تزوج الشيخ بتركية ... تضم في الغربة أطرافه
كأنها من حسنها شمعة ... وهي على العشاق طوافه
وقولي في مخيلة:
نقط خدي الدمع عشقاً وقد ... قامت إلى الرقص خياليه
فما رأت عيني لها مشبهاً ... مصرية في ضوء شاميه
جمع هو المقصدين في مقطوع واحد فقال:
جاءتك في طيف خيال حكت ... خيال طيف هز أعطافه
مصرية في ضوء شامية ... يا حين ذي الشمعة طوافه
ولما سمع قولي:
ومليح طراز كميه أضحى ... مثل خط العذار في حسن رقم
قال قلت الظباء مثلي وما عا ... زت ظباء الفلا سوى طرز كمي
وقولي أيضاً وفيه تضمين:
ضممت معذبي لما أتاني ... ورقم عذاره قد راق عيني
فيا طرزيه هل يدني زماني ... ليالي وصلنا بالرقمتين
وجمعهما وقال:
طرز قباء محنتي ... كخده ورقمه
ما أعوزت منه الظبا ... إلا طراز كمه
ولما سمع قولي:
عجباً لزهر اللوز حين يلوح وال؟ ... أوراق إذ تجلى على نظاره
عكس القضية في الورى فمشيبه ... يبيض من قبل اخضرار عذاره
قال رحمه الله تعالى:
أشجار لوز تنادي ... أمري على الخلف جاري
بعد اشتعالي مشيباً ... يخضر مني عذاري
قلت: قوله أخصر، لكنه أبتر، وقولي أنا أكمل وأجمل، وقولي عكس القضية أكثر في الاستعمال من قوله أمري على الخلق جار.
ولما سمع قولي:
أسائل عن أرض ألفت ربوعها ... وفيها حبيب نلت منه مرادي
فقالوا متى تظلم جلالها بوجهه ... فقلت أنا أدرى بشمس بلادي
قال هو مختصراً:
؟ ما الشمس عندي على ما ... زعمتم يا أعادي
دعوه عنكم فإني ... أدري بشمس بلادي
ولما سمع قولي في مليح أمير:
هذا المليح المفدى ... قلب المعنى أسيره
يقول من بات ضيفي ... عشقاً فإني أميره
قال هو رحمه الله تعالى:
أقول لبدر سائر بين أنجم ... أأنت أمير المصر قال أميره
فقلت إذا مات الكرام بأسرهم ... أأنت تمير الوفد قال أميره
ولما سمع قولي في مليح فقير:
فقير غنيت به في الهوى ... إذا ما بدا عن محيا البدور
وأصبح وجدي كثيراً به ... على أنه قد غدا بالفقيري
قال هو مختصراً:
بي فقير كغني ... بسنا وجه منير
لا تلمني في افتضاحي ... فغرامي بالفقيري
ولما سمع قولي في مليح ناسخ:
بليت بناسخ كالبدر حسناً ... له خصر طفا والردف راسخ
؟ برى جسمي ضنا إذ قط قلبي ... وأصبح للجفا بالوصل ناسخ
قال هو مختصراً:
ناسخ راسخ الروا ... دف والخصر قد طفا
قد برى الجسم عندما ... نسخ الوصل بالجفا
قلت: أخذ المعنى واللفظ بعينهما واختصره لكنه محقه، فإنه ما ذكر القط وهذا ظاهر.
ولما سمع قولي:
لئن سمح الدهر البخيل بقربكم ... وسكن منا أنفساً وخواطرا
جعلنا ابتذال النفس شكران وصلكم ... وقلنا لدمع العين تعمل ما جرى
نقله فقال في مليح فقير:
ولي فقير أدمعي ... تعمل فيه ما جرى
إن قلت قد سلبتني ... يقول شغل الفقرا
ولما سمع قولي:
يقول لما قلت هذا اللمى ... أسكرتني لما ترشف فاك
سواك ما ذاق لمى مبسمي ... أستغفر الله ذكرت السواك
نقله هو فقال:
قالت وناولتها سواكاً ... ساد بفيها على الأراك
سواي ما ذاق طعم ريقي ... قلت بلى ذاقه سواكي
ولما سمع قولي:
مر على حبي نسيم الصبا ... فقال لي في بعض أقواله
ما لي في زهر الربا عبرة ... مذ تمسكت بأذياله
نقله هو فقال:
ضممتها عند اللقا ضمة ... منعشة للكلف الهالك
قالت تمسكت وإلا فما ... هذا الشذا قلت بأذيالك
ولما سمع قولي في قيم حمام:
بلان حمامنا له نظر ... يحار في حسن وصفه الفكر
عيناه موسى ونبت عارضه ... له مسن وقلبه حجر
قال هو رحمه الله تعالى موالياً:
حمامكم فيه قيم منظر ويسبي ... غسلني بالدمع ثن أنشد كذا صبي
جعل مسنو وموسو والحجر نصبي ... قال ذا عذاري وذا طرفي وذا قلبي
ولما سمع قولي:
المقلة السوداء أجفانها ... ترشق في وسط فؤادي النبال
وتقطع الطرق على سلوتي ... حتى حسبنا في السويداء رجال
قال هو ولكنه حول معناه:
من قال بالمرد فإني امرؤ ... إلى النساء ميلي ذوات الجمال
ما في سويدا القلب إلا النسا ... ما حيلتي ما في السويدا رجال
ولما سمع قولي مضمناً:
مليح يخاف على حسنه ... فينتف منه عذاراً سرح
فقلت له خل هذا الخيال ... ومد الشباك وصد من سنح
قال ونقل المعنى إلى صياد:
لو جنة صيادكم نسخة ... حريرية ملحة الملح
تقول لنبت العذار اجتهد ... ومد الشباك وصد من سنح
ولما سمع قولي:
بتنا وما نقلنا سوى قبل ... وريق فيه السلاف مشروبي
نمنا وما نمت الوشاة بنا ... لولا فضول الحلي والطيب
قال هو:
زارت على ياسي لطيف خيالها ... يا دهر ما بقيت عليك ذنوب
فركبت أخطار الهوى في وصلها ... والطيب واش والحلي رقيب