المصرية، طلب ابن السفاح وأخاه وولاه كتابة السر بحلب عوضاً عن القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود، وأقام في حلب تلك المدة على القالب الجائر، وحسده أصحابه وغيرهم، وأحسن إلى الناس كلهم، ولكن الحسود لا يرضيه إلا زوال النعمة. وكان الأمير أرقطاي نائب حلب، فمشى الأحوال وصبر ولم يسمع فيه كلام واش. ولما مات وحضر سيف الدين أرغون الكاملي زاد أعداؤه في السعي عليه وتمكنوا منه فرموا بينه وبين النائب، وتأكدت الوحشة، وتظاهر بالانحراف عليه، وكتب فيه إلى مصر حتى عزل بالسيد الشريف شهاب الدين الحسين الحسيني، وصودر، وأخذ منه مئة ألف درهم، ولم يجر على كاتب سر ما جرى عليه، ثم إنه أفرج عنه وطلب إلى مصر، فما وصل إلهيا حتى أمسك الأمير سيف الدين منجك وقام عليه الأمير سيف الدين طشبغا الداوادار، فأعيد هو وأخوه القاضي شمس الدين تحت الترسيم إلى حلب، وأخذ منهما شيء آخر بعد المئة ألف.
ثم أفرج عنه وتوجه إلى مصر، وعاد مع السلطان الملك الصالح صالح إلى دمشق في واقعة بيبغاروس، وجاء على وظائفه الأول بحلب، فتوجه إليها وأقام بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور.
وكان رحمه الله تعالى جواداً كريماً ذا مروءة زائدة وتعصب لمن ينتمي إليه وخدمة للناس ومداراة، وقل أن رأيت مثله، وكان يعتريه مرض الماشرى كل أربعين يوماً أو أقل أو أكثر، ويقاس منه شدة ثم يبرأ منه.
وجاء في بعض سفراته إلى دمشق فتوجهت إلى زيارته فوجدته يأكل سلفنداناً فعزم علي، فلم آكل منه لأنني كنت صائماً، ثم إني صنعت له في اليوم الثاني طبقاً من حلوى السلفندان، وجهزته وكتبت إليه معه:
ما حرم المملوك لما غدا ... عندك أكل السلفندان
إلا لأن يأتي به هكذا ... فصار هذا سلفاً داني
وكانت إلى جانبي دويرة في دمشق لشخص نصراني قسيس في حلب، وكنت مضروراً لإضافة تلك الدويرة إلى داري، فكتب إليه ليتحدث مع ذلك النصراني ويشتريها لي منه ويرغبه في الثمن، وكتبت من جملة ذلك:
أقول للحائر اللهفان حين غدا ... ولم ينل من أماني نفسه وطرا
إن أهمل الدهر ما تبغيه من أمل ... ونام عن نيله نبه له عمرا
فعاذ جوابه بأن الشغل ينقضي ولكن النصراني ضنين بهذا المكان وأبطأ على انقضاء الشغل في ذلك، فكتبت إليه أيضاً:
مولاي زين الدين حالي غدت ... أنت بها دون الورى داري
فدارك القسيس أو داره ... فإنني قد ضقت في داري
عمر بن سراج الدين
الشيخ الفاضل سراج الدين الصوفي الصفدي.
توجه من صفد قديماً إلى القاهرة، أظن أنه قبل عشر وسبع مئة، وبلغني أنه
حفظ الوجيز، ثم إنه صار صوفياً بخانقاه سعيد السعداء. ورأيته بالقاهرة غير مرة، وهو من جملة الصوفية بسرياقوس.
ثم إنه ولي مشيخة الشيوخ بسعيد السعداء فأقام على ذلك إلى أن توفي سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وكان شكلاً حسناً وقوته الحافظة متوفرة.
الألقاب والنسب
ابن عمرون
علاء الدين علي بن الحسن.
العنبري ظهير الدين
علي بن عبد الكريم.
عوض بن نصر
بن عبد الرحمن بن شيركوه الفقيه المصري الحنفي الصوفي شرف الدين أبو خلف.
سمع معي على أشياخي الحفاظ أثير الدين، وفتح الدين، والمسند يونس الدبابيسي، وغيرهم.
كان جميل الود حسن الصحبة.
كان الشيخ أثير الدين يقول: استدرك على بعض المصنفين سبعة عشر موضعاً من الغلط في أسماء القراء. وكان ينقل القراءات، وينقل فروع مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وله إلمام بالحديث، لأنه سمع منه كثيراً، وسمع بقراءتي كثيراً، إلا أنه لحقته يوماً غفلة، فسأل بعض الجماعة عن قول الزمخشري في أول المفصل لأي شيء قال: " الله أحمد " وما قال: الله يوسف ولا الله عيسى أو موسى أو غير ذلك من
الأسماء. فحفظوها عنه، ووضع واحد منهم سؤالات عليه من أول المفصل إلى آخره على لسانه مثل: لأي شيء قال باب الترخيم وما قال باب التبليط، ولأي شيء قال الموصول وما قال الشبابة، ولأي شيء قال العلم وما قال السنجق، وقال زيد قفة وما قال السرقانية، ثم إنه شرع في تعليل ذلك جميعه مثل قوله: الموصول، لأنه اسمي وحرفي، فهو ينقسم إلى قسمين، والموصول قطعتان موصولتان وليست الشبابة كذلك، ومن هذه النسبة.
وقال له الطلبة الذين يبعثون به أنت ما في القرآن الكريم لفظ يوازن اسمك، فانحرف من ذلك، وتأذى وجاء إلي شاكياً، فقلت له: بلى في القرآن ما يوازن اسمك فقال: ما هو؟ قلت: عنب فسر بذلك، وتوجه إليهم.
وحكى لي الحافظ فتح الدين قال: جاء إلي عوض مرات، قال أريد أقرأ أنا بنفسي جزءاً، فاستحييت يوماً منه، فأخذ جزءاً وقعد على الكرسي وحضر الناس وجلست أنا في المحراب أمامه وأخذ هو في القراءة فأول حديث قرأه: " كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام إلى الصلاة يشوص فاه السواك "، فصحفه وقال يشوص بالشين المعجمة المفتوحة والواو المشددة والضاد المعجمة، ورقع في الضاد بلسانه، قال: فأخذت الجزء من يده منه، وقلت له: اترك، وقمنا. ومع ذلك فقد جمع جزءاً في
الحناء: هل هو طيب أو لا وتتبع المعاجم، وجمع جزءاً وسماه شفاء المرض في من يسمى بعوض.
حضر إلى دمشق في سنة أربع وبعض خمس وأربعين وسبع مئة لزيارة شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى فوصله وبره، ثم إنه عاد إلى القاهرة.
ولم يزل بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شوال سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وقيل: توفي في ذي الحجة.
وكان تمتاماً رحمه الله تعالى.
ابن العوينة: الشيخ زين الدين علي بن الحسين.
عيسى بن أحمد بن مسعود بن خلف
الشيخ ضياء الدين أبو الهدى المحدث الصوفي.
خرج له وحدث. ومن شيوخه ابن الصفراوي، تفرد عنه بالقاهرة، وابن الطفيل وابن المخيلي، وابن دينار، وابن الجميزي، وسبط السلفي، وابن المقير، وحمزة بن عمر الغزال، وأحمد بن يوسف، ويوسف الساوي، وعلم الدين بن الصابوني.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن هؤلاء العشرة وعن غيرهم. قال: وقرأت عليه الأربعين أبدال التساعيات تخريج تقي الدين عبيد له ومجلسي ابن البختري وأحاديث مسلسلة.
وتوفي في تاسع عشر شهر رجب سنة ست وتسعين وست مئة.
ومولده بسبتة سنة ثلاث عشرة وست مئة.
وكان موته فجأة رحمه الله تعالى.
عيسى بن إسماعيل بن عيسى
ابن محمد بن حماد بن صالح، الشيخ الفقيه الفاضل عماد الدين أبو محمد الجهني الهيتي الصالحي.
كان من أصحاب الشيخ تاج الدين، مواظباً على قراءة القرآن، ويكرر على كتاب التعجيز في الفقه، وحفظ أولاً كتاب التنبيه، ثم سافر إلى الموصل وإلى الروم، وخالط الفقراء وسمع من ابن أبي اليسر في صحيح البخاري، وسمع كتاب الترمذي على ابن علان، وسمع ثلاثيات المسند على ابن شيبان، وله إجازة من نقيب الأشراف بهاء الدين، والعماد عبد الحميد بن عبد الهادي، ومكي بن عبد الرزاق القدسي، وابن عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف.
وتوفي في تاسع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده تاسع عشر ذي القعدة سنة خمس وأربعين وست مئة.
عيسى بن ثروان بن محمد
ابن ثروان بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الباقي بن أبي الحسن التدمري، الشيخ الزاهد العابد العارف حفيد الشيخ الكبير ثروان.
كان شيخ البيانية وشيخ بلده، وله الصيت والسمعة والقبول والكلمة المسموعة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده في نصف شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكان جد والده من أصحاب الشيخ أبي البيان. ودفن الشيخ عيسى عند قبر والده برا الباب الصغير.
عيسى بن داود
الشيخ الإمام العلامة سيف الدين أبو الروح البغدادي الحنفي المنطقي.
أخذ الجدل عن البدر الطويل، والفخر بن البديع، وشارك وبرع في المنطق. تخرج به جماعة من الأعيان كشيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى وغيره.
وشرح الموجز للخونجي إملاء من حفظه، والإرشاد كذلك، وسكن القاهرة، وأقام بمدرسة الظاهر بين القصرين.
قال: كان لي وقت بناء المدرسة المستنصرية سبع سنين أو ثماني سنين، وولدت بخوارزم.
وقال قاضي القضاة تقي الدين رحمه الله تعالى: قال لي سنة خمس وسبع مئة: لي تسعون سنة. وهذا تناقض منه.
وتوفي رحمه الله سنة خمس وسبع مئة.
وكان كثير التواضع مقتصداً سمحاً لطيف الشكل حسن المجالسة. وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني حكايات عجيبة مضحكة، تدل على أنه كان ظريفاً مطرحاً، سليم الباطن رحمه الله تعالى.
عيسى بن داود
الملك المعظم شرف الدين أبو البركات بن الملك الزاهر مجير الدين أبي سليمان بن الملك المجاهد أسد الدين أبي الحارث شيركوه بن الملك الناصر ناصر الدين محمد بن الأمير الكبير الملك أسد الدين شيركوه بن شادي.