وخدام طواشية وأولاد ناس أتباع له ملاح. وأقام في صفد مدة مديدة. وقيل: إن القاضي فخر الدين ناظر الجيش كان يكرهه ويحط عليه؛ لأنه كان في وقت قد عمل شد الدواوين بالقاهرة، وكان فيه معرفة، وعنده مجلدات، ويستنسخ الكتب الأدبية وغيرها.
وحكي لي أنه كان بالوجه البحري مباشراً شيئاً من أمور الدولة، فلما وزر ابن السلعوس كتب إليه كتاباً، فأغلظ قراقوش في الجواب، ثم إن الوزير أحضره بعد ذلك وضربه بالمقارع.
اللقب
القرامزي: عبد الرحمن بن أبي محمد.
القرافي: صفي الدين محمود بن محمد.
قرطاي
الأمير شهاب الدين الأشرفي الجوكندار الحاجب، نائب طرابلس.
كان معدوداً في الأبطال، ومسروداً في عداد أبي محمد البطال، قد مارس الحروب، وعرف الأماكن والدروب، وتمرن في الحصارات، وتدرن جسمه بعد التنعم في الإغارات.
وكان كثير الاحتشام، عزيز المكارم التي تنتجع بروقها وتشام، معروفاً في الشام ومصر بالكفاءة، مشهوراً بالحمل والأناءة:
تشف على جسم الزلال صفاته ... وتلطف عن روح النسيم شمائله
أقام بطرابلس في المرة الأولى نائباً إلى أن عزل، وقطع أمره فيها وخزل، وحضر إلى دمشق وكان فيها أميراً كبيرا، نازلاً في حماها محلا أثيرا، يعظه تنكز ويرعى جانبه، ويجمل به مواكبه، إلى أن أعاده إلى طرابلس ثانياً نائباً كما كان، ووطد له عند السلطان القواعد والأركان.
ولم يزل إلى أن توفي - رحمه الله، تعالى - في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وكان - فيما أظن - بحلب حاجباً في واقعة قراسنقر لما توجه إلى الحجاز وعاد من بركة زيزاء إلى حلب وأحاط، فوقف الأمير شهاب الدين قرطاي في وجهه ومنعه من الدخول إليها، فقال: أنا ما جئت إلا لأجل مملوكي جركس، فقال: خذه، وما عسى أن تفعله أنت وهو؟! وكان قد عزل عن طرابلس في المرة الأولى في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وسبع مئة، وحضر إلى طرابلس عوضه الأمير سيف الدين طينال المقدم ذكره. وأقام الأمير شهاب الدين بدمشق على إقطاع الأمير بدر الدين بكتوت القرماني، ولم يزل بها مقيماً إلى أن أعيد إلى نيابة طرابلس في العشر الأواخر من سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة عوضاً عن الأمير سيف الدين طينال، وجهز طينال إلى غزة نائباً، ونقل السنجري من غزة إلى نيابة حمص.
قردم
الأمير الكبير سيف الدين أمير آخور كان في أيام الصالح صالح، وهو في محل كبير، فعمل عليه وأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير سيف الدين منكلي بغا السلاح دار الصالحي، فوصل إلى دمشق في سادس عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين، وطلب تلك الشحنة إلى مصر، فأقام الأمير سيف الدين قردم إلى أن أمسكه الأمير سيف الدين أرغون الكاملي بين العشاء ليلة الأربعاء سابع عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، واعتقله بقلعة دمشق، وبقي في الاعتقال إلى أن حضر السلطان الملك الصالح إلى دمشق، في واقعة بيبغاروس، ولما توجه إلى مصر أخذ معه صحبة من أمسك في تلك الواقعة إلى مصر، ثم إنه أفرج عنه وحضر إلى دمشق نائباً في عاشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وسبع مئة، ورتب له على الديوان في كل يوم خمسون درهماً، فلما مات الأمير سيف الدين ألجيبغا العادلي أنعم عليه بإقطاعه وتقدمته على الألف.
واستمر على حاله بدمشق في جملة مقدمي الألوف إلى أن مرض، وتوفي - رحمه الله، تعالى - في يوم الأحد تاسع عشر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
اللقب والنسب
ابن قرصة: أحمد بن محمد. عز الدين أحمد بن موسى.
ابن قرطاس: عبد الرحمن بن محمود.
القرماني: الأمير بدر الدين بكتوت.
القرمي: قاضي طرابلس الحسن بن رمضان.
قرمشي بن أقطون
الأمير سيف الدين ابن الأمير علاء الدين الحاجب بمصر والشام.
كان رجلاً داهيه، وذا همة لم تكن بغير المعالي لاهيه، خاطر في أمر لو انعكس عليه لم يكن لحمزة التركماني غيره ثانيا، ولم يصبح الهلال الوخي لعنان الموت عنه ثانيا، ولكنه حصنه الأجل، واستعمل القدر فيه التأني لا العجل، على أنه ما انشق له زهر السلامة عن الكمام، ولا سقي روض نجاته بحب الغمام، حتى وقع في أحبولة القدر وكان كمن سلم من الحمام إلى الحمام.
ومن تعلق به جمة الأفاعي ... يعش، إن فاته أجل، قليلا
وكان في صباه قد تنسك، وبحبال الآخرة تمسك، وامتنع من دخول الحمام، وأعرض عن لذات هذه الدنيا ورفض ما فيها من الحطام، وأخذ في مطالعة الأحاديث النبويه، والاقتفاء بسيرة السلف المرضيه، وتتلمذ للشيخ العلامة تقي الدين بن تيميه، وكانت ترد عليه بالنهي عن التمسك بالأمور الدنيويه، هذا وأبوه أمير كبير حاجب بصفد، والدنيا مقبلة عليه بالعطاء والمنح والصفد، وهو عنها بمعزل، وإذا ضربت له سرادق الدولة لا يعرج إليها ولا ينزل. ثم إنه انسلخ من ذاك، وآثر
الفكاك، ونسي أن سلامة العقبى كانت له خيرا، وتلك الطريقة الأولى كانت أحمد سيرا.
وتنقلت به الأحوال فتقدم في دمشق فكان بها من جملة الحجاب، وأولي التقدم عند تنكز والاقتراب، ثم توجه إلى مصر فكان فيها حاجبا، ونال من الحظوة عند السلطان ما كان له واجبا، ثم إنه حضر إلى صفد وولي بها نيابة القلعة، ومنها كانت القلعه، وطلب إلى دمشق واعتقل، وحل به من نوائب الزمان ما لا عرف ولا عقل.
وكان موته - رحمه الله، تعالى - في شهر شعبان سنة سبع وأربعين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية ظاهر باب النصر بدمشق.
كان قد نشأ بصفد على خير وديانة وتعبد، ولم نعلم له صبوة، وكان يحب الفقراء والصلحاء، ويميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وأصحابه، واختص بالأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد، وكان يسمر عنده ويلازمه ليلاً ونهاراً.
ولما كان في سنة ست وثلاثين اختص بالأمير سيف الدين تنكز، وأقام عنده ليلاً ونهاراً بدمشق، وأقبل عليه إقبالاً كثيراً، وصار من أحظى الناس عنده، ثم إنه أعطاه عشرة أرماح بدمشق، وعلت مكانته عنده، وتردد في البريد مرات عديدة. ثم إنه توجه مع الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله، تعالى - لما توجه إلى مصر، وهي آخر مرة توجه فيها إلى مصر، فغير إقطاعه هناك بالإمرة ثلاث مرات، وولاه الحجوبية بدمشق.
ولما أمسك هو طلب سيف الدين قرمشي إلى مصر، فتوجه إليه، وأقام بها
حاجباً في باب السلطان، وكان الناس يرون أنه كان له باطن في واقعة تنكز، وشنع الناس بأنه نم على تنكز ورماه بما غير خاطر السلطان عليه، والله أعلم، فنفرت قلوب مماليك السلطان منه، وأبغضه الأمراء.
ثم إنه في أول دولة الصالح إسماعيل طلب الخروج إلى دمشق، فحضر إليها أميراً، ثم رسم له بالتوجه إلى صفد أميراً، ثم إنه بقي بها حاجباً. ثم إنه رسم له بنيابة قلعة صفد، فباشرها على أحسن ما يكون، وبالغ في عمارتها، ورم ما تشعث منها، فاجتهد في ذلك. ثم إن الأمير سيف الدين الملك نائب صفد لما أمسك في أيام الكامل شعبان شنع الناس أن الأمير قرمشي هو الذي نم عليه، وكتب إلى مصر في السر يقول: إنه قد عزم على أنه يهرب، فجددت هذه المرة عليه ما كان كامناً في نفوس الأمراء.
ولما برز الأمير سيف الدين يلبغا من دمشق إلى الجسورة، واجتمع عليه العساكر طلبه ليحضر إليه، فوعده بذلك ولم يحضر، واتفق أن وردت كتب الكامل إلى قرمشي في الباطن، فجهزها هو من جهته إلى أمراء الشام وغيرهم، وأمسك قصاده بالكتب، فحرك ذلك عليه ساكناً عظيماً.
ولما استقر الملك للمظفر حاجي جهز يلبغا حاجي إلى قرمشي، وأحضره على البريد، وأودعه معتقلاً في قلعة دمشق هو وأولاده وجماعة من أهله، فأقام بها قريباً من شهر أو أكثر، ثم أفرج عن أولاده وجماعته، وخنق وأخرج في الليل في صندوق، ودفن في مقابر الصوفية؛ رحمه الله تعالى وعفا عنه.
ولما كنت بالديار المصرية سنة خمس وأربعين وسبع مئة كتبت له مرسوماً بنيابة قلعة صفد ارتجالاً من رأس القلم، وهو: " الحمد لله الذي نصر هذا الدين بسيفه الماضي الشبا، وأيده بخير ولي تقصر عن بأسه سمر القنا وبيض الظبى، وحصن معاقله بكفء تأرج عنه الثنا وطاب النبا، وحمى سرحه بفارس إذا أظلم العجاج أطلع في دجاه من سنانه اللامع كوكبا.
نحمده على نعمه التي لا يداني جودها غمام، ولا يقارب حسن مواقعها تبسم زهر من ثغر كمام، ولا يجاري سراها برق تسرع جواده في ميدان ظلام، ولا يحاكي تواخيها في نواحيها ازدواج لآلئ تألفت حباته في النظام.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً رقم الإيمان برودها، وختم البرهان وجودها، وحسم الإدمان عنودها، ونظم الإيقان عقودها.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي تثنى الخطار من بأسه طربا، وضحك البتار في يمينه الشريفة عجبا، وولى الأدبار عدو الدين ممنعاً
هربا، وباد الكفار من حزبه لما ذاقوا ويلاً وحربا. صلى الله عليه وعلى آله الذين سادوا الأنام، وجادوا بما فاق الغمام، وعادوا بفضلهم على أولي الفاقة والإعدام، وحادوا عن طرق الضلال والظلام، صلاةً دائمة السنا، قائمةً بنيل المراد والمنى، ما ابتسم في الروض ثغر أقاح، وفتق غمد الظلام شفرة صباح. وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد فإن ثغر صفد المحروسة من الحصون المشيده، والمعاقل الفريده، قد طاولت النجوم شرفاته، وعلت على الغيوم غرفاته، وتلهبت ذبالة الشمس في سراجه، ونفض الأصيل زعفرانه على بياض أبراجه. كم لاثت الغمائم على هامته عمائم، وكم لبست أنامل بروجه من الأهلة خواتم. والنيابة فيه منصب شريف، وفضل على الكواكب ينيف.
وكان المجلس السامي الأمير سيف الدين قرمشي ممن جمل الدولة، وفاز بالقرب من الملوك الأول، ونصح والدنا الشهيد فأدى من حقه واجبا، واجتهد في رضاه فكان له عيناً وحاجبا، وآثر عوده إلى وطنه فنولناه مرامه، وأجبنا قصده الذي أحكم نظامه، رغبةً في العزلة والانجماع عن الناس، وطلباً للانفراد والخلوة وما في ذلك من باس، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي، والمولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي العمادي - أعلاه الله، تعالى، وشرفه - أن يستقر في النيابة بقلعة صفد المنصورة على أجمل العوائد وأكمل القواعد، فليجهد في مراعاة أحوالها، وتفقد مباشريها ورجالها، ورم ما تشعث من بنائها، وإصلاح ما تحتاج إليه في