ما معه من الأموال وهرب في نفر قليل من مماليكه، ولحق بالأمير علاء الدين أيدغمش وهو على عين جالوت، واستجار به. فأكرم نزله أول قدومه، ثم بدا له فيما بعد، فأمسكه وقيده وجهزه مع ولده أمير علي إلى القاهرة، فلما بلغ الناصر أحمد إمساكه خرج إلى الكرك، وأخذ معه طشتمر - وكان قد أمسكه أولاً على ما تقدم في ترجمته - وسير إلى أمير علي من تسلم الفخري منه، وسار به إلى الكرك، ودخل الناصر أحمد الكرك، واعتقل الفخري وطشتمر بالكرك مدة يسيرة، فيقال: إنهما في ليلة كسرا باب حبسهما وخرجا، ولو كان معهما سيف أو سلاح ملكا قلعة الكرك تلك الليلة، وكان الناصر أحمد في تلك الليلة قد بات خارج القلعة، ولما أصبح أحضرهما وقتلهما صبراً قدامه.
يحكى أن طشتمر خار من القتل وضعف وانحنى، وأما الفخري فلم يهب الموت، وقال للموكلين بهما: والكم قدموني قبل أخي هذا، فإن هذا ماله ذنب، لعله يحصل له بعدي شفاعة. وكان قتلهما في التاريخ المذكور.
وكان الفخري شجاعاً مقداماً أريباً داهيةً حليماً جواداً أمياً لا يحسن يكتب شيئاً، وإنما يكتب على التواقيع وعلى الكتب دواداره طغاي.
قال لي القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: ما رأيت أكرم منه، لا يستكثر على أحد شيئاً يطلبه. انتهى.
قلت: ولما جاء ونزل في القصر الأبلق بعد هروب ألطنبغا كتب كتباً على لسانه
إلى الأمراء المصريين، ورمى بينهم، فاختلفوا على قوصون وأمسكوه، هذا وهم في قصر دمشق فعل هذه الفعلة، فكنت أعجب من دهائه مع غتميته وأميته وما دبره وما اعتمده حتى خبط الشام ومصر. على أنه لما أدبرت سعادته كان حتفه فيما دبره:
إن المقادير إذا أبرمت ... ألحقت الحازم بالعاجز
ولقد أقول إذا فكرت فيه:
أضاعوه وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وقلت أنا فيه لما قتل - رحمه الله، تعالى -:
سمت همة الفخري حتى ترفعت ... على هامة الجوزاء والنسر بالنصر
وكان به للملك فخر فخانه ال ... زمان فأضحى ملك مصر بلا فخر
ولما كان بعد واقعته جلسنا يوماً بحماة في خدمة القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فأخذ في نظم شيء من المجون مع شخص ينبسط معه، ونظم هو وغيره أشياء ما بين هجو وما بين مجون، وألزمني، فاستعفيت، فقال: لا بد، وأقسم علي، فقلت:
هل لك في أير غدا رأسه ... تعجب منه قبة النسر
لو أنه في جيش ألطنبغا ... خري له قطلوبغا الفخري
فأعجباه وزهزه لهما كثيراً، وقال: ما بقي بعد هذا شيء، وترك ما كان فيه.
قطلوبغا
الأمير سيف الدين الناصري المعروف بالمغربي.
كان قد جاء في بشرى بعافية السلطان إلى دمشق لما كان قد مرض السلطان وعوفي، وحصل له شيء كثير من تنكز ومن أمراء الشام.
وكان أمير مئة مقدم ألف، وكان قد حضر مع رسول القان بوسعيد من القاهرة، فوصله إلى الفرات، وعاد إلى القاهرة، فمات عند وصوله إليها في ثامن شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان فيه دين وخير. حج في وقت بالركب المصري، رحمه الله، تعالى.
قطلوبك
الأمير سيف الدين المنصوري المعروف بقطلوبك الكبير.
كان أميراً إذا قيل: أمير، لا بل ملكاً على تحقيق قدره الكبير، لم ير الناس مثل رخته، ولا مثل جلوسه في سعادة تخته، أموال تفوق الأمواج، وخيول حصونها أعظم من الأبراج، ومماليك كأنهم الكواكب، وحفدة تتجمل بهم المواكب، وآلات، تفتخر بها البدور في الهالات، حتى كان الناس يعجبون من بذخه، وعنفوان سعده الزائد وشرخه.
وكان ذا خبرة ودهاء، ومعرفة بالأصناف واعتناء في الاقتناء، وتوجه إلى السلطان الملك الناصر وأحضره من الكرك، والتزم له بأنه لا هم يناله ولا درك، وهو الذي أتى به، وأخذ في توكيد ملكه وأسبابه، ويقال: إنه هو الذي قام له بشعار الملك من عنده، وكلما احتاج إليه في ذلك المهم عجله في نقده، حتى إن الحوائص الفضة والذهب أحضرها في أطباق الغسيل، وزاد في هذه الأشياء وأمثالها حتى عجب منه
الفرات والنيل، فعظمه السلطان، ووعده بأن يكون في دمشق نائباً، وأن يكون هو حاضر الملك إذا كان هو غائبا. ثم إنه من مصر أخرجه إلى صفد نائبها، وألزمه أن يكفيها مهامها ويكف نوائبها، ثم إنه أمسكه فيها بعد قليل، وأذاقه فيها الخطب الجليل. وقبض عليه في رابع عشري جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة بصفد، وحمل منها إلى الكرك.
وفي شهر رجب سنة إحدى عشرة حمل بكتمر الجوكندار إلى الكرك، واعتقل مع كراي وقطلقتمر صهر الجالق وأسندمر نائب طرابلس وبتخاص.
كان الأمير قطلوبك الكبير - رحمه الله، تعالى - مؤاخياً لسلار، وولي الحجوبية في مصر؛ لأنه كان قد ولي الشد بدمشق عوضاً عن جاغان لما قتل حسام الدين لاجين مدة يسيرة إلى أن وصل السلطان من الكرك إلى مصر، فأعرض عن الشد، وتوجه إلى مصر في يوم الأحد سادس عشري جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وست مئة، فولاه السلطان الحجوبية عوضاً عن الأمير سيف الدين كرت لما قتل، فعملها عملاً صغرت النيابة معه فيها، وقل قدرها؛ لجمع الأمراء عليه والأويراتية والوافدين، ومد السماك لهم وإفاضة الخلع عليهم، فأهم البرجية أمره خوفاً من قوة شوكة سلار، فأخرج إلى الشام وولي نيابة طرابلس، فكرهها، واستعان بالأفرم في الإقالة منها، فأقيل. ثم كانت بينه وبين أسندمر الكرجي نائبها بعده مصاهرة، كان معين الدين بن حشيش هو الساعي فيها.
واستقر قطلوبك الكبير في دمشق من مقدمي الألوف، ولم يمش إلا مشي عظماء الملوك من فرط البذخ والتجمل وعظم الخدم والحشم والأتباع ووفور الحاشية
وكثرة الغاشية مما لا يقوم مغل إقطاعه بثلث الكلفة له، وكلما طال الزمان ومر عليه ازداد في ذلك أمره، وكان لا يدري من أين مدده، ولا كيف تنفق يده، وظهر من الأفرم كراهية له؛ لأنه بان له تكبره عليه، فوقع بينهما، ودخل الحاج بهادر وبكتمر الحاجب وغيرهما من الأمراء بينهما، فاصطلحا، وأوجبوا على قطلوبك الشكران، فعمل ذلك في المرج.
قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: أنفق فيه ما يقارب الثلاثين ألف دينار ما بين طعام وشراب وخلع وتقادم للأفرم وحاشيته، وكانت الضيافة ثلاثة أيام لم ينقطع مددها. قال: وكنت ممن حضرها ونظرها، وهي تزيد على الوصف.
قال: والتزم مرة بدرك الرحبة سنة حملاً عن الأمراء، وجر نحو مئة جنيب من الخيل غير الهجن مجللات بالحرير ملبسات حلي الذهب والفضة، جميعها باسمه ورنكه، وأقام بالرحبة عشرة أشهر غير مسافات طرقه، وكان يقيم بأكثر الجند المضافين إليه، فأما جنده فلا يتكلف أحد منهم شيئاً في مدة بيكاره قال: فحكى لي صاحبنا الشريف ناصر الدين محمد الحسيني - رحمه الله، تعالى، وكان من مضافيه - من هذا ما تعجب منه، وقال لي: كان راتب شرابخانته في شهر رمضان في كل يوم وزن خمسة وعشرين رطلاً بالدمشقي من السكر، وبنى بالرحبة جامعاً وقصراً وميدان كرة ومنازل للجند.
قال: ولما أتى السلطان من الكرك إلى دمشق كان لا ينفق في مدة مقامه
بدمشق تلك الأيام إلا من خزائنه، وسفره، إلى أن دخل إلى مصر، وهو من دمشق على وظيفة الأستاذ دارية، ثم أخرجه إلى صفد نائباً، فأقام بها إلى أن أمسكه.
وكان
قطلوبك
بغا يعاني زي المغل في لبس الكنبك والطرز بين كتفيه، وركوب الأكاديش غالباً، وكان أسمر شديد السمرة بطيناً حسن الصورة، يكتب خطاً جيداً قوياً، وله إلمام ببعض عربية وفقه وحديث، وعنده تندير وولع على سبيل اللعب، وله شعر منه ما عمله في مجلس الأفرم في ساق يسقيهم القمز، فقال:
أمير الحسن ساقينا ... يحيينا فيحيينا
فيالله ما أحلى ... إشارات المحبينا
فأمر الأفرم الشيخ صدر الدين بن الوكيل - رحمه الله، تعالى - بأن يزيد عليها، فذيلها بأبيات، ثم إنه أمر بها فلحنت، وغني بها عامة يومه.
قلت: إلا أنه كان يأخذ أموال الناس، وما يعطيهم شيئاً، وإذا اشترى من أحد شيئاً ما يعوضه بثمنه، فأخذ مرة من تاجر شيئاً، وحال ما بينه وبين ثمنه، ولم يجد التاجر من يخلص حقه، فشكا حاله إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية - رحمه الله، تعالى - فتوجه معه إليه، فلما دخل إليه قام له وأجلسه، وقال: شيخ، إذا رأيت الأمير بباب الفقير فنعم الأمير ونعم الفقير، وإذا رأيت الفقير بباب الأمير فبئس الأمير وبئس الفقير. فقال له الشيخ تقي الدين: اسمع قطلوبك، لا تعمل دركوانات العجم، موسى كان خيراً مني، وفرعون كان أنحس منك، وكان موسى يأتي إلى بابه كل يوم ويأمره بالإيمان، أعط هذا التاجر ماله. فقال: نعم، ووزن له الذي له.
وعمل عيد النحر في صفد، فنحر من الضحايا بقراً وغنماً ما يزيد على الوصف، وبعث بذلك إلى الزوايا والفقراء، وجافت بذلك صفد، وأنتنت بأسقاط الأبقار والأغنام، ولم يجد ذلك من يأكله.
قطلوبك بن قراسنقر
الأمير سيف الدين ابن الأمير شمس الدين الجاشنكير، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان ظريفاً في عباراته، لطيفاً في إشاراته، عليه خفر أولاد الناس، وفيه مباينة غيره من غرائب الأجناس، يتأنق في مآكله الشهيه، ويتخرق في ملابسه البهيه، يترامى على ود أصحابه، ويخالط كل أحد بما هو أولى به، وله ندماء وعشراء، وأصحاب وخلطاء.
ولم يزل على حاله إلى أن ذابت شحمتا عينيه، ووجد ما قدم من الأعمال بين يديه.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في سابع شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
كان قد باشر الحجوبية بدمشق عوضاً عن الأمير شهاب الدين قرطاي في سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وعزل منها في ... وبقي على إمرته، وندبه الأمير سيف الدين تنكز إلى عمارة القناة التي ساقها من عين عروب إلى القدس، ولما فرغ من ذلك طلبه السلطان الملك الناصر محمد، وطلب الصناع الذين كانوا معه في العمل، فتوجهوا في البريد، ولما وصلوا قال لهم السلطان: أريد أن أسوق خليجاً من
النيل إلى سوق الخيل تحت القلعة، وأرميه على القاهرة. فتوجه الأمير قطلوبك بالصناع إلى حلوان، ووزنوا مجرى الماء وعادوا، وقالوا للسلطان: هذا يصير بسعادتك. قال: كم يريد؟ قالوا: ثمانين ألف دينار، قال: ما هو كثير؟ قال: وكم يريد من المدة؟ قالوا: عشر سنين، فقال: هذا كثير. وبطل ذلك العزم، وأعادهم إلى دمشق.
ولما جاء الأمير شرف الدين حسين بن جندربك إلى دمشق ليتوجه منها إلى القاهرة لما طلبه السلطان في سنة سبع وعشرين وسبع مئة اجتمعا وتحادثا، وانشرحا لما بينهما من الرومية التي تجمعهما، وذكرا قديم صحبتهما، وأحضر أمير حسين وصية كنت كتبتها له بصفد، وقرأتها عليهما. ومما وصى به فيها يقول: فإن مات بدمشق فيدفن في تربتهم بجبل قاسيون المعروفة بهم، وإن مات بالقاهرة يدفن في بيت الخطابة بجامعه الذي أنشأه ظاهر القاهرة بحكر جوهر النوبي، وإن مات في الغزاة يترك في مكانه في الفلاة ليبعثه الله - تعالى - من حواصل النسور وبطون السباع. فقال قطلوبك بن الجاشنكير: والله يا أمير شرف الدين لقد اخترت ميتة عجيبة، والله أنا ما أشتهي أن أموت إلا على فراشي، ونطوعي ومخادي المزركشة في باشخاناتي، ويخرج نعشي وعليه الريحان والياسمين، وجواري من خلفي يبكين علي ويندبنني، فعجبت من تفاوت قصديهما، رحمهما الله، تعالى.
قطلوبك
الأمير سيف الدين الشيخي، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
توفي - رحمه الله، تعالى - بدمشق في خامس شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.