بدمشق تلك الأيام إلا من خزائنه، وسفره، إلى أن دخل إلى مصر، وهو من دمشق على وظيفة الأستاذ دارية، ثم أخرجه إلى صفد نائباً، فأقام بها إلى أن أمسكه.
وكان
قطلوبك
بغا يعاني زي المغل في لبس الكنبك والطرز بين كتفيه، وركوب الأكاديش غالباً، وكان أسمر شديد السمرة بطيناً حسن الصورة، يكتب خطاً جيداً قوياً، وله إلمام ببعض عربية وفقه وحديث، وعنده تندير وولع على سبيل اللعب، وله شعر منه ما عمله في مجلس الأفرم في ساق يسقيهم القمز، فقال:
أمير الحسن ساقينا ... يحيينا فيحيينا
فيالله ما أحلى ... إشارات المحبينا
فأمر الأفرم الشيخ صدر الدين بن الوكيل - رحمه الله، تعالى - بأن يزيد عليها، فذيلها بأبيات، ثم إنه أمر بها فلحنت، وغني بها عامة يومه.
قلت: إلا أنه كان يأخذ أموال الناس، وما يعطيهم شيئاً، وإذا اشترى من أحد شيئاً ما يعوضه بثمنه، فأخذ مرة من تاجر شيئاً، وحال ما بينه وبين ثمنه، ولم يجد التاجر من يخلص حقه، فشكا حاله إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية - رحمه الله، تعالى - فتوجه معه إليه، فلما دخل إليه قام له وأجلسه، وقال: شيخ، إذا رأيت الأمير بباب الفقير فنعم الأمير ونعم الفقير، وإذا رأيت الفقير بباب الأمير فبئس الأمير وبئس الفقير. فقال له الشيخ تقي الدين: اسمع قطلوبك، لا تعمل دركوانات العجم، موسى كان خيراً مني، وفرعون كان أنحس منك، وكان موسى يأتي إلى بابه كل يوم ويأمره بالإيمان، أعط هذا التاجر ماله. فقال: نعم، ووزن له الذي له.
وعمل عيد النحر في صفد، فنحر من الضحايا بقراً وغنماً ما يزيد على الوصف، وبعث بذلك إلى الزوايا والفقراء، وجافت بذلك صفد، وأنتنت بأسقاط الأبقار والأغنام، ولم يجد ذلك من يأكله.
قطلوبك بن قراسنقر
الأمير سيف الدين ابن الأمير شمس الدين الجاشنكير، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان ظريفاً في عباراته، لطيفاً في إشاراته، عليه خفر أولاد الناس، وفيه مباينة غيره من غرائب الأجناس، يتأنق في مآكله الشهيه، ويتخرق في ملابسه البهيه، يترامى على ود أصحابه، ويخالط كل أحد بما هو أولى به، وله ندماء وعشراء، وأصحاب وخلطاء.
ولم يزل على حاله إلى أن ذابت شحمتا عينيه، ووجد ما قدم من الأعمال بين يديه.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في سابع شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
كان قد باشر الحجوبية بدمشق عوضاً عن الأمير شهاب الدين قرطاي في سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وعزل منها في ... وبقي على إمرته، وندبه الأمير سيف الدين تنكز إلى عمارة القناة التي ساقها من عين عروب إلى القدس، ولما فرغ من ذلك طلبه السلطان الملك الناصر محمد، وطلب الصناع الذين كانوا معه في العمل، فتوجهوا في البريد، ولما وصلوا قال لهم السلطان: أريد أن أسوق خليجاً من
النيل إلى سوق الخيل تحت القلعة، وأرميه على القاهرة. فتوجه الأمير قطلوبك بالصناع إلى حلوان، ووزنوا مجرى الماء وعادوا، وقالوا للسلطان: هذا يصير بسعادتك. قال: كم يريد؟ قالوا: ثمانين ألف دينار، قال: ما هو كثير؟ قال: وكم يريد من المدة؟ قالوا: عشر سنين، فقال: هذا كثير. وبطل ذلك العزم، وأعادهم إلى دمشق.
ولما جاء الأمير شرف الدين حسين بن جندربك إلى دمشق ليتوجه منها إلى القاهرة لما طلبه السلطان في سنة سبع وعشرين وسبع مئة اجتمعا وتحادثا، وانشرحا لما بينهما من الرومية التي تجمعهما، وذكرا قديم صحبتهما، وأحضر أمير حسين وصية كنت كتبتها له بصفد، وقرأتها عليهما. ومما وصى به فيها يقول: فإن مات بدمشق فيدفن في تربتهم بجبل قاسيون المعروفة بهم، وإن مات بالقاهرة يدفن في بيت الخطابة بجامعه الذي أنشأه ظاهر القاهرة بحكر جوهر النوبي، وإن مات في الغزاة يترك في مكانه في الفلاة ليبعثه الله - تعالى - من حواصل النسور وبطون السباع. فقال قطلوبك بن الجاشنكير: والله يا أمير شرف الدين لقد اخترت ميتة عجيبة، والله أنا ما أشتهي أن أموت إلا على فراشي، ونطوعي ومخادي المزركشة في باشخاناتي، ويخرج نعشي وعليه الريحان والياسمين، وجواري من خلفي يبكين علي ويندبنني، فعجبت من تفاوت قصديهما، رحمهما الله، تعالى.
قطلوبك
الأمير سيف الدين الشيخي، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
توفي - رحمه الله، تعالى - بدمشق في خامس شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
قطلوتمر
الأمير سيف الدين الخليلي الناصري.
كان من جملة الأمراء بدمشق، وولاه الأمير سيف الدين طقزتمر نائب دمشق الحجبة. وكان حاجباً صغيراً، وعمر الدار التي في العقيبة قبالة سوق الخيل والمئذنة والمسجد، وله الدار التي في القصاعين، وبقي على ذلك إلى أن حضر الأمير حسام الدين طرنطاي البشمقدار من القاهرة متوجهاً إلى حمص نائباً في أول دولة الكامل شعبان، ولما وصل القسطل حضر البريد من مصر برده وأن يتوجه الخليلي مكانه إلى حمص نائباً، فتوجه الأمير سيف الدين قطلوتمر، وأقام بحمص قريباً من شهر.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في أواخر جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
قطليجا
الأمير سيف الدين الحموي الناصري الجمدار.
كان حسن الصورة بهيا، لطيف الحركات شهيا، أبيض تعلوه حمرة قانيه، نقي الثغر كأنه أقحوانة في الروض زاهيه، معتدل القوام، مبتسماً على الدوام، إلا أنه في حماة أساء السيره، ولم يجعل التقوى ظهيره، ونقل منها إلى حلب فما تمتع بها، ولا لحق أمره يتمسك بسببها، إلى أن ذوت زهرته اليانعه، وقامت به الناعية الرائعه.
وتوفي بحلب - رحمه الله، تعالى - في آخر نهار الخميس جمادى الآخرة سنة خمسين وسبع مئة.
لما توفي الملك الناصر أستاذه عهدي به وهو أمير عشرة بالديار المصرية، ثم إنه تأمر طبلخاناه، وحضر إلى دمشق، وأقام بها أميراً مدة في أيام الكامل شعبان، ولما تولى المظفر حاجي ونقل أسندمر العمري من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس طلب قطليجا المذكور إلى مصر، ورسم له بنيابة حماة، فحضر إليها، وأقام بها. وهو الذي أمسك الأمير يلبغا اليحيوي لما خرج على المظفر، على ما سيأتي في ترجمته.
ولم يزل قطليجا في حماة نائباً إلى أن قتل أرغون شاه نائب دمشق، ورسم للأمير سيف الدين أرقطاي بنيابة دمشق، وأن يكون قطليجا بدله في نيابة حلب، فتوجه إليها، ودخلها في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة، فأقام بها أياماً قلائل.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في التاريخ المذكور.
قطليجا
الأمير علاء الدين بن الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار، وأحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان أبيض أزهر اللون، حسن الشكل تام الكون، ظريف الحركات، لطيف
السكنات، على وجهه مسحة جمال، وفيه من البدر حسنه ليلة الكمال. لم ير أزرق العين أحسن منه مقله، ولا أفتك من جفونه في كل حمله.
وكان الأفرم يعض على حبه بالنواجذ، وله في حسنه إدراكات وما عليه فيها مآخذ، وكان هو ليس في دمشق من يلعب مثله بالكره، وله في الميدان صولة بها ومقدره، إلى خصائص أخر من فروسيته، ومحاسن تذهل العقول إذا فكرت في انفراده وجمعيته.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح شخصه مع قربه أبعد من أمسه، وتخيل الناس أن النجم دفن في رمسه.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة عشرين وسبع مئة، وكان في عشر الأربعين.
لما جاء السلطان الملك الناصر من الكرك إلى دمشق جعله في عداد السلاح دارية، وكان - على ما قيل - يسوق الفرس، ويأخذ نصف السفرجلة من غصنها، ويدع النصف مكانه وهو في أقوى مشوار الفرس، وهو أمر معجز لغيره.
وأما اللعب بالكرة فكان فيه غاية، يقال: إن برديته كانت زنة مئتي درهم وخمسين درهماً، ولقد جاء إلى صفد مرات والجوكندار الكبير في صفد نائب، وكان يلعب هو والأمير ناصر الدين محمد بن الجوكندار، وكنا نتفرج عليهما، ويقول الناس: هذا طبجي مصر وهذا طبجي دمشق. وكان الأمير ناصر الدين أرشق على ظهر الفرس وأسرع حركة، والأمير علاء الدين قطليجا إذا تناول الكرة بصولجانه ما يحتاج معه إلا ضربة واحدة وقد بلغها المدى.
ورأيته - رحمه الله، تعالى - كثيراً ما يتقيأ، ثم بعد ذلك يتغرغر بالخل والماورد،
هذا دائماً، وكان يحسو من دهن اللوز المربى شيئاً كثيراً قنينة قنينة، وكان للأمير سيف الدين قطلوبك الكبير إليه ميل، ولما جاء إلى صفد نائباً أحضره من دمشق إلى صفد أميراً، ولما أمسك قطلوبك عاد قطليجا إلى دمشق على مكانه.
اللقب والنسب
القفصي: محمد بن سليمان.
ابن قطينة: شهاب الدين التاجر أحمد بن محمد، وزين الدين عمر بن أحمد.
قطنبة: شرف الدين حسن بن محمد.
ابن قليلة: عمر بن عوض.
قلاوز
الأمير سيف الدين الجمدار الناصري.
كان من جملة أمراء الطبلخانات بدمشق، ثم إنه أعطي إمرة مئة وتقدمة ألف.
ولاه الأمير سيف الدين طقزتمر نيابة حمص، فأقام بها مدة. ثم إنه عزل منها، وكانت ولايته لحمص بعد الأمير سيف الدين بكتمر العلائي، ولما عزل من حمص حضر إلى دمشق وأقام بها، وتقدم عند الأمير سيف الدين يلبغا. ولما برز إلى الجسورة في أيام الكامل عاضده ووازره، ولما انتصر رعى ذلك له، وصار حظياً عنده يلازمه وينادمه. ولما كانت المرة الثانية برز معه إلى الجسورة في الأيام المظفرية، ولما هرب يلبغا لم يتوجه معه أحد من الأمراء غيره وغير محمد بن جمق،
على أنه كان قد أودع خزائنه في داريا، وأراد أن ينهزم، فما أمكنه. ولم يزل معه في البرية إلى أن دخلا إلى حماة، والأمير سيف قلاوز ضعيف، وقد عمل قدامه مخدة على الفرس، وأقام بها مدة جمعة، وورم وازرق؛ لأنها كانت أيام شديدة الحر، وكان هو في نفسه سميناً بديناً.
فمات - رحمه الله، تعالى - في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة قبل أن يخرج يلبغا من حماة، رحمهما الله، تعالى.
قماري
الأمير سيف الدين الناصري أمير شكار.
كان من الأمراء الخاصكية الكبار في أيام الملك الناصر محمد. كان عند أستاذه مكينا، ثابت الأساس ركينا، زوجه إحدى بناته، وجعل غصنه في روض ملكه من أحسن نباته، ثم قدمه على الألف، وجعله أمير مئة يكون إماماً والناس من خلف، وكان عقله وافرا، ووجهه كأنه البدر سافرا.
ولم يزل في مراقي سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن قمر الموت قماري، وناحت عليه الحمائم والقماري.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة بالقاهرة.
جاء إلى دمشق في مهم لأستاذه إلى تنكز في سنة خمس وثلاثين - أو ست وثلاثين - وسبع مئة، وحضر إلى الجامع الأموي بدمشق، وتفرج فيه وفي