وتوفي بحلب - رحمه الله، تعالى - في آخر نهار الخميس جمادى الآخرة سنة خمسين وسبع مئة.
لما توفي الملك الناصر أستاذه عهدي به وهو أمير عشرة بالديار المصرية، ثم إنه تأمر طبلخاناه، وحضر إلى دمشق، وأقام بها أميراً مدة في أيام الكامل شعبان، ولما تولى المظفر حاجي ونقل أسندمر العمري من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس طلب قطليجا المذكور إلى مصر، ورسم له بنيابة حماة، فحضر إليها، وأقام بها. وهو الذي أمسك الأمير يلبغا اليحيوي لما خرج على المظفر، على ما سيأتي في ترجمته.
ولم يزل قطليجا في حماة نائباً إلى أن قتل أرغون شاه نائب دمشق، ورسم للأمير سيف الدين أرقطاي بنيابة دمشق، وأن يكون قطليجا بدله في نيابة حلب، فتوجه إليها، ودخلها في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مئة، فأقام بها أياماً قلائل.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في التاريخ المذكور.
قطليجا
الأمير علاء الدين بن الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار، وأحد أمراء الطبلخانات بدمشق.
كان أبيض أزهر اللون، حسن الشكل تام الكون، ظريف الحركات، لطيف
السكنات، على وجهه مسحة جمال، وفيه من البدر حسنه ليلة الكمال. لم ير أزرق العين أحسن منه مقله، ولا أفتك من جفونه في كل حمله.
وكان الأفرم يعض على حبه بالنواجذ، وله في حسنه إدراكات وما عليه فيها مآخذ، وكان هو ليس في دمشق من يلعب مثله بالكره، وله في الميدان صولة بها ومقدره، إلى خصائص أخر من فروسيته، ومحاسن تذهل العقول إذا فكرت في انفراده وجمعيته.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح شخصه مع قربه أبعد من أمسه، وتخيل الناس أن النجم دفن في رمسه.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى سنة عشرين وسبع مئة، وكان في عشر الأربعين.
لما جاء السلطان الملك الناصر من الكرك إلى دمشق جعله في عداد السلاح دارية، وكان - على ما قيل - يسوق الفرس، ويأخذ نصف السفرجلة من غصنها، ويدع النصف مكانه وهو في أقوى مشوار الفرس، وهو أمر معجز لغيره.
وأما اللعب بالكرة فكان فيه غاية، يقال: إن برديته كانت زنة مئتي درهم وخمسين درهماً، ولقد جاء إلى صفد مرات والجوكندار الكبير في صفد نائب، وكان يلعب هو والأمير ناصر الدين محمد بن الجوكندار، وكنا نتفرج عليهما، ويقول الناس: هذا طبجي مصر وهذا طبجي دمشق. وكان الأمير ناصر الدين أرشق على ظهر الفرس وأسرع حركة، والأمير علاء الدين قطليجا إذا تناول الكرة بصولجانه ما يحتاج معه إلا ضربة واحدة وقد بلغها المدى.
ورأيته - رحمه الله، تعالى - كثيراً ما يتقيأ، ثم بعد ذلك يتغرغر بالخل والماورد،
هذا دائماً، وكان يحسو من دهن اللوز المربى شيئاً كثيراً قنينة قنينة، وكان للأمير سيف الدين قطلوبك الكبير إليه ميل، ولما جاء إلى صفد نائباً أحضره من دمشق إلى صفد أميراً، ولما أمسك قطلوبك عاد قطليجا إلى دمشق على مكانه.
اللقب والنسب
القفصي: محمد بن سليمان.
ابن قطينة: شهاب الدين التاجر أحمد بن محمد، وزين الدين عمر بن أحمد.
قطنبة: شرف الدين حسن بن محمد.
ابن قليلة: عمر بن عوض.
قلاوز
الأمير سيف الدين الجمدار الناصري.
كان من جملة أمراء الطبلخانات بدمشق، ثم إنه أعطي إمرة مئة وتقدمة ألف.
ولاه الأمير سيف الدين طقزتمر نيابة حمص، فأقام بها مدة. ثم إنه عزل منها، وكانت ولايته لحمص بعد الأمير سيف الدين بكتمر العلائي، ولما عزل من حمص حضر إلى دمشق وأقام بها، وتقدم عند الأمير سيف الدين يلبغا. ولما برز إلى الجسورة في أيام الكامل عاضده ووازره، ولما انتصر رعى ذلك له، وصار حظياً عنده يلازمه وينادمه. ولما كانت المرة الثانية برز معه إلى الجسورة في الأيام المظفرية، ولما هرب يلبغا لم يتوجه معه أحد من الأمراء غيره وغير محمد بن جمق،
على أنه كان قد أودع خزائنه في داريا، وأراد أن ينهزم، فما أمكنه. ولم يزل معه في البرية إلى أن دخلا إلى حماة، والأمير سيف قلاوز ضعيف، وقد عمل قدامه مخدة على الفرس، وأقام بها مدة جمعة، وورم وازرق؛ لأنها كانت أيام شديدة الحر، وكان هو في نفسه سميناً بديناً.
فمات - رحمه الله، تعالى - في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة قبل أن يخرج يلبغا من حماة، رحمهما الله، تعالى.
قماري
الأمير سيف الدين الناصري أمير شكار.
كان من الأمراء الخاصكية الكبار في أيام الملك الناصر محمد. كان عند أستاذه مكينا، ثابت الأساس ركينا، زوجه إحدى بناته، وجعل غصنه في روض ملكه من أحسن نباته، ثم قدمه على الألف، وجعله أمير مئة يكون إماماً والناس من خلف، وكان عقله وافرا، ووجهه كأنه البدر سافرا.
ولم يزل في مراقي سعوده، ومعارج صعوده، إلى أن قمر الموت قماري، وناحت عليه الحمائم والقماري.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة بالقاهرة.
جاء إلى دمشق في مهم لأستاذه إلى تنكز في سنة خمس وثلاثين - أو ست وثلاثين - وسبع مئة، وحضر إلى الجامع الأموي بدمشق، وتفرج فيه وفي
الفوارة بجيرون، وفي غيرها، وكان مجيئه في الظاهر بطيور جوارح على العادة، وفي الباطن بسبب إمساك الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك.
حكى لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: لما عاد من الشام أرسل إلي وإلى الدوادار وإلى أمير جاندار، وقال: ما أدخل إلى مولانا السلطان إلا بكم، فقلنا له: يا خوند، أنت ما أنت غريب، أنت من كبار الخاصكية، وزوج ابنة مولانا السلطان، فقال: أنا الآن في حكم الغرباء الأجانب، فلما قيل ذلك للسلطان أعجبه هذا التأني، وقال: جيداً عمل.
ولما تولى الملك الصالح إسماعيل أخذ قماري هذا وجعله أمير آخور، فأقام قليلاً، وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في أوائل جمادى الأولى من السنة المذكورة.
قماري
الأمير سيف الدين الناصري أخو الأمير سيف الدين بكتمر الساقي الناصري.
كان شكله مليحا، ووجهه يلوح به الجمال صريحا، عمل أستاذ دارية الملك الصالح إسماعيل، وكان يشارك في الكثير والقليل، أحد من يشار إليه، وتقوم أركان الدولة به وعليه. ورأى في أيام الصالح دهراً صالحا، وعيشاً لو شراه بالنفس كان رابحا، إلى أن أخرجه الكامل إلى طرابلس نائبا، وأتاها فكان أمله في الحياة خائبا، وقوض الخيام للرحلة الكبرى، وجعل العيون على فقده عبرى. وأمسك بطرابلس في أواخر ذي الحجة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
كان الأمير سيف الدين قماري في أيام أخيه أميراً صغيراً لا يدرى به ولا يحس،
ولما مات أخوه بكتمر الساقي في طريق الحجاز أعطاه السلطان إمرة مئة وتقدمة ألف، ولم يزل إلى أن خرج مع الفخري إلى الكرك لحصار أحمد، وحضر معه إلى دمشق ثم توجه إلى مصر وأقام بها أميراً كبيراً، ولما تولى الملك الصالح كان أستاذ داره، وكان أحد المشارين إليهم في تلك الدولة، فلما ولي الكامل شعبان أخرجه إلى طرابلس نائباً، فمرض في أول قدومه إليها مدة أشفى معها على التلف، ثم إنه انتعش منها واستقل. ولم يزل بها إلى أن حضر الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي في البريد، فأقام بدمشق أياماً قلائل، وتوجه إلى طرابلس في العشر الأواخر من ذي الحجة، وقبض عليه وأحضره مقيداً إلى دمشق، ثم إنه جهز منها على البريد إلى مصر مقيداً في ذي الحجة سنة ست وأربعين، وكان الناس قد أرجفوا بأنه قد عزم على أن يقفز باتفاق مع الأمير سيف الدين الملك نائب صفد.
قماري
الأمير سيف الدين، كان أخا الأمير علاء الدين أمير علي المارداني نائب السلطنة بدمشق.
ورد مع أخيه من الديار المصرية في خامس ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، وكان يعتمد على عصاً إذا مشى؛ لأنه كان عرج يسير، وكان بطالاً، فرسم له بعد مدة بخمسين درهماً في كل يوم مرتباً على الأموال الديوانية إلى أن ينحل إقطاع إمرة، فأخذ ذلك مدة، ولما توفي الأمير ججكتو التركماني بدمشق أعطي إقطاعه بالإمرة، وأقام على ذلك إلى أن مرض مرضة طول فيها، وأصابه فيها فالج.
ثم إنه ابتلي بالصرع، فكان يصرع في النهار عشر مرات وأكثر وأقل، وبقي على ذلك قريباً من خمسين يوماً حتى تعجب الناس من ذلك، ولم يسمع بمثل أمره، وأغمي عليه مرات، وجزموا بموته، ثم إنه يفيق بعد ذلك إلى أن توفي - رحمه الله، تعالى - في بكرة الأحد ثالث شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية برا باب النصر، ومشى أخوه ملك الأمراء في الجنازة والأمراء والحجاب والقضاة وغيرهم. وكانت جنازة حافلة. وبعد دفنه مد أخوه سماطاً على قبره أكل منه من كان حاضراً من مماليكه وغيرهم، ولم يأكل هو شيئاً، وبات على قبره، وجاء الناس إليه على طبقاتهم ثاني يوم بكره.
وكتبت أنا فيه مرئية قرأها ملك الأمراء أخوه، وهي:
إن حزني على الأمير قماري ... علم الورق شجوها القماري
باح سري فيه بمضمون وجدي ... لا أواري بين الضلوع أواري
سار فوق الأعناق للترب عزاً ... ودموع الورى عليه جواري
ونجوم الدجى لبسن حداداً ... وأرتنا تهتك الأستار
وعيون الغمام تبكي بجفن ... وتبل الثرى بدمع القطار
ولكم لطم الرعود سحاباً ... فتراه مشقق الأطمار
وجبين الصباح شق فأضحى ... شفق الصبح زائد الإحمرار
ونسيم الصبا يهب عليلاً ... بفتور في ساعة الأسحار
لو أفاد الفداء ميتاً سمحنا ... بنفوس جادت بغير اعتذار
وترامت من دونه للمنايا ... لا توان يعوقها في توار
غير أن المنون في الفتك لا تع ... با بسمر القنا وبيض الشفار
كاد لولا أخوه حي يسيل الد ... مع في الخد كالدم الموار
جرح الدمع ثم آسى ببقيا ... كافل الملك ذي الزناد الواري
ملك قد حمى دمشق بعزم ... آمن في مدى الردى من عثار
وبها العدل قد أقام وحكم الش ... رع في ربعها رفيع المنار
لا تحل الخطوب منها بربع ... فهي محروسة بعين الداراري
وندى كفه إذا جاد يلقى ... لأنسكاب الغمام فيها يباري
صبر الله قلبه في مصاب ... زاد منه الأموات أكرم جار
ترك المال والبنين وولى ... عن ديار البلى لدار القرار
هو ضيف قد بات عند كريم ... باذل العفو ساتر غفار
يا سمي الولي لا ذقت يوماً ... بعدها حادثاً من الأقدار
وحمى الله منزلاً أنت فيه ... ووقاه من دهرنا الغدار
وفدتك النفوس من كل سوء ... ما أزاح الدجى بياض النهار
اللقب والنسب
ابن القماج: القاضي جمال الدين أبو بكر بن إبراهيم.
ابن القماح: القاضي شمس الدين محمد بن أحمد.
القمولي: القاضي نجم الدين أحمد بن محمد. ونجم الدين محمد بن إدريس.
القمني: محمد بن الحسن.