وقدم إلى دمشق يوم السبت منتصف ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وصلى بجامعها الأموي غير مرة.
وسافر في الجيش إلى حمص، ثم رد وعاد إلى مصر، فلما كان بأرض بيسان وثب عليه حسام الدين لاجين وشد على مملوكيه بتخاص وبكتوت الأزرق، فقتلهما في الحال، وكانا عضدي
كتبغا
، واختبط الجيش، وفر كتبغا على فرس النوبة. يقال: إن لاجين لحقه وضربه بطومار رماه به، وقال: انج بنفسك، وتبعه أربعة من مماليكه لا غير، وذلك في صفر سنة ست وتسعين وست مئة.
وكانت دولته سنتين وبعض شهر.
وساق كتبغا إلى دمشق، فتلقاه مملوكه نائبها في الأمراء وقدم القلعة، ففتح له نائبها أرجواش الباب، ودقت له البشائر، ولم يجتمع له أمر، واجتمع كجكن والأمراء، وحلفوا لصاحب مصر، وصرحوا لكتبغا بالحال، فقال: أنا ما مني خلاف، وخرج من قصر السلطنة إلى قاعة صغيرة، وبذل الطاعة للاجين، وقال: هو خوشداشي، فرسم له أن يقيم بقلعة صرخد، وأتاه بعض نسائه وغلمانه. وانطوى ذكره إلى بعد نوبة غازان، فأعطاه السلطان الملك الناصر حماة، فأقام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور.
وكان السلطان الملك الناصر يكرهه وما يذكره بصالحة، ويقول: ما أنسى وقد أخرجني إلى الكرك، وفك حلقة من أذني فيها لؤلؤة، وأخذها وحطها في جيبه، وقل أن كان يرى له توقيعاً فيمضيه، وفيه يقول علاء الدين الوداعي لما خلع على أهل دمشق - ومن خطه نقلت -:
أيها العادل سلطان الورى ... عندما جاد بتشريف الجميع
مثل قطر صاب قطراً ماحلاً ... فكسا أعطافه زهر الربيع
كتبغا
الأمير زين الدين أمير حاجب الشام. أظنه تولى نيابة شيزر في وقت.
كان الأمير سيف الدين تنكز يعظمه، ويجلسه قدامه ويكرمه، ويرمل هو على يده، ويتوشح بما غلا من قلائده.
وكان في نفسه رئيساً، وقدر المال عنده خسيسا، وكان يحضر السماعات، ويرقص في الجماعات، ويعمل في كل سنة مولداً للنبي - عليه الصلاة والسلام -، ويجمع فيه الخاص والعام، ويقف ويخدم بنفسه الفقراء، ويبالغ في ذلك ويعرض عن الأمراء. إلا أنه كانت فيه استحاله، وإعراض عما يثق به في الحاله.
ولم يزل على حاله إلى أن انتهت مدته، وفرغت عدته.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في آخر نهار الجمعة ثامن عشري شوال سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، ودفن بتربته في القبيبات.
وكان تنكز يعظمه ويحترمه، ويحب حديثه ويصغي إليه، ويقبل شفاعاته، ويزوره في بيته.
وأظنه في وقت مشى بالفقيري، ولبس زي الفقراء، وكان إذا دخل إليه إنسان في بيته في أمر قال: السمع والطاعة، من أحق منك بهذا الذي تطلبه؟! قف غداً لمولانا ملك الأمراء، وأنا أساعدك، وتبصر ما أقول، فإذا وقف ذلك المسكين قال: يا مولانا، أي حائك قام، وأي بيطار قام، قال يريد يبقى جندياً. فإذا سمع
ذلك الأمير سيف الدين تنكز قال: نحه، فتتناول المسكين العصي من كل جانب، ولكن هذا في بعض الأحايين. ولكنه كثيراً ما يشكر الناس عند تنكز، ويثني على من يعرفه ومن لا يعرفه حتى تحقق منه ذلك. ورتبوا يوماً قصة بعلم تنكز باسم إنسان يطلب إقطاعاً، وقرئت يوم الخدمة وهو حاضر، فقال: نعم يا خوند، أعرفه وأعرف أباه، وهو مسكين بطال، وفي هذه الجمعة حضر من حلب، فقال تنكز: أبصر جيداً، فقال: سبحان الله، وجهز نقيباً إلى ذلك الشخص، وأحضره، وكان الأمر كما قال، فتعجب تنكز من ذلك، وأعطى ذلك إقطاعاً، وكانت هذه من الغرائب.
وحج - رحمه الله، تعالى - غير مرة، وفرق في الحرمين مالاً وافراً.
وكان قد ولي شد الدواوين بدمشق والأستاذ دارية عوضاً عن الأمير سيف الدين أقجبا في ثالث عشري شوال سنة تسع وسبع مئة. وولي الحجوبية بالشام عوضاً في شهر رمضان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
كجك بن محمد بن قلاون
السلطان الملك الأشرف علاء الدين ابن الملك الناصر ابن الملك المنصور.
لما خلع قوصون الملك المنصور أبا بكر ولى هذا كجك الملك، وأجلسه على التخت، وحلف له، وحلف له العساكر بمصر والشام، وكان عمره يومئذ خمس سنين تقديراً، وذلك في أواخر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة. واستقل الأمير سيف الدين قوصون بكفالة الممالك، وصار نائبه، وإذا حضرت العلامة أعطي قلماً
في يده، وجاء فقيهه المغربي الذي يقرئ أولاد السلطان، ويكتب العلامة، والقلم في يد السلطان علاء الدين كجك.
ثم إن الفخري خرج لمحاصرة الكرك، وكان ما كان، وجرى ما جرى - على ما تقدم في ترجمة ألطنبغا والفخري - ولما توجه الناصر أحمد من الكرك إلى مصر في شهر رمضان جلس على كرسي الملك، وخلع الأشرف كجك، وانفصل من الملك. ثم تولى أخوه الصالح إسماعيل بعد خلع الناصر، ولما توفي الصالح تولى الكامل شعبان.
وجاء الخبر إلى الشام بوفاة كجك - رحمه الله، تعالى - في سنة ست وأربعين وسبع مئة.
كجكن
الأمير سيف الدين المنصوري.
كان من أكابر مقدمي الألوف بدمشق، قديم الهجرة في الإمره، كثير المعرفة بالصيد والخبره، كثير الخدم، غزير الحشم، عمر دهراً صالحاً، وقطع عيشاً ناجحا، وهو وافر الحرمه، ظاهر النعمه، معظم عند النواب، مفخم على مر السنين والأحقاب.
ولم يزل على حاله أن ابتلعه فم القبر، وتعذر فيه على ذويه الصبر.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
وسمى أولاده الثلاثة الذكور كلا منهم محمداً، وأظنه كان قد نزل عن إقطاعه قبل وفاته بقليل، وكان السلطان الملك الناصر ينتظر موته، ويسأل عنه كل من يصل إلى دمشق.
أخبرني الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك قال: لما حضرت قدام السلطان عند حضوري من دمشق قال لي أشياء سأل مني عنها، ومنها قال لي: أيش حس كجكن، فقلت: طيب.
وكان قد أمسك في دولة الناصر محمد في يوم الجمعة حادي عشري شهر رجب سنة ثمان وتسعين وست مئة.
كراي
الأمير الكبير سيف الدين المنصوري نائب صفد ودمشق.
كان شديد المهابه، بطيء الرجوع إذا غضب والإنابة، أطيش من حبابه، وأطير من ذبابه، إذا غضب لا يقوم شيء لغضبه، ولا تهجم الأسود على سلبه، ولا تقدم الملوك على غلبه؛
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
إلا أنه كان شديد الديانه، مديد الصيانه، عفيف الفرج مع القدره، عزوف النفس لا يتناول من مال غيره ذره. لا يقبل لأحد هدية، ولا يدع ما فيه شبهة يدخل نديه.
وكان مغرى بالنكاح لا يكاد يفارقه، ولا يشغله عنه ولا يسارقه، ومع ذلك فكفه أندى من الغمام، وأجود من النسيم بالطيب إذا مر بالزهر وشق عنه الكمام،
يحب الطرب الدائم، وسماع النغم الملائم. وكان منهوماً في المآكل والمشارب، ملهوفاً في تفرقة طعامه لكل مستخف وسارب، وما رزق في نيابة دمشق سعادة، ولا وافقته المقادير على ما أراده، وأبغضه أهلها، ونفر منه حزنها وسهلها، فأمسك فيها بعد قليل، وخرج منها بعدما رشف كأس الذل ورسف في القيد الثقيل، وذلك في يوم الخميس ثاني عشري جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
أنشدني لنفسه الشيخ علاء الدين بن غانم:
أنا راض بحالتي لا مزيد ... وبأن لا أزال عند الحميد
إن في أمر كافل الملك بالشا ... م عظات للحازم المستفيد
جاه بالتقليد أرغون بالأم ... س وولى وعاد بالتقييد
كان أولاً نائباً في صفد بعد الأمير فارس الدين ألبكي، وأقام بها إلى أن توجه في واقعة غازان، وحصلت الكسرة، فحضر هو إلى صفد، وقصد القلعة لإيداع حريمه بها، وانجفل الناس، فلم يفتح له الباب، وسبه جماعة من مستخدمي القلعة، وآلموه بالكلام، فقال: أنا ما أدخل، ولكن افتحوا للحريم، فلم يسمعوا له، وبقيت هذه النكاية في خاطره.
ولما توجه إلى مصر، طلب العودة إلى نيابة صفد، فعاد إليها، وقتل أولئك الذين جاهروه بالأذى ومنعوا حريمه بالمقارع، ونفاهم منها. ثم إنه توجه إلى مصر، وحضر بدله الأمير سيف الدين بتخاص، وأقام بمصر مدة، ثم إنه رمى إقطاعه وأقام بالقدس مدة يأكل من ريع أملاكه وهو بطال. ولم يزل إلى أن حضر السلطان من الكرك إلى دمشق، فحضر إليه وقال له: أي من ملك غزة ملك مصر، فقال له السلطان: أنت لها. وجهزه إلى غزة، فملكها، وأقام بها، وكان الأمر كما قال.
وقلت أنا في ذلك:
كرائي الذي أهدى الكرى لجفوننا ... وجمع شمل الملك بعد تنائي
أشار على السلطان يحفظ غزةً ... فلم أر في عمري كرأي كرائي
ودخل معه إلى القاهرة ثم إن السلطان جهزه في عسكر مصر إلى حمص، فأقام بها قليلاً، وساق في ليلة العيد بالعساكر من حمص إلى حلب، ولم ينفجر الصبح إلا وقد أحاط بالعساكر على دار النيابة بحلب، وأمسك أسندمر، وحضر إلى دمشق نائباً في يوم الخميس حادي عشر المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ووصل تقليده إلى دمشق على يد الأمير سيف الدين أرغون الدوادار في خامس عشري المحرم من السنة المذكورة.
وحلف بالطلاق من زوجاته أنه ما يطلع على أحد سرق النصاب الشرعي إلا ويقطع يده، فضاق الناس منه، وبعث أحضر الناس المباشرين والكتاب من حمص إلى غزة لعمل الحساب في الزناجير، وضيق على الناس، وشدد واتكل في العلامة على الشيخ نجم الدين الصفدي لأنه كان يعرفه في صفد، وجعل دركها عليه، فكانت العلامة تحمل إليه، ويعتبرها شيئاً فشيئاً، فما رآه سائغاً وضعه في فوطة العلامة، ودخل به وما ارتاب فيه عزله عنها.
ولما كان في جمادى الأولى من السنة المذكورة، قرر على دمشق ألف وخمس مئة فارس، يقومون بها، لكل فارس خمس مئة درهم، وطلب الأكابر بالترسيم إلى دار الوالي، وتجمعوا لتقرير ذلك، وندب من يحضر، ويقف على الأملاك والأوقاف، وغلظ على الناس، وحلفوهم على مقدار الأجر، فضاق الناس، وتوجه الأعيان إلى الخطيب جلال الدين، فقام في ذلك، واجتمع بالحكام وقرر دفع القضية معهم
ليكون الكلام في يوم الاثنين مع الأمير سيف الدين كراي. وخرج الناس بكرة النهار، ومعهم المصحف الكريم والأثر النبوي والصناجق التي على المنبر، فلما كان النائب واقفاً في سوق الخيل، ورأى ذلك السواد الأعظم من بعد والأطفال وغيرهم، فقال: ما هذا؟! فقالوا له: أرباب الأوقاف والأملاك وأرباب الرواتب على الجامع جاؤوا بسبب هذا المقرر عليهم، فقال: ردوهم، وقل لهم: الشغل انقضى، فجاء الأمير سيف الدين قطلوبك بن الجاشنكير الحاجب، وهو يعرف خلق النائب، فقال لهم: بسم الله، ارجعوا، فقد انقضى شغلكم، فقالوا له: المصحف ما يرد، فقال: ارجعوا وإلا ما هو جيد لكم، فأبوا، فشال العصا بيده، يشير إلى أنه يضرب بها، وكان المصحف الكريم - فيما أظن - على رأس الخطيب، فهرول به، فوقع المصحف الكريم إلى الأرض، فلما رآه الناس قد وقع تناولوه بالحجارة، فرده الحاجب إلى النائب والحجارة في قفاه، ووقع بعضها قدام كراي، فاشتد غضبه ورد إلى القصر، وأخرق بقاضي القضاة ابن صصرى، وقال: كل هذا عملك، فأنكر ذلك، وحلف له، فسبه، وأخرق به وبالخطيب، فقال له الشيخ نجم الدين التونسي: اسكت، كفرت. فرماه إلى الأرض، وضربه ضرباً مؤلماً كثيراً، ورسم عليهم، ثم أطلقهم بضمان وكفلاء.
ولم يكن بعد ذلك إلا دون العشرة أيام حتى حضر الأمير سيف الدين أرغون الدوادار من مصر يوم الأربعاء، وأحضر له تشريفاً عظيماً، فلبسه ثاني يوم بكرة، وعمل الموكب، وحضر دار العدل، ومد السماط، فأخرج أرغون كتاباً عظيماً مطلقاً إلى الأمراء بدمشق بإمساك كراي، فأمسك في التاريخ المذكور، وقيد في الحال، وجهز إلى الكرك صحبة الأمير سيف الدين اغرلو العادلي والأمير ركن الدين بيبرس المجنون، وكان قد أمسك الصاحب عز الدين بن القلانسي، ورسم عليه.