أخبرني الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك قال: لما حضرت قدام السلطان عند حضوري من دمشق قال لي أشياء سأل مني عنها، ومنها قال لي: أيش حس كجكن، فقلت: طيب.
وكان قد أمسك في دولة الناصر محمد في يوم الجمعة حادي عشري شهر رجب سنة ثمان وتسعين وست مئة.
كراي
الأمير الكبير سيف الدين المنصوري نائب صفد ودمشق.
كان شديد المهابه، بطيء الرجوع إذا غضب والإنابة، أطيش من حبابه، وأطير من ذبابه، إذا غضب لا يقوم شيء لغضبه، ولا تهجم الأسود على سلبه، ولا تقدم الملوك على غلبه؛
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ... ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
إلا أنه كان شديد الديانه، مديد الصيانه، عفيف الفرج مع القدره، عزوف النفس لا يتناول من مال غيره ذره. لا يقبل لأحد هدية، ولا يدع ما فيه شبهة يدخل نديه.
وكان مغرى بالنكاح لا يكاد يفارقه، ولا يشغله عنه ولا يسارقه، ومع ذلك فكفه أندى من الغمام، وأجود من النسيم بالطيب إذا مر بالزهر وشق عنه الكمام،
يحب الطرب الدائم، وسماع النغم الملائم. وكان منهوماً في المآكل والمشارب، ملهوفاً في تفرقة طعامه لكل مستخف وسارب، وما رزق في نيابة دمشق سعادة، ولا وافقته المقادير على ما أراده، وأبغضه أهلها، ونفر منه حزنها وسهلها، فأمسك فيها بعد قليل، وخرج منها بعدما رشف كأس الذل ورسف في القيد الثقيل، وذلك في يوم الخميس ثاني عشري جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
أنشدني لنفسه الشيخ علاء الدين بن غانم:
أنا راض بحالتي لا مزيد ... وبأن لا أزال عند الحميد
إن في أمر كافل الملك بالشا ... م عظات للحازم المستفيد
جاه بالتقليد أرغون بالأم ... س وولى وعاد بالتقييد
كان أولاً نائباً في صفد بعد الأمير فارس الدين ألبكي، وأقام بها إلى أن توجه في واقعة غازان، وحصلت الكسرة، فحضر هو إلى صفد، وقصد القلعة لإيداع حريمه بها، وانجفل الناس، فلم يفتح له الباب، وسبه جماعة من مستخدمي القلعة، وآلموه بالكلام، فقال: أنا ما أدخل، ولكن افتحوا للحريم، فلم يسمعوا له، وبقيت هذه النكاية في خاطره.
ولما توجه إلى مصر، طلب العودة إلى نيابة صفد، فعاد إليها، وقتل أولئك الذين جاهروه بالأذى ومنعوا حريمه بالمقارع، ونفاهم منها. ثم إنه توجه إلى مصر، وحضر بدله الأمير سيف الدين بتخاص، وأقام بمصر مدة، ثم إنه رمى إقطاعه وأقام بالقدس مدة يأكل من ريع أملاكه وهو بطال. ولم يزل إلى أن حضر السلطان من الكرك إلى دمشق، فحضر إليه وقال له: أي من ملك غزة ملك مصر، فقال له السلطان: أنت لها. وجهزه إلى غزة، فملكها، وأقام بها، وكان الأمر كما قال.
وقلت أنا في ذلك:
كرائي الذي أهدى الكرى لجفوننا ... وجمع شمل الملك بعد تنائي
أشار على السلطان يحفظ غزةً ... فلم أر في عمري كرأي كرائي
ودخل معه إلى القاهرة ثم إن السلطان جهزه في عسكر مصر إلى حمص، فأقام بها قليلاً، وساق في ليلة العيد بالعساكر من حمص إلى حلب، ولم ينفجر الصبح إلا وقد أحاط بالعساكر على دار النيابة بحلب، وأمسك أسندمر، وحضر إلى دمشق نائباً في يوم الخميس حادي عشر المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ووصل تقليده إلى دمشق على يد الأمير سيف الدين أرغون الدوادار في خامس عشري المحرم من السنة المذكورة.
وحلف بالطلاق من زوجاته أنه ما يطلع على أحد سرق النصاب الشرعي إلا ويقطع يده، فضاق الناس منه، وبعث أحضر الناس المباشرين والكتاب من حمص إلى غزة لعمل الحساب في الزناجير، وضيق على الناس، وشدد واتكل في العلامة على الشيخ نجم الدين الصفدي لأنه كان يعرفه في صفد، وجعل دركها عليه، فكانت العلامة تحمل إليه، ويعتبرها شيئاً فشيئاً، فما رآه سائغاً وضعه في فوطة العلامة، ودخل به وما ارتاب فيه عزله عنها.
ولما كان في جمادى الأولى من السنة المذكورة، قرر على دمشق ألف وخمس مئة فارس، يقومون بها، لكل فارس خمس مئة درهم، وطلب الأكابر بالترسيم إلى دار الوالي، وتجمعوا لتقرير ذلك، وندب من يحضر، ويقف على الأملاك والأوقاف، وغلظ على الناس، وحلفوهم على مقدار الأجر، فضاق الناس، وتوجه الأعيان إلى الخطيب جلال الدين، فقام في ذلك، واجتمع بالحكام وقرر دفع القضية معهم
ليكون الكلام في يوم الاثنين مع الأمير سيف الدين كراي. وخرج الناس بكرة النهار، ومعهم المصحف الكريم والأثر النبوي والصناجق التي على المنبر، فلما كان النائب واقفاً في سوق الخيل، ورأى ذلك السواد الأعظم من بعد والأطفال وغيرهم، فقال: ما هذا؟! فقالوا له: أرباب الأوقاف والأملاك وأرباب الرواتب على الجامع جاؤوا بسبب هذا المقرر عليهم، فقال: ردوهم، وقل لهم: الشغل انقضى، فجاء الأمير سيف الدين قطلوبك بن الجاشنكير الحاجب، وهو يعرف خلق النائب، فقال لهم: بسم الله، ارجعوا، فقد انقضى شغلكم، فقالوا له: المصحف ما يرد، فقال: ارجعوا وإلا ما هو جيد لكم، فأبوا، فشال العصا بيده، يشير إلى أنه يضرب بها، وكان المصحف الكريم - فيما أظن - على رأس الخطيب، فهرول به، فوقع المصحف الكريم إلى الأرض، فلما رآه الناس قد وقع تناولوه بالحجارة، فرده الحاجب إلى النائب والحجارة في قفاه، ووقع بعضها قدام كراي، فاشتد غضبه ورد إلى القصر، وأخرق بقاضي القضاة ابن صصرى، وقال: كل هذا عملك، فأنكر ذلك، وحلف له، فسبه، وأخرق به وبالخطيب، فقال له الشيخ نجم الدين التونسي: اسكت، كفرت. فرماه إلى الأرض، وضربه ضرباً مؤلماً كثيراً، ورسم عليهم، ثم أطلقهم بضمان وكفلاء.
ولم يكن بعد ذلك إلا دون العشرة أيام حتى حضر الأمير سيف الدين أرغون الدوادار من مصر يوم الأربعاء، وأحضر له تشريفاً عظيماً، فلبسه ثاني يوم بكرة، وعمل الموكب، وحضر دار العدل، ومد السماط، فأخرج أرغون كتاباً عظيماً مطلقاً إلى الأمراء بدمشق بإمساك كراي، فأمسك في التاريخ المذكور، وقيد في الحال، وجهز إلى الكرك صحبة الأمير سيف الدين اغرلو العادلي والأمير ركن الدين بيبرس المجنون، وكان قد أمسك الصاحب عز الدين بن القلانسي، ورسم عليه.
ولما كان في مستهل جمادى الأولى حكم القاضي نجم الدين الدمشقي نائب ابن صصرى ببطلان البيع الذي اشتراه ابن القلانسي من تركة السلطان الملك المنصور في الرمثا والسبوخة والفضالية لكونه بدون قيمة المثل، وبعزل الوكيل الذي صدر منه البيع قبل عقد البيع، ولوجود ما يوفى منه الدين غير العقار، ونفذ الحكام ذلك. ثم إن القاضي تقي الدين الحنبلي نقض ذلك في تاسع شعبان من السنة المذكورة، وادعى قبل هذا على الصاحب عز الدين واعتقل، فلما كان في يوم إمساك كراي خرج الصاحب عز الدين بن القلانسي من الاعتقال من دار السعادة، وفرح الناس بخلاصه، وبإمساك كراي.
ثم إن السلطان بعث إلى كراي وهو معتقل في الكرك من يخدمه، وجهز إليه جارية من حظاياه، وأقام كذلك إلى أن مات - رحمه الله تعالى - وكان له أربع زوجات وثلاثون سرية، وكان إذا سافر إلى الصيد استصحب نساءه معه، لأنه لا يقدر على الصبر عن النكاح، وتزوج بابنة الأمير سيف الدين قبجق وهو بدمشق.
قال لي الشيخ: نجم الدين الصفدي - رحمه الله تعالى -: لما دخل على بستان ابنة قبجق غرم عليها حتى صارت عنده أربع مئة ألف درهم، وبعث إلى الأمير سيف الدين بهادر آص يقول: يا مسلمين يكون هذا، يكون هذا خوشداشي أنا وإياه مماليك بيت واحد وهو في مدينة أنا فيها، وهو نائب سلطان، ويدخل على زوجته، وما أقدم له شيئاً، والله ما أعرف قبول هذه البقج إلا منك، قال: فدخلت عليه، وقلت له: يا خوند أنا رجل غريب في هذه المدينة، وهذا الأمير سيف الدين بهادر آص أكبر من فيها وما بعدك أكبر منه، وقد قال: كذا وكذا، فقال: أين هذا الذي أحضره؟ فأحضرته، فقبله جميعه قطعة قطعة، ثم قال: قل له: أنت تعلم أخلاقه ومحبته لنسائه
وجواريه، وهو قد حلف بالطلاق منهن وبعتقهن أنه ما يقبل في هذه النيابة لأحد من خلق الله تعالى شيئاً قل ولا جل، فأنت رأيت يا خوشداش طلاق زوجاته وعتق جواريه فالأمر أمرك. قال: فأعدت ما قاله عليه، فقبل العذر في ذلك.
وكان يحب الطرب، فأحضر ابن غرة العواد، وآخر يلعب بالكمنجا، وآخر دفياً، ورتب لهم معاليم على ديوانه، وقال لهم: أقسم بالله ما يتكلم أحد منكم في فضول، أو يحضر قصة، أو غير ذلك إلا كانت يده قبالة ذلك أو لسانه، وقد أكفيتكم، وهذا الطعام أنتم فيه وفي الفاكهة وفي الحلوى وفي المشروب ليلاً ونهاراً، فكلوا واشربوا وغنوا، ليس إلا.
وكانت له قصعة تسع ثمانية أرؤس غنماً يحملها أربعة عتالين يملؤها يوماً حلوى سكرية، ويوماً طعام أرز مفلفلاً، ولا يزال ليله ونهاره في مشروب وأطعمة وفاكهة وحلوى، واعتذر للسلطان عن إمساكه، فقال: ماله عندي ذنب إلا أنه خوشداش بكتمر الجوكندار، ولما أمسكت هذا؛ خفت من ذاك لئلا يتغير فإن نفسه قوية.
وراح في وقت إلى إقطاعه بالصعيد، واستغل من قرية ست مئة ألف درهم، فخطر له أن يدخل إلى بلاد السودان، ويفتحها، وقال لي - وأنا في الكرك -: أنا أقيم لك ست مئة جندي.
كرت
الأمير سيف الدين المنصوري نائب طرابلس.
كان من الفرسان المذكورة والأبطال المشهورة. له دين متين، وسلطان في التقوى مبين، وفيه بر ومعروف، وجوده على الفقراء والصالحين معروف.
حمل على التتار في الواقعه، وبين الفروسية ذلك اليوم لما ضاقت الرقعه، وأبلى بلاءً حسناً وقتل منهم جماعه، وخاض فيهم، فملأ الموت بالمصاع صاعه، وذلك في سنة تسع وتسعين وست مئة.
كان هذا الأمير سيف الدين من مماليك الأمير ضياء الدين بن الخطير، وجعله السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين حاجباً في أيامه، ثم إنه تولى نيابة طرابلس، وأبلى في واقعة غازان، وقتل من التتار جماعة، ثم إنه خاض فيهم فاستشهد، رحمه الله تعالى.
وكان فيه اعتناء بأهل الخير وأهل الحرمين، وله بالقدس رباط وعليه وقوف، وكان كثير الصدقة، متين الديانة.
كرت
الأمير سيف الدين الناصري، أخو الأمير سيف الدين طغاي الكبير المقدم ذكره.
حضر إلى صفد بتبع واحد، وأقام بها مدة، ثم إنه نقل في أواخر أيام الأمير سيف الدين تنكز إلى دمشق، وبقي كذلك إلى أيام الفخري، فجهزه إلى البلاد الرومية إحضار سيف الدين طشتمر، وأنعم عليه. ثم إن الناصر أحمد أمره طبلخاناه، وأقام بدمشق مديدة، ثم إنه جهزه إلى جعبر نائباً، فأقام بها قليلاً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
كرجي
الأمير سيف الدين.
كان جريئاً شجاعاً كثير التهور، شديد الإقدام ظالم النفس، هو الذي قتل السلطان حسام الدين لاجين - على ما سيأتي -.
ثم إنه قتل لما قتل طغجي، وطيف برأسه في القاهرة سنة ثمان وتسعين وست ومئة، قتله كردي من الحسينية برا القاهرة بين الكيمان.
اللقب والنسب
ابن الكركري: الأمير سيف الدين بهادر.
كرماس
الأمير سيف الدين، أحد أمراء البلخانات بدمشق.
توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن عشري المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
اللقب والنسب
كريم الدين الكبير: عبد الكريم بن هبة الله.
وكريم الدين الصغير: أكرم.