كان من مماليك الغتمي نائب الرحبة، ولم يكن هو في نفسه غتمياً. وانتشا بالرحبة، وعمل بها ولاية البر مدة. ثم إنه أقام بدمشق وخدم القاضي محيي الدين بن فضل الله، فخلص له ولاية البقاع، فأظهر نهضة كافية وكفاية تامة، فنقله إلى ولاية نابلس، فأبان فيها عن سداد وشهامة، فأحبه الأمير تنكز، فقال له: يا خوند إن وليتني نيابة الرحبة، وفرت العسكر الدمشقي من التجريد إليها، فكتب له إلى السلطان، فأجابه إلى ذلك، وأعطاه إمرة طبلخاناه، فتوجه إليها، ووفى بما التزمه من عدم تجريد العسكر إلى الرحبة. وفرح بذلك تنكز، وأحبه.
وحضر العربان والناس ورافعوه، ولم يلتفت إليهم، وأمسك غرماءه ورماهم في الحبس، وتوجه العربان الكبار من آل مهنا وغيرهم، وشكوا منه إلى السلطان شكوى كبيرة، فطلبه السلطان إلى مصر، فتوجه إليها في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وكتب تنكز على يده، فلم يسمع فيه كلاماً، وخلع عليه، وجهزه إليها مكرماً، وتوجهت أنا إليها موقعاً في آخر هذه السنة المذكورة، وكتبت إليه من قباقب على جناح الحمام بطاقة بوصولي، وفيها:
هذي بطاقة خادم ... قد جاء يلهج بالمدح
حملتها قلبي الذي ... قد طار نحوك بالفرح
ولما قدمت إليها انجمع مني وانزوى عني مدة تزيد على شهرين، ثم إنه أقبل علي إقبالاً عظيماً، وأفضى إلي بأسراره، وأحسن إلي غاية الإحسان، وقال: يا مولانا، خوفوني منك، وقالوا: هذا واحد قد سيروه من مصر عيناً عليك، وزال ذلك.
ولما انفصلت من الرحبة وعدت إلى دمشق زودني وأعطاني مبلغ ألف درهم وقماشاً وحجراً عربية ثمينة واستمر لي عليه راتب في دمشق من الشعير لخيلي ومن التبن في كل سنة. وتوجهت إلى مصر، وهو يخدمني ويحسن إلي بأنواع، ويطلب الناس مني الشفاعات إليه، فلا يردها، إلا أنه كان جباراً سفاكاً للدماء يعاقب عقاب المغل، ويتنوع في ذلك بأنواع العذاب.
ولم يزل على حاله في الرحبة إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
لاجين
الأمير حسام.
كان قد تزوج بأم المظفر حاجي، وجعله أمير آخور على حاله وقدم في أيام المظفر إلى دمشق أمير مئة مقدم ألف، ووصل معه الأمير سيف الدين بتخاص في تاسع شهر رجب سنة ثمان وأربعين.
وكان أمير آخور في أيام الكامل أيضاً - فيما أظن -، ووصل طلبه بعده، ومعه الأمير ناصر الدين محمد على إقطاعه في ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة. وطلب الأمير حسام الدين لاجين وولده إلى مصر، وأظنه أخرج بعد ذلك، ثم إلى مصر.
ولم يزل بها مقيماً على طبلخاناه إلى أن توفي في شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة بالقاهرة في طاعون مصر.
اللقب والنسب
اللحياني: صاحب تونس: زكريا بن أحمد.
ابن اللمطي: محب الدين عمر بن عيسى.
ابن اللبان: محمد بن أحمد.
لولو
الأمير بدر الدين الحلبي المعروف بغلام فندش، بالفاء المفتوحة والنون الساطنة والدال المهملة المفتوحة والشين المعجمة.
كان المسكين جباراً خواناً أثيماً خواراً خداعاً غداراً مكاراً غراراً، حقوداً حسودا، عنيداً مريدا، قصياً من الخير بعيدا. مبيراً مبيدا، لو عاصر الحجاج لم يدعه يفرح بإمرة الكوفه، ولا اشتهر دونه من قبح سجاياه الموصوفه، ولم يكن قدامه إلا جلوازا، أو ماراً في طريقه مجتازا، أو مشاءً بنميم همازا:
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
دخل إلى السلطان ورافع كتاب حلب، وجلب إليهم الويل والشوم فيما جلب، وسلمهم السلطان إليه، وعول في استصفاء أموالهم عليه، فمزق جلودهم بالسياط، وأهلك البريء والمتهم عملاً بالاحتياط، فباع بعض الناس موجودهم، وبعضهم باع
مولوده. وكانت نوبة دون نوبة هولاكو وشراً منها، وواقعة تحدث الناس في سائر الأقطار عنها.
ثم إنه نكب فيها، وطلب إلى مصر وأخذ منحوسا، وظن الناس أنه يكون فيها مرموسا، فنجا وليته لا نجا، ووجد بين الأسنة مخرجا.
ثم إن السلطان ندبه لشد الجهات، فسد الجهات على من تنفس، ووصل شره حتى إلى الجواري الكنس، وأساء إلى من اصطنعه من تلك الورطه، وأخرجه من مصر بعد أي ضغطه، فولاه السلطان بمصر شد الدواوين بالقاهره، وتولى ذلك والناس أحياء " فإذا هم بالساهره " ونوع العذاب على المصادرين، وابتدع من العقاب ما لا مر بذهن الواردين ولا الصادرين، ثم إنه نكب بالقاهرة نكبة عظيمه، وانفرطت منها حبات سعادته النظيمه.
إلى النار يا ولد الزانية ... وهذا الهوي إلى الهاوية
وقعت فيا بردها في القلو ... ب، فيا ليتها كانت القاضية
ثم إنه جهز إلى حلب، وقدر الله أنه منها انقلب، فذاق فيها وبال أمره، وأفاق من سكرة خمره، وقاء ما كان أكل واتخم، وشكا وهو تحت العقوبة شكوى الجريح إلى العقبان والرخم، ومنها قضى، وأسفر الوجود بموته من الظلم وأضا.
وكان هلاكه في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
أول ما عرفت من أمره أنني رأيته بحلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة وهو ضامن
المدينة، وكان ضامنها من قبل بمدة، وطلع مرات إلى مصر ورافع الناس، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش يصده ويرده ويكذبه قدام السلطان، ولم يبلغ مرامه مدة حياته، فلما مات طلع إلى مصر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ودخل إلى السلطان ورمى بين يديه ديناراً ودرهماً وفلساً، وقال: يا خوند الدينار في حلب للمباشرين، والدرهم للنائب، والفلس لك، فتأذى السلطان من ذلك واستشاط غضباً وطلب الجميع من حلب على البريد، وسلمهم إليه وكان يقعد في قاعة الوزارة ويستحضرهم ويقتلهم بالمقارع، وكان الناس قد طال عهدهم بالمقارع لأن القاضي كريم الدين - رحمه الله تعالى - كان قد أبطلها، واستمر إبطالها بعده إلى أن جاء هذا لولو فأعادها وبالغ في أذى أهل حلب، فأنكر أهل مصر ذلك، وساءت سمعته ذلك اليوم ورثى الناس لمباشري حلب، ووقف الناس له ليرجموه إذا نزل ذاك النهار من القلعة، فأحس بذلك، ودخل إلى السلطان وعرفه ذلك، فزاد غضب السلطان، ولم ينزل لولو من القلعة، وربما جعل معه أو شاقية يحفظونه من الناس.
ولم يزل يعاقبهم بمصر حتى استصفى أموالهم وأخذهم معه، وتوجه بهم إلى حلب، وقد أمره السلطان وجعله مشد الدواوين بحلب.
ولما وصل إليها صادر وعاقب وتنوع في ذلك حتى أباع الناس أولادهم، وزاد في الخيانة، فبلغ الخبر إلى السلطان، فسير السلطان للكشف عليه الأمير سيف الدين الأكز فصانعه وداراه وقدم له، فأخذه معه وطلع إلى مصر بما معه من التقادم العظيمة فقبلها السلطان منه، وجعله بين يدي الأكز مشد الجهات بمصرف القاهرة، فزاد
تسلطه على الناس، وكرهه الأكز، فأخذ العصا يوماً، وضربه إلى أن خرب عمامته، وخرج إلى برا وهو كذلك، فتوجه إلى القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، ودخل عليه واتفق معه، وعملا على الأكز، وأخرجاه إلى الشام، وولاه السلطان شد الدواوين بالقاهرة، فعمل ذلك بجبروت عظيم، وزاد طغيانه وعتوه.
ثم إن السلطان غضب عليه، فأمسك لولو، وطلب الأمير علم الدين سنجر الحمصي من الشام وولاه شد الدواوين بالقاهرة، وسلم لولو إليه، فضربه بعض ضرب، وأقام مدة في الاعتقال ثم إنه خرج إلى حلب مشداً - والله أعلم -، فأقام بها إلى أن حضر الأمير سيف الدين طشتمر حمص أخضر نائب حلب، ومعه الأمير سيف الدين بهادر الكركري مشد الدواوين، فغضب على لولو، وسلمه إلى ابن الكركري فقتله بالمقارع إلى أن مات - رحمه الله تعالى - سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
حكى لي الشيخ شمس الدين بن الأكفاني قال: أعرف هذا لولو وهو عند فندش - أو قال: قبل وصوله إلى فندش - وهو يبيع أسقاط الغنم والأقصاب والتعاشير وغير ذلك في لقين بحماة على الطريق، وربما حمل ذلك على رأسه ودار به يبيعه.
أنشدني لنفسه إجازة القاضي زين الدين عمر بن الوردي - رحمه الله تعالى -:
أشكو إلى الرحمن لؤلؤ فندش ... أضحى يصادر سادة وصدورا
نثر الجنوب بل القلوب بسوطه ... فمتى أشاهد لؤلؤاً منثورا
حرف الميم
النسب والألقاب
ابن الماسح: نجم الدين أحمد بن إبراهيم.
مالك بن عبد الرحمن
ابن علي بن عبد الرحمن، أبو الحكم بن المرحل الأديب الشاعر المغربي.
أخذ عن الشلوبين، وابن الدباج، وعده.
وروى عنه أبو القاسم بن عمران، ومحمد بن أحمد القيسي، وغيرهما.
واستوطن سبتة.
له الشعر الرائق، والنظم الفائق، لطف ألفاظه ورققها، وزخرف أبياته ونمقها. وكان من أفاضل شعراء المغرب وأدبائهم الذين يأخذون من كلامهم ب المرقص والمطرب.
ولم يزل على حاله إلى أن رحل ابن المرحل إلى الآخرة، وأقام تحت الأرض إلى أن تنشر العظام الناخره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع وتسعين وست مئة بسبتة. وقيل: سنة سبع مئة بفاس - والله أعلم -.
ومولده بمالقة سنة أربع وست مئة، فمات عن خمس وتسعين سنة.
وكان قد نظم " التيسير " في قصيدة تزيد على ألفي بيت ورويها يلازم، وما أحسن قوله:
يا أيها الشيخ الذي عمره ... قد زاد عشراً بعد سبعينا
سكرت من أكؤس خمر الصبا ... فحدك الدهر ثمانينا
وليته زادك من بعدها ... لأجل تخليطك عشرينا
ووقع بينه وبين ابن أبي الربيع في مسألة " كان ماذا "؟ فنظم مالك بن المرحل:
عاب قوم " كان ماذا " ... ليت شعري لم هذا
وإذا عابوه جهلاً ... دون علم كان ماذا
وجهله ابن أبي الربيع، وصنف في المنع من المسألة مصنفاً.
وأنشدني العلامة شيخنا أثير الدين أبو حيان، قال: أنشدنا مالك بن المرحل لنفسه:
مذهبي تقبيل خد مذهب ... سيدي ماذا ترى في مذهبي
لا تخالف مالكاً في رأيه ... فبه يأخذ أهل المغرب
ومن شعر ابن المرحل: