مجلدات، تعب عليه، وجوده، وما قصر فيه، وكتاب " الدرر والغرر والدرر والعرر ".
وملكت بخطه تاريخ " الكامل " لابن الأثير، قد ناقش المصنف في حواشيه، وغلطه، وواخذه.
وفي جمال الدين هذا يقول شمس الدين بن دانيال وقد حصل للوطواط رمد:
ولم أقطع الوطواط بخلاً بكحله ... ولا أنا من يعييه يوماً تردد
ولكنه ينبو عن الشمس طرفه ... وكيف به لي قدرة وهو أرقد
وأنشدني إجازة له ناصر الدين بن شافع:
كم على درهم يلوح حراماً ... يا لئيم الطباع سراً تواطي
دائماً في الظلام تمشي مع النا ... س، وهذي عوائد الوطواط
وأنشدني له أيضاً:
قالوا: ترى الوطواط في شدة ... من تعب الكد وفي ويل
فقلت: هذا دأبه دائماً ... يسعى من الليل إلى الليل
وكان المسكين جمال الدين لا يزال الواقع بينه وبين القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، فكتب تقليداً على سبيل المداعبة لشخص يعرف بابن غراب يعرض
فيه بالوطواط، وهو: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " إلى كل ذي جناح، وكل اجتراء من الطير واجتراح، وإلى كل ذي صيال منهم، وكل ذي صياح، وإلى كل ذي عفاف منهم، وكل ذي جماح.
أما بعد:
فإنه لما علمنا من الله كلام الطير وفهمناه من منطقه، وألزمناه من عهده وموثقه، فقال: " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " ترى أن من برز لعجز من أولي المخالب وذوي المناسر، صار على ذي مسالمه، وإن غدا بعضها لبعض طعماً، ولا يتجاوز أحد منها مقامه المحمود في المكارمه، وإن اتفقت الأجناس واختلفت الأسماء للوضيع والأسمى، وأن يشكر للورق حسن شجعها وعفاف طبعها، مساعدتها للخلي بغنائها في دوحها، وللحزين بترجيع ندبها ونوحها، ولأنها متجملة بتخضيب الكف وتطويق الأعناق، ومتحملة من القدود إلى الغصون رسائل العشاق بالأشواق، حتى وسمت بأنها على تعانق القضب رقبا، وسمت حتى أصبحت على منابر الأشجار خطبا. ويؤثر أن يحمل لذوات الاصطياد من الجوارح تحصيل ما تقتات به النفوس، وتمتار منه الجوارح لأنها شرفت بنفوسها حتى علت على أيدي الملوك، وقيل لابنها: لله أبوك، وأن يصف بحسن اعتذاره في جيئته وذهابه، وأن ينثني على حسن خطبته وجميل خطابه، إلى غير ذلك من قطا لو ترك لهدأ ونام، وإلى بلابله الملوك من
الحمام، وإلى غرانيق تهرب الثعابين من أصواتها، وإلى سباطر ترتج الأرض بأكلها لحياتها، وإلى لغالغ تنطق، وكأنما ألبست ملابس أهل الجنان من السندس والاستبرق، وإلى ما ينجلي من طواويس كأنما استعار منها قوس قزح أثواباً دبجتها الشمس بشعاعها، وأهلتها الأهلة لإيداع إبداعها، وإلى ديكة مباركه، يؤذن آذانها بمرور ملك من الملائكة، وإلى نسر عظيم التأمير، وإلى نعام كاد يطير.
وإنا فكرنا في بعض ذوات الأجنحة خبيث حقير السمات، أسود الوجه والقفا والصفات، لا يألف إلا قبور الأموات، ولا يسعى إلا في الظلم والظلمات، ذو أذن ناتئة وما هذه الصفة من صفات الطيور، وإنه يولد والطير لا يعرف منها إلا أنها تحضن بيضها في أعشاشها والوكور، وإنه لا يقع في الشباك ولا في الفخوخ، وإنه يمني كما يمني الرجل وليس من الأنس، وإن كان شيطاناً فإنه شيطان ممسوخ، ولا يسمع منه هديل ولا هدير، ولا يصير مسرور حيث يصير، يغدو على الروضات متلصصا، ويغدو للثمار منقصا، مشؤوم الطلعه، مذموم النجعه، مرجوم البقعه سيئ الجوار قبيح الآثار، مؤذن بخراب الديار، أسود من قار، وأفسد من فار، لا يحسن به الانبساط، ولا يمكن معه الاحتياط، أخس مخلوقات الله تعالى، وهو المسمى بالوطواط. كم ضري وكم ضر، وكم ساء وما سر، وما أبرأ قط ولا أبر، ولا هو حيوان من بحر ينتفع به ولا من بر.
وهذا كتابنا إلى كل ذي بسط وقبض، وإلى كل ذي انتهاس وانتهاش وعض، وكل رب مقبرة مظلمه، وكل ذي موحشة معتمه، وكل من إليه توغل الأعماق المقتمه، يتضمن إهلاك هذا الحيوان الخبيث وتطهير الأمكنة من رجسه، وسد المنافس
على الكريهين من نفسه ونفسه، وأن لا ترعى له حرمه، ولا يرقب فيه إل ولا ذمه، بحكم أنه ليس من الطير ولا من الوحش، ولا ذو قوة ولا بطش، ولا فيما ينتفع به صائل ولا صائد ولا آكل، ولا هو معين ذي فرج ولا ثاكل، وإن ضرره للأحياء والأموات فاش. ولأنه إذا دعي بأحب الأسماء إليه قبل له: خفاش، لا يكرع في نهر النهار، ولا يحوم مع ذوات الجناح في مطار، وأكره شيء إليه الأنواء والأنوار، ولا يوصف بأنه الشهم، ولا هو ذو ريش ينتفع به بإراشة السهم، لا تحد له الصفائح، ولا يعد في جملة الذبائح، ولا ريح له في الشواء، ولا ريح له في الشرائح.
ورسمنا أن يفوض أمره وحسبة الطير للإمام شرف الدين بن غراب، فليتق الله في كل ذات طوق وغير طوق، وليراقبه مراقبة أبيه إذا قنع من إيمانه بما اقتنع به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السوداء بأن قال لها: أين الله؟، فقالت: في السماء. وأبوه، فلا يزال يقول: الله فوق، وليحتسب على هذا الخبيث المشوه، وهذا الخسيس المنوه، فقد فوضنا ذلك إليه إذ هو كأبيه منطق مفوه، وليترك في أمره النعيق والنعيب، وليعلن بلغته إعلاماً فصيحاً يستوي فيه البعيد والقريب، ويتجاوز فيه في ذلك كل سمي بهذا الاسم المشؤوم، إذ لكل امرئ من نعته نصيب، وليقرأ هذا المرسوم على رؤوس الأشهاد وعند الآبار المعطلة والبراني والخراب واليباب، ويزيل من الترب المظلمة والقباب عند كل باب، والخاتم الشريف السليماني أعلاه حجة بمقتضاه إن شاء الله تعالى.
محمد بن إبراهيم بن سعد الله
ابن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر، الإمام العالم قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله الكناني الحموي الشافعي قاضي قضاة الديار المصرية.
سمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري بحماة وبمصر من الرضي بن البرهان والرشيد العطار وإسماعيل بن عزرون وعدة. وبدمشق من ابن أبي اليسر، وابن عبد، وطائفة. وأجاز له عمر بن البراذعي، والرشيد بن مسلمة وطائفة. وحدث " بالشاطبية " عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبي. وله إجازة في سنة ست وأربعين أجازه فيها الرشيد بن مسلمة، ومكي بن علان، وإسماعيل العراقي، واليلداني، والصفي عمر بن عبد الوهاب الراذعي، وخطيب مردا، وغيرهم.
وسمع من والده، وأحمد بن القاضي زين الدين الدمشقي، وابن علاق، وعثمان بن رشيق، والحافظ العطار، والنجيب عبد اللطيف الحراني، والرضي بن البرهان الواسطي، وشمس الدين إسحاق بن بلكويه الصوفي المعروف بالمشرف، والشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والقاضي شمس الدين بن عطا الحنفي، وكمال الدين عبد العزيز بن عبد، وشيخ الشيوخ شرف الدين، والشيخ ناصح الدين
القسطلاني، وأخيه قطب الدين، والشيخ محب الدين بن دقيق العيد، والشيخ جمال الدين بن مالك، والشيخ جمال الدين الصيرفي، وجماعة غيرهم.
وطلب الحديث بنفسه، وقرأ على الشيوخ وحدث ب " صحيح " البخاري بطريق البوصيري.
وحدث بالشام ومصر والحجاز، وخرج له المحدثون عوالي ومشيخات بمصر وبدمشق، وخرج هو لنفسه أربعين حديثاً من الأحاديث التساعيات العوالي، وسمعت عليه مع جماعة بمنزله بمصر المجاور للجامع الناصري، وأجاز لي في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وحدث بالكثير، وتفرد في وقته.
كان إمام زمانه، وصدر أوانه، وانتهت إليه رياسة الدين والدنيا، رقى بسيادته في مراتب العليا، وجمع له من المناصب ما لم يجمع في وقته لسواه، وترك كل عدو له وحاسد ينطوي على نيران جواه، اشتغل بالعلم من صغره، واستمر على ذلك في مدة كبره. وصحب قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، وانتفع به وقرأ عليه كثيراً من كتبه، ولازم طريق الخير وصحبة الصالحين، واتحد بالفقراء العاملين العالمين، واشتهر بهذه الطريقة، وعرف بهذا الخير الذي هو نعم الرفيق في كل فريق، فترشح بذلك للوظائف الكبار، والمناصب التي ما على حسنها غبار، ومع هذا كله لازم طريقة واحدة، وباشر القضاء والحكم وقد جعل الله فضله شاهده ورزق السعادة العظمى في كل ما تولاه، وزانه من محاسنه ما تحلاه، واتصف بصفات، وما يقول الناس في البدر إذا محا سواد الدجى وجلاه:
وجلال لو كان للقمر البد ... ر جاز فيه حكم المحاق
ثم إنه ضعف بصره واستعفى من المباشره، وترك الخلطة بالناس والمعاشره، وانقطع في منزله قريباً من ست سنين يزوره الناس للبركه، ويقصدونه للتملي بمحاسنه، والأخذ من فوائده المشتركه.
ولم يزل على حاله إلى أن كسف بدره، وأزلف قبره، وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الاثنين بعد العشاء الآخرة الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده ليلة السبت عند مضي الثلث الأول من ليلة رابع شهر ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وست مئة.
وصلي عليه بجامع دمشق صلاة الغائب يوم الجمعة بعد الصلاة عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
وكان قد درس أولاً بدمشق في المدرسة القيمرية مضافاً إلى الخطابة في أول دولة لاجين. ثم إنه نقل إلى قضاء القدس مع الخطابة به في شوال سنة سبع وثمانين وست مئة عوضاً عن فخر الدين الزرعي. ثم إنه طلب لقضاء الديار المصرية، فتوجه إليها في شهر رمضان سنة تسعين بدل ابن بنت الأعز، وجمع له بين قضاء البلدين، فأحسن السيرة هناك، وأقام مدة، وتجمعت له هناك مناصب جليلة.
أقام بالقاهرة على حاله، إلى أن قتل الأشرف، وأمسك الصاحب بن السلعوس، فصرف القاضي بدر الدين بن جماعة وأعيد قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز إلى ما كان عليه.
واستقر ابن جماعة هناك في تدريس وكفاية؛ إلى أن توفي قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن الخوبي، فنقل إلى قضاء الشام، ووصل إلى دمشق رابع عشر ذي الحجة من السنة قاضي قضاة الشام، وجمع له مع القضاء الخطابة - وليها بعد الشيخ شرف الدين المقدسي في شوال سنة أربع وتسعين وست مئة - ومشيخة الشيوخ، وأقام على ذلك مدة، ولم يتفق هذا لغيره، وازداد على ذلك التداريس الكبار ونظر الأوقاف وغير ذلك.
ولم يزل على ذلك إلى أن طلب ثانياً لقضاء الديار المصرية في شعبان سنة اثنتين وسبع مئة عوضاً عن ابن دقيق العيد، فأقام على ذلك إلى أن حضر السلطان من الكرك في سنة تسع وسبع مئة، فعزله، وولى مكانه قاضي القضاة جمال الدين الزرعي في شهر ربيع الأول سنة عشر وسبع مئة مستهل الشهر. وعزل أيضاً شمس الدين السروجي قاضي القضاة الحنفي، وطلب ابن الحريري، فولاه مكانه، وتولى قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في هذه العطلة تدريس المدرسة الناصرية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وسبع مئة. ثم إنه أعيد إلى منصبه قضاء القضاة بالديار المصرية عوضاً عن القاضي جمال الدين الزرعي في الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة واستقر له مع الحكم مشيخة الحديث بالكاملية وجامع ابن طولون، وتدريس الصالحية والناصرية.
ولم يزل على حاله إلى أن استعفى من القضاء في جمادى الآخرة - فيما أظن - سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فاستمرت بيده الزاوية المنسوبة إلى الشافعي - رضي الله عنه - بجامع مصر، وقرر له السلطان الملك الناصر راتباً في الشهر مبلغ ألف درهم وعشرة أرادب قمحاً، وكان قد ترك تناول المعلوم قبل انفصاله عن القضاء بمدة.
وحج ست مرات، أولها سنة ست وخمسين وست مئة، وجاوز التسعين سنة،