وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر، وكان قد نسك آخر عمره، واقتصر.
ومما أنشدني له قوله:
لي أم من أصلح الناس تدعو ... لي رب السماء سراً وجهرا
جعل الله كل يابسة يا نو ... ر عيني بين كفيك خضرا
فاستجيب الدعاء في وما رد ... ت يداها من المواهب صفرا
فلذا لا أفيق ظهراً وعصراً ... سكرةً لا ولا عشاءً وفجرا
وأنشدني له أيضاً:
أعجامنا قد أصبحت قلوبهم ... وجداً بحب الخاتقاه خافقه
لا تعجبوا فكل كلب نابح ... ولا يحب الكلب إلا خانقه
وأنشدني له أيضاً:
وقالوا الشيخ مجد الدين ... شيخ الجهالة والبلاده
فقلت وأوحد في ال ... لياط وفي القياده
وزيدوا إن أردتم ... وشيخ النحس زاده
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً في نجم الدين وكيل الفخر، وكان أعور:
يا ربنا لي صاحب ... بالذنب مدحو شقي
غطيت منه عورةً ... يا خير رب مشفقي
وسترت منه ما مضى ... يا رب فاستر ما بقي
ذكرت بهذا التهكم في الدعاء ما نقلته من خط السراج الوراق:
طالت مسافة بيني ... بين الصفي وبيني
فلا أموت إلى أن ... أرى الصفي بعيني
قلت: هذه تورية، خدمت معه من ثلاثة وجوه: أحدها: وهو الظاهر في بادئ الرأي، من أنه يراه بعينه.
والثاني: أن يراه ضعيفاً، " فعيلاً " بمعنى " مفعول ".
والثالث: أن يراه بفرد عين أي أعور، وهكذا يكون النظم الذي يسمع.
وكتب الشيخ جمال الدين بن نباتة إلى ابن الفويه:
واحربا من سوالف الخشف ... والنواعس الوطف
كم لك يا خشف من فتى وامق
لنون صدغيك يعبد الخالق
يا لكما من رشا ومن عاشق
من ذا ومن نون صدغ ذا قل في ... عابد على حرف
سكنت عندي بيتاً هو القلب
وغبت عن ناظري فلا عتب
يفديك يا بدر هائم صب
بمنزل القلب منه تستكفي ... لا بمنزل الطرف
جادت جفوني بالأدمع الحمر
جود ابن فضل الإله بالتبر
لله منه جواد ذا الدهر
يمسك جود الحيا عن الوكف ... وهو جائد الكف
انظر لآثار مجده العالي
وصنعه بالعدا وبالمال
صنعة نحو بديعة الحال
فالمال نحو العفاة للصرف ... والعداة للحدف
ختام ذكر العلا به مسك
وأن لفظي لفظه سلك
وصفي وجدواه ليس ينفك
فليس يخلي يدي من عرف ... أو علاه من وصف
وأغيد زاره مخالفه
وعاد بعد الجفا يساعفه
وقال لما مشى يكاتفه
أصبح بعد الجفاء والخلف ... كالطراز على كتفي
فكتب شمس الدين بن الفويه الجواب:
زهر أم الزهر يانع القطف ... من كمائم السجف
رياض حسن قد راضها الدل
من ورد خد فيه الحيا طل
وآس صدغ فيه الحيا ظل
كففت عن هصر كفي ... إذ رعيت بالطرف
من لي ببدر حشاشتي أفقه
يزيده حسن وجهه طلقه
لو جال في سمع عاذلي نطقه
لقال فيه بالصوت والحرف ... عاذلي بلا خلف
قلت وصدغ في الخد قد عقرب
ونمل ذاك العذار فيه دب
وحسنه في طرازه المذهب
يا واو صدغ من لين العطف ... هل أتيت للعطف
قال وأبدى ابتسامة درا
أعطيت نظم الجمال والنثرا
ونطقه فاتخذتهم ثغرا
وصنتهم في مواضع الرشف ... لا مواضع الشنف
أشرف يا بني نباتة الأدب
وقد نشا في القريض والخطب
فهم ولو لم يضمهم نسب
بينهم نسبة من الظرف ... والبيان واللطف
وغادةً دون حسنها الوصف
يثقلها عند خطوها الردف
قالت وأمواج ردفها تطفو
هذا الثقيل ردفي يعتمد خلفي ... أمشي ينقطع خلفي
قلت: ما أبدع هذه الخرجة الداخلة والألفاظ الجادة، وهي هازلة، رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن إبراهيم
ابن حيدرة بن علي القاضي الإمام الفاضل شمس الدين أبو عبد الله المعروف بابن القماح المصري الشافعي.
سمع من أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر " صحيح " مسلم إلا قليلاً، ومن النجيب عبد اللطيف والعز عبد العزيز ابني عبد المنعم بن علي بن الصيقل الحراني، وعبد الرحيم بن يوسف بن خطيب المزة، وقاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الشافعي في آخرين.
وحدث، وتفقه، وبرع، وأجاد، وأفتى، وأفاد، وجاد بالعلم، فأجاد، وناب في الحكم بالقاهره، وشكرت سيرته الزاهره، وكانت فتاويه مسدده، ولياليه وأيامه بالعدل مجدده، وهو آية في الحفظ الذي لا يحكيه فيه نظير، ولا يضبطه فيه حوزة ولا حظير.
ولم يزل إلى أن بان وباد، وسكن الأرض إلى يوم المعاد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة إحدى وأربعين وسبع مئة. ومولده سنة ست وخمسين وست مئة.
وقد أجاز لي بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وكان متى سئل عن آية، ذكر ما قبلها، وكذلك يفعل في التنبيه، وهذه غاية لم يصل إليها أحد إلا من من الله عليه بها، ولعل الإنسان ما يقدر يفعل هذا في الفاتحة. ويحكى أن الحجاج بن يوسف ما كان يمتحن القراء إلا بذلك ما يسأل أحداً منهم إلا يقول له: إيش قبل الآية الفلانية، فيبهت ذلك المسكين.
وكان ينوب في الحكم على باب الجامع الصالحي بظاهر القاهرة، ودرس بالمدرسة المجاورة لقبر الإمام الشافعي بالقرافة - رضي الله عنه -، وناب عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في تدريس الكاملية مدة غيبته في الحجاز، وجمع مجاميع مفيدة، وكان على ذهنه تواريخ ووفيات وحكايات وفوائد، واختصر كتباً في الفقه، ولكن كان يتسامح في الأحكام حتى إن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة كان يمنعه من إثبات كتب الأوقاف.
ولما تولى ولده قاضي القضاة عز الدين بن جماعة لم يوله القضاء، فانقطع للاشتغال، وقراءة القرآن.
محمد بن أحمد بن عبد الرحمن
ابن محمد تاج الدين بن الشيخ جلال الدين، الدشناوي محتداً، القوصي مولداً وداراً ووفاةً.
قرأ القراءات على الشيخ نجم الدين عبد السلام بن حفاظ، وسمع على المنذري، والرشيد العطار، وتقي الدين بن دقيق العيد، وشرف الدين الدمياطي، وغيرهم.
وحدث بقوص ومصر والقاهرة والإسكندرية. وسمع منه شيخنا أبو الفتح، والشيخ عبد الكريم بن عبد النور، وفخر الدين النويري، وسراج الدين بن الكويك، وغيرهم.
وأخذ الفقه عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، وعن والده جلال الدين، والشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي.
ودرس بالفاضلية بالقاهرة نيابة عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد، ودرس بالعزية بظاهر قوص، والمدرسة النجمية والمدرسة السراجية. وأفتى، وحدث، واستبقى الخيرات وما تلبث.
وكان قوي الجنان، فصيح اللسان، طيب الأخلاق، كريم المعاشره، جميل الأوصاف فيما تولاه أو باشره، مقرئاً محدثاً أديباً، شاعراً لبيباً أريباً.
لم يزل على حاله إلى أن فارق العيش واستوى عنده الحلم والطيش.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.
قال كمال الدين الأدفوي: أنشد شيخنا تاج الدين، قال: أنشدنا الشيخ شمس الدين التونسي:
اصبر على حادثه أقبلت ... فهي سواء والتي ولت
وأرهف العزم فليس الظبى ... تفري وتبري كالتي كلت
قال: فنظمت هذه الأبيات، وأنشدتها للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فاستحسنها، وهي:
ليت يداً صدت حبيباً أتى ... للوصل يشفي غلتي غلت
قضيت قدماً معه عيشةً ... يا ليت فيها مدتي مدت
لو لم أرض نفسي بصبرغدا ... ساعة صد جنتي جنت
قلت: كذا رأيت البيتين الأولين قد ساقهما الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي، ولو أن فيهما حكماً، لقلت: " اصبر إذا ما حالة حلت "، فإنها أنسب من قوله: " حادثة أقبلت "، وأما بيتا الشيخ تاج الدين الدشناوي الأولان فإنهما في الحسن غاية، ولكن البيت الثالث في تركيبه قلق، وليس بأخ لما تقدمه، ولو كان لي فيه حكم؛ لقلت:
أقبح بصد جاء لو لم يكن ... صبري لنفسي جنتي جنت
على أن الأول أيضاً فيه قلق، وأما الأوسط فإنه في الذروة.
وقد كنت نظمت قديماً، لما وقفت على البيتين الأولين، وهما مشهوران أبياتاً من جملتها:
هذي التي نلت بها ذلتي ... وحلتي في الصبر قد حلت
وأدمعي في وجنتي أطلقت ... وفي فؤادي غلتي غلت
خلائقي وفق غرامي بها ... فاستخبروها ما التي ملت
وقلت في جارية لي توفيت:
دفنتها كالبدر تحت الثرى ... ومن شقائي مدتي مدت