بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 284

فقام عليه شيخنا المجد وابن الزملكاني وغيرهما، فطلبه قاضي القضاة ابن صصرى بحضورهم، وراجعوه وباحثوه فلم ينته، فمنعه الحاكم من الإقراء بذلك، وأمره بموافقة الجمهور، وذلك في عشري شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبع مئة، فتألم وامتنع من الإقراء جملة. ثم إنه استخار الله تعالى في الإقراء بالجامع، وجلس للإفادة، وازدحم عليه المقرئون وأخذوا عنه، وأقرأ العربية.
قال: وذهنه متوسط لا بأس به، ثم ولي بلا طلب مشيخة التربة الصالحية بعد مجد الدين التونسي بحكم أنه أقرأ من بدمشق في زمانه، انتهى.
قلت: وكان بهي المحيا، يطوي السكون طيا، ظاهر الوقار، بادي التكبر على الناس والاحتقار، نظيف اللباس، طيب الرائحة في الانطلاق والاحتباس، ظريف العمامه، كأنه من بياض ثيابه حمامه، له قعدد في جلوسه، وتسدد في ناموسه، وكذا إذا مشى لا يلتفت ولو زحمه الليث والرشا. وإذا كان في حالة تصدره للقراءة يتلبس بالتوفر على التوقر والأناة، لا يتنحم ولا يتلفت لا يعير بصره وسمعه غير من يقرأ عليه إن عطس أو شمت، مشغولاً بمن قد أمه قدامه، مجموع الحواس على القارئ الذي جعله إمامه أمامه:
ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل
ولم يزل على حاله إلى مات به شاطبي عصره، وأنزل إلى قعر لحد من علو مجده في قصره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في خامس ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.


صفحه 285

ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
واشتهر عنه أنه كان لا يأكل اللحم إلا مصلوقاً والحلاوة السكرية لا غير. وقيل إنه لم يأكل المشمش في عمره؛ ومن شعره في المشمش:
قد كسر المشمش قلبي ولم ... أكسر له لما أتى قلبا
لسعره الغالي وعسري معاً ... وأستحي أن ألقط الحبا
وكان له ملك يرتفق بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهماً ولا طلب جهةً كمال أهليته.
وكان يدخل الحمام وعلى رأسه قبع لباد غليظ إذا تغسل رفعه وإذا أبطل قلب الماء أعاده، فأفاده ذلك ضعفاً في بصره، وكان طيب النغمة.
دخل يوماً هو والشيخ نجم الدين القحفازي في درب العجم وفيه ظروف زيت، فعثر في أحدها، فقال نجم الدين: تسعنا في ظرف المكان. فقال له الشيخ بدر الدين: لا بل تمشي بلا تمييز، فقال: إن ذا حال نحس.
وقد أجاز لي رحمه الله تعالى جميع ما صنفه ونظمه بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وأنشدني شمس الدين محمد الخياط الشاعر، قال: أنشدني من لفظه لنفسه:
كلما اخترت أن ترى يوسف الحس ... ن فخذ في يمينك المرآة
وانظرن في صفائها تبصرنه ... واعذرن من لأجل ذا الحسن باتا
لا يذوق الرقاد شوقاً إليه ... قلق القلب لا يطيق ثباتا


صفحه 286

قلت: كان الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى لما سمع كلام الناس في كلامه هذه المادة مثل قول القائل:
ما أخذ المرآة في كفه ... ينظر فيها للجمال المصون
إلا رأى الشمس وبدر الدجى ... ووجهه في فلك يسبحون
وقول أبي الحسن بن يونس بن عبد الأعلى:
يجري النسيم على غلالة خده ... وأرق منه ما يمر عليه
ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه
وقول الآخر:
وأهيف ظل بالمرآة مغرى ... يواظب رؤية الوجه المليح
يقول طلبت معشوقاً مليحاً ... فلما لم أجده عشقت روحي
وقول الآخر:
أخذ المرآة بكفه كيما يرى ... فيها محاسن وجهه فتحيرا
ما كان يدري ما جنت عيني على ... قلبي فحين رأى محاسنه درى
وقول الآخر:
عجبت لبدر التم أصبح عاشقاً ... هلالاً وأمسى مغرماً فيه قلبه
ولو أخذ المرآة ينظر وجهه ... لأبصر ما يسليه عمن يحبه
وقول ابن الساعاتي:


صفحه 287

يقول ماذا ترى وفي يده ... مرآته وهو ناظر فيها
قلت أرى البدر في السماء وقد ... أفاض نوراً على نواحيها
وقلت أنا في هذه المادة:
لو أخذت المرآة يا من سباني ... لترى طلعة سمت كل بدر
وتحققت أن عذري باد ... في غرامي وفي تهتك ستري
وللناس في هذا كثير، وهذا القدر كاف.
وأراد الشيخ بدر الدين أن ينظم مثل ذلك في رقته وطلاوة تراكيبه فأتى بما أتى وزاد علواً في الثقالة وعتا.
وأنشدني شمس الدين الخياط أيضاً، قال: أنشدني لنفسه في مليح دخل الحمام مع عمه، فلما جعل السدر في وجهه قلب الماء عليه عبد أسود كان هناك:
وبروحي ظبي على زجهه السد ... ر وقد أغمض الجفون لذلك
قائلاً عند ذاك حين أتاه ... يسكب الماء عليه أسود حالك
من ترى ذا الذي يصب أعمي ... قلت بل ذا الذي يصب كخالك
قلت: قد حقق الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ما قيل عن شعر النحاة من الثقالة، على أنني ما أعتقد أن أحداً رضي لنفسه أن ينظم هكذا، والذي أظنه أنه تعمد هذه التراكيب القلقة وإلا فما في طباع أحد يعاني النظم هذا التعاظل، ولا هكذا التعسف ولا هذه الركة، ولكني المعاني جيدة، فهي عروس تجلى في ثياب حداد.


صفحه 288

محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز
الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، شيخنا الإمام حافظ الشام.
كان في حفظه لا يجارى، وفي لفظه لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، عرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، مع ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبه وانتماؤه.
جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مونة التطويل في التأليف، وكتب بخطه ما لا يحصى، ولا يوقف له على حد يستقصر ولا يستقصى.
ومنذ انتشا لم يضع له زمان، ولا ظفر الفراغ منه بأمان، أخذنا من فوائده الجليلة وفرائده الجميله، وأضحت دمشق بعده من فنه دمنةً والعيون كليله:
أطل على الأخبار من كل وجهة ... وشارفها من كل شرق ومغرب
وأضر قبل موته بسنوات، وحصل للناس بذلك في تلك الحال هفوات.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الذهبي وقد ذهب، ونهب الأجل من عمره ما وهب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ودفن في مقابر باب النصر.


صفحه 289

ومولده سألته عنه فقال: في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وقلت أنا أرثيه:
لما قضى شيخنا وعالمنا ... ومات فن التاريخ والنسب
قلت عجيب وحق ذا عجب ... كيف تخطى البلى إلى الذهب
وقلت فيه أيضاً:
أشمس الدين غبت وكل شمس ... تغيب وزال عنا ظل فضلك
وكم ورخت أنت وفاة شخص ... وما ورخت قط وفاة مثلك
وارتحل وسمع بدمشق وبعلبك وحمص وحماة وطرابلس ونابلس والرملة وبلبيس والقاهرة والإسكندرية والحجاز والقدس وغيرها.
سمع بدمشق من عمر بن القواس وغيره، وببعلبك من عبد الخالق بن علوان وغيره. وبالقاهرة من الحافظين ابن الظاهري والشيخ شرف الدين الدمياطي، ومن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، ومن أبي المعالي الأبرقوهي. وسمع بالإسكندرية من الغرافي وغيره.
وسمع بمكة من التوزري وغيره، وسمع بنابلس من العماد بن بدران، وباشر تدريس الحديث بالتربة الصالحية بدمشق عوضاً عن الشيخ كمال الدين بن الشريشي.


صفحه 290

أخبرني شيخنا العلامة تقي الدين قاضي القضاة قال: عدته ليلة مات، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: في السياق.
وكان قد أضر قبل موته بأربع سنين أو أكثر بماء نزل في عينيه، وكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك بصرك، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي، لأن بصري لا زال ينقص قليلاً قليلاً إلى أن تكامل عدمه.
اجتمعت بع غير مرة، وقرأت عليه كثيراً من تصانيفه. ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة والسلف وأرباب المقالات.
وأعجبني ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد أو طعن في رواية وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده.
ومن تصانيفه " تاريخ الإسلام "، وقد قرأت عليه منه المغازي والسيرة النبوية إلى آخر أيام الحسن، وجميع الحوادث إلى آخر سنة سبع مئة. وكانت القراءة في أصله بخطه، و" تاريخ النبلاء "، ونقل عني فيه أشياء، و" الدول الإسلامية " و" طبقات القراء " سماه: " معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار "، تناولته منه، وأجازني روايته عنه، وكتبت أنا عليه:


صفحه 291

عليك بهذه الطبقات فاصعد ... إليها بالثنا إن كنت راقي
تجدها سبعةً من بعد عشر ... كنظم الدر في حسن اتساقي
تجلي عنك ظلمة كل جهل ... به أضحى مقالك في وثاق
فنور الشمس أحسن ما تراه ... إذا ما لاح في السبع الطباق
و" طبقات الحفاظ " مجلدان، " ميزان الاعتدال في الرجال " في ثلاث أسفار، كتاب " المشتبه في الأسماء والأنساب "، " نبأ الدجال " مجلد، " تذهيب التهذيب "، " اختصار تهذيب الكمال " للحافظ شيخنا المزي، اختصار كتاب " الأطراف " أيضاً للمزي، " الكاشف "، " اختصار التذهيب "، " اختصار السنن الكبير " للبيهقي، تنقيح أحاديث " التعليق " لابن الجوزي، " المستحلى في اختصار المحلى "، المقتنى في الكنى "، " المغني في الضعفاء "، " العبر في خبر من غبر "، مجلدان، " اختصار المستدرك " للحاكم، " اختصار ابن عساكر " في عشرة أسفار، " اختصار تاريخ الخطيب " مجلدان، وملكتهما بخطه، " اختصار تاريخ نيسابور " مجلد، " الكبائر " جزءان، " تحريم الأدبار " جزءان، " أخبار السد "، " أحاديث مختصر ابن الحاجب " ملكته بخطه، " توقيف أهل التوفيق على مناقب الصديق "، " نعم السمر في سيرة عمر "، " التبيان في مناقب عثمان "، " فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب "، قرأتهعليه كاملاً، " معجم أشياخه "، وهم ألف وثلاث مئة شيخ، وملكته بخطه، " اختصار كتاب الجهاد " لبهاء الدين بن عساكر، " ما بعد الموت " مجلد، " اختصار كتاب القدر " للبيهقي ثلاث مجلدات، " هالة البدر في عدد