بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 30

وتوفيت رحمها الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة.

فاطمة بنت القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد
أم الحسن ابنة شيخنا الإمام علم الدين البرزالي.
نقلت من خط شيخنا ولدها، رحمها الله تعالى، قال: أحضرتها سماع الحديث، ولها ثلاثة أيام، حضرت على ابن الموازيني، وفاطمة بنت سليمان، وابن مشرف، والمخرمي، وفاطمة بنت البطائحي، والفخر إسماعيل بن عساكر، وجماعة.
وسمعت من القاضي بهاء الحنبلي، وإبراهيم بن النصير، وعيسى المطعم، وأبي بكر بن عبد الدايم والبهاء بن عساكر، وابن سعد، وجماعة من الشيوخ. وسمعت صحيح البخاري على ست الوزراء بنت ابن المنجا، وحفظت من الكتاب العزيز، وتعلمت الخط، وكتبت ربعة ظريفة، وكتاب " الأحكام " لابن تيمية، و" صحيح البخاري "، وكملته قبل موتها بأيام قليلة.
قلت: ونسختها هذه بدمشق من النسخ التي يعتمد عليها، وينقل منها.
قال: وكتبت غير ذلك، وحجت، وسمعت بطريق الحجاز، وحدثت بالحرمين الشريفين.


صفحه 31

وكانت امرأة مباركة محافظة على الفرائض والنوافل، لها اجتهاد وحرص على فعل الخير، تجتهد يوم دخول الحمام أن لا تؤخر الفريضة عن وقتها، لا تدخل حتى تصلي الظهر، وتجتهد في الخروج، لإدراك العصر، وكذلك تسارع في قضاء أيام الحيض من شهر رمضان تصومها وتعجلها وتحتاط فيها، وكانت فيها مودة، وخير وعقل ومعرفة وخير لم يفارقها قط. وتزوجت نحو خمس سنين، ولم تخرج من البيت، وما رأيت منها إلا ما يسرني، وكنت إذا رأيتها تصلي أفرح وأقول: أرجو الله أن ينفعني بها، فإنها كانت تصلي صلاة مكملة، وتجتهد في الدعاء، ولم تسألني قط شيئاً من الدنيا، ولا شراء حاجة. وانتفعت بها في الدنيا وأرجو أن ينفعني الله بها في الآخرة. واعتبرت الشيوخ الذين سمعت منهم فوجدتهم مئة وخمس وثمانين نفساً.
وتوفيت رحمها الله تعالى في يوم الاثنين حادي عشري صفر سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفنت عند تربتهم خارج الباب الشرقي.
ومولدها يوم الجمعة سادس عشر شهر ربيع الأول سنة سبع وسبع مئة.

فاطمة بنت الخشاب
نقلت من خط القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: بلغني عنها وقد سكنت قريباً مني أنها تجيد النظم، فكتبت إليها لأمتحنها في شهر رجب سنة تسع عشرة وسبع مئة:
هل ينفع المشتاق قرب الدار ... والوصل ممتنع على الزوار
يا نازلين بمهجتي وديارهم ... من ناظري بمطمح الأبصار
هيجتم شجني فعدت إلى الصبا ... من بعد ما وخط المشيب عذاري


صفحه 32

أني اهتديت، وليلتي مسودة ... وضللت حين أضاء ضوء نهاري
عهدي بأني لا أخاف من الردى ... فحذار من لحظ العيون حذار
لا أرهب الليث الهزبر مجاوراً ... داري، وأرهب من جوار جوار
الصائبات بلحظهن مقاتلي ... هل للسهام لدي من أوتار
يا جيرتي الأدنين حقي واجب ... إن كنتم ترعون حق الجار
ليلي بكم أدب الزمان مقسم ... ما بين تسهيد إلى أفكار
يا جيرةً جار الزمان ببعدهم ... وهم بأقرب منزل وجوار
إني سمعت صفاتكم فسكرت من ... طربي بغير مدامة وحمار
وهويت بالأخبار حسنكم كما ... تهوى الجنان بطيب الأخبار
يا معرضين وما جنيت إليهم ... ذنباً سوى وجدي وقرب ديار
ميلوا إلي فللغصون تمايل ... حتى تقبل أوجه الأنهار
وتلفتوا نحوي التفات أوانس ... إن الأوانس غير ذات نفار
واجلوا محاسنكم لأحظى بالذي ... قد كنت أسمعه من الأخبار
لا تحسبوا أن السفور نقيصةً ... أو ما ترون مطالع الأقمار
أو تحسبوا أني أضيع سركم ... وأنا المعد لمودع الأسرار
أيجوز أن أظمأ وورد نداكم ... صفو من الأقذاء والأكدار
وأموت من دائي وفي أيديكم ... طبي من الأسقام والأخطار
ولقد عرفتم في الأنام بمنطق ... عذب المذاقة طيب المشتار
فحويتم حسن الصفات مؤيداً ... بمحاسن الأقوال والآثار
بمحاسن تهب العقول بلاغة ... وبلاغة تذر المفوه عاري
أخرستم الفصحاء إذ أنطقتم ... من لا يجيز القول بالأشعار


صفحه 33

فبعثت من نظمي قلادة أدمع ... نثرت لآليها بلا استعبار
نفثات مصدور الفؤاد متيم ... عجزت موارده عن الإصدار
قال: فكتبت الجواب إلي:
إن كان غركم جمال إزاري ... فالقبح في تلك المحاسن واري
لا تحسبوا أني أماثل شعركم ... أنى تقاس جداول ببحار
لو عاصر الكندي عصركم رمى ... لكم عوالي راية الأشعار
أقصى اجتهادي فهم ظاهر نظمكم ... لا أنني أدعى دعاء مجار
من قصرت عنه الفحول فحقه ... أن ليس يبلغه لحاق جواري
ولربما استحسنت غير حقيقة ... فإذا سفرت أشحت بالأبصار
لست الطموح إلى الصبا من بعدما ... وضح المشيب بلمتي كنهاري
قلت: هذا الشعر كثير من امرأة في مثل هذا الزمان، ولعلها أشعر من ذكران كثيرين في عصرنا، وممن تقدمنا أيضاً، وما أحسن ما استعملت لفظ جواري هنا في القافية.

اللقب والنسب
ابن الفاكهاني: عمر بن علي.
ابن الفراء: مقدم البريدية، الأمير علاء الدين علي بن عبد الرحمن. ابنه ناصر الدين محمد بن علي.
ابن الفرات: عز الدين عبد الرحيم بن علي.


صفحه 34

فخرية بنت عثمان
أم يوسف البصروية، الحاجة الصوامة القوامة العابدة الزاهدة، زاهدة عصرها، وفريدة دهرها.
رفضت الدنيا، ولم ترض إلا بالمنزلة العليا، خرجت عن أهلها ومالها، وتقوتت في القوت ببعض حلالها، وانزوت بحرم القدس الشريف، وتبرأت عن التالد والطريف، وقنعت من العيش الرغيد بكوز ماء ورغيف.
واشتهر أمرها، وعرف الناس خبرها، وأعرضت عن الدنيا الفانيه، وأصبحت وهي لرابعة ثانيه. وجرب الناس لها أحوالاً، وصدقوا منها مقاماً ومقالاً. وكان لها كرامات، وعن وجوه الدنيا انصرافات وانصرامات. وكانت تتمنى أن تموت بمكة، وتدفن إلى جانب قبر خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. فسمع الله لها هذه الأمنية واستجاب منها.
وتوفيت رحمها الله تعالى في مستهل صفر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة عن ست وثمانين سنة.
حكى لي أخوها الأمير صفي الدين أبو القاسم البصروي، قال: حمل إليها أخي نجم الدين ستة عشر ألف درهم مما يخصها، فتصدقت بالجميع في جلسة واحدة، ولم تترك منها درهماً واحداً.
كانت تستقي ماء الوضوء بنفسها ولا تستعين بأحد. ولما حجت في سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، قالت عند منصرف الحاج للذي قد توجه يخدمها من جهة أخيها:


صفحه 35

انصرف ودعني في حالي، فأنا إذا دخل الحجاج إلى دمشق التحقت بربي، وكان الأمر كما ذكرت، وتوفيت رحمها الله تعالى مستهل صفر، ودفنت إلى جانب قبر خديجة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأقامت بالقدس منقطعة أربعين سنة تقف على باب الحرم تصلي إلى أن يفتح الباب فتكون أول داخل إليه، وآخر خارج منه، وتقتات بشيء يسير مما يحضر إليها من ملكها، وهو قريب من مئتي درهم، وتؤثر الفقراء والمساكين بالباقي. وطار ذكرها في الآفاق، ودخل إليها الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى مرات، ومعه الذهب، ويخرج به وما تقبل منه شيئاً.
وسيأتي ذكر أخيها صفي الدين أبو القاسم، وذكر أخيها نجم الدين محمد بن عثمان في مكانيهما، إن شاء الله تعالى.

فرج بن قراسنقر
الأمير جمال الدين بن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، وأخوه الأمير علاء الدين، وقد تقدم ذكره، كان جميل الصورة حسن الشكالة.
توفي رحمه الله تعالى بدمشق في ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقبيبات. وهو والد الأمير جمال الدين فرج أيضاً.
الفرجوطي: محمد بن محمد.


صفحه 36

فرج بن محمد بن أحمد
الشيخ الإمام العالم نور الدين الأردبيلي، بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر الباء الموحدة وياء آخر الحروف ساكنة ولام، الشافعي، مدرس المدرسة الناصرية الجوانية بدمشق، داخل باب الفراديس، والمدرسة الجاروخية.
كان عالماً ديناً، فاضلاً صيناً، منجمعاً عن الناس، مباعداً من لا يشاكله من الأجناس.
وله إلمام بالكشاف يعرفه ويقريه، ويسبغ كؤوس ما فيه من المشكل ويمريه.
وعلق على منهاج الشيخ محيي الدين النواوي في مواضع منه مفرقة في نحو ستة مجلدات.
ولم يزل على حاله إلى أن طفي نوره، وغلب على نهاره عيشه ديجوره.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ورد إلى دمشق ولازم شيخنا العلامة شمس الدين الأصفهاني مدة مقامه في دمشق ولم يفارقه.


صفحه 37

ولما توفي الشيخ كمال الدين بن الشيرازي تولى عوضاً عنه تدريس المدرسة الناصرية في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وسبع مئة.

اللقب والأنساب
ابن فرج الإشبيلي: شهاب الدين أحمد بن فرج.
ابن فرحون: علي بن محمد.

أبو الفرج، ولي الدولة ابن الخطير
تقدم في الدولة لما ظهر النشو صهره، وأضاء في سماء المعالي بدره، خدم عند كبار الأمراء الناصريه، وتطفل الأمراء على خدمته لهمته السريه، وخضع الناس له ودانوا، وتطامنوا لترفعه واستكانوا.
وكان حلو الصورة لطيف الإشارة، عذب الكلام، طلق العباره، فصيحاً في نطقه، مليحاً في خلقه وخلقه، يحفظ ما راق من شعر المتأخرين، ووقائع المعاصرين النازلين والمفتخرين، ويندب ما هو أرشق من حركات القدود المشوقه، وألطف من إشارات العيون المعشوقه، ويذوق الأحجية النحوية ويضعها بلا كلفه، ويأتي بها وهي أحسن من البدر إذا تطلع في السدفه، حتى كنت أعجب منه ومن اقتداره، مع عدم اشتغاله بما يعينه في هذا الفن إذا جرى في مضماره، وأما التصحيف فكان لا يتكلف فهمه ولا يرد من الإصابة فيه سهمه، وأما التورية والاستخدام، فكانا له من أطوع الأرقاء والخدام، يذوقهما حال ما يطرقان سمعه، ويقد ذهنه لفهمهما كأنه شمعه.