رطهرمس من الجيزية، وحدث بالديار المصرية، وسمع منه الطلبة، وخرج له شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي جزءاً من حديثه، وتفقه وبرع وأخذ في الإشغال وشرع، ولم يترك ابن اللبان لغيره في الفقه زبدة.
وروى الحديث، وكان لحلاوة روايته كأنما أسند عن شهدة، ودرس بزاوية الشافعي في جامع عمرو بن العاص، وعقد مجالس الوعظ، فاشتمل عليه العام والخاص، واشتهر ولا شهرة ابن الجوزي في بغداد، وطارت سمعته كأنه ابن سمعون الأستاذ.
ولم يزل على حاله إلى أن نقل ابن اللبان إلى الجبانه، وراح بفقره إلى الغني سبحانه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
ومولده في حدود سنة خمس وثمانين وست مئة.
وكان قد قام عليه في وقت قاضي القضاة القزويني بالديار المصرية، وربما أنه كفره في سنة ست ثلاثين وسبع مئة وقام في أمره القاضي شهاب الدين بن فضل الله وناصر الدين خزندار الأمير سيف الدين تنكز وغيرهما من أصحابه فسكت عنه وعمل في ذلك كمال الدين الأدفوي مقامةً.
محمد بن أحمد بن علي
الإمام المفتي شيخ القراء شمس الدين أبو عبد الله الرقي.
سمع الحديث ورافق الطلبة، ودار على المشايخ، وتميز في الفقه والقراءات وغير ذلك. وتلا بالسبع على الفاروثي وابن مزهر وغيرهما.
وأقرأ ودرس وأفتى، وروى الكثير عن ابن البخاري وطبقته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في غرة شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة سبع وستين وست مئة.
محمد بن أحمد
الإمام المفتي الشيخ بدر الدين بن الحبال الحنبلي، فاضل الحنابلة في عصره.
سألت عنه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، فقال لي: فقيه فاضل، كان ينوب للقاضي تقي الدين الحنبلي.
توفي - رحمه الله تعالى - في سلخ ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
محمد بن أحمد بن شويش
الفيه نجم الدين محتسب قلعة الجبل بالقاهرة الحنفي.
كان كثير التلاوة، وفيه مروءة وخير.
توفي - رحمه الله تعالى - في ثامن شوال سنة ثلاثين وسبع مئة.
محمد بن أحمد بن عبد الرحيم
الإمام شمس الدين أبو عبد الله المزي الموقت بالجامع الأموي بدمشق.
كان قد حفظ " الشاطبيه "، وينقل القراءات، وعلى ذهنه عربيه، برع في وضع الإسطرلابات والأرباع، وتأنق فيها ودقق من حسن الرسوم والأوضاع، لم يلحقه أحد في زمانه في ذلك، ولم يسلك طريقه فيه سالك، وكان على ذهنه شيء من حيل بني موسى، ولديه صنائع لو يعيش بها لم يلق بوسا، قل أن رأيت مثله في ذكائه أو وصل أحد فيما يعانيه إلى مدى اعتنائه.
ولم يزل على حاله إلى أن ذاق المزي طعم الموت خلا، وترك أقرانه على إثره وولى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة خمسين وسبع مئة، وكان من أبناء الستين فما فوقها.
قرأ أولاً على الشيخ شمس الدين الأكفاني، وكان يشكر ذهنه وإتقانه لما يعلمه بيده، ثم انتقل عائداً إلى الشام، وسكن دمشق، وكان أولاً يوقت بالربوة، ثم انتقل إلى الجامع، وكان قد برع في وضع الاسطرلابات والربع، ولم أر أحسن من أوضاعه، ولا أظرف ولا أتقن ولا أكثر تحريراً، كان يباع اسطرلابه في حياته بمئتي درهم، وربعه بخمسين درهماً وأكثر، ولعله إذا تقادم زمانه غلا أكثر من ذلك. وبرع في دهن القسي، ومن ملازمته للشمس نزل في عينيه ماء، ثم أنه قدحه فأبصر بالواحدة، وله
رسائل في الإسطرلاب ورسالة سماها " كشف الريب في العمل بالجيب "، وله نظم أيضاً.
محمد بن أحمد بن يمن
قاضي القضاة شمس الدين الحنفي الحاكم بطرابلس.
هو أول من ولي قضاء الحنفية بطرابلس بعد السلطان الملك الناصر محمد. ولم يكن فيها في أيامه إلا حاكم واحد شافعي، وصل إليها في غالب ظني إما في أوائل سنة أربع وأربعين وسبع مئة، أو في أواخر سنة ثلاثين وأربعين.
ولم يزل على حاله إلى أن وجد في بيته مذبوحاً بطرابلس، وقد أخذ ما في بيته من المال، وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وسبع مئة رحمه الله تعالى.
محمد بن أحمد بن عمر بن إلياس
الصدر عز الدين ابن العدل شهاب الدين الرهاوي.
شاب بلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، وكان كاتباً جيداً، باشر استيفاء الأوقاف وغير ذلك، وكانت له خصوصية بالصاحب أمين الدين، فلما أمسك الصاحب بمصر، اعتقل عز الدين بالمدرسة العذراوية.
وتوفي بها في تاسع عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
محمد بن أحمد بن مفضل
ابن فضل الله المصري القاضي الرئيس علم الدين بن قطب الدين. تقدم ذكر والده في الأحمدين.
وكان هذا علم الدين أخيراً ناظر الجيوش المنصورة بدمشق، وكان في نفسه رئيساً، قضى عمره في نعمى عجيبة، إلا أنها ما خلت من بوسى، يتأنق في المأكل والملابس. ويتخرق بالتجمل والمجالس، بنفس يتدفق بحرها، ويتألق وفرها، يبالغ في إكرام من يعاشره، ويهش لوفادته عليه ويكاشره. قد اشتهر بالتوسع في الأطعمة والمشارب، والتنقل في النزه والمسارب، قل من رئي في دمشق من يدانيه في سماطه، أو تنخرط لآلئ حشمته في أسماطه.
من تعاطى تشبهاً بك أعيا ... هـ ومن دل في طريقك ضلا
وكانت مساعيه دقيقه، ومجازاته في المناصب الكبار حقيقه، وثب من الثرى إلى الثريا، وطوى شقة المشقة طيا، وتنقل في الوظائف الكبار، وتوقل هضبات المجد من غير اعتناء ولا اعتبار، كأن له غصن الرياسة يجنى ويهتصر، أو كأن له طريقاً إلى العلياء تختصر.
ولم يزل في سعاداته، وما ألفه في اللذات من عاداته، إلى أن دك علمه، وفك من التصرفات قلمه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة ستين وسبع مئة. ودفن في تربة بني هلال بالصالحية.
كان هذا القاضي علم الدين من بقايا رؤساء دمشق، رأى الناس وصحبهم وعاشرهم وخالطهم.
وكان جميل الصورة، أنيق الشكل، مديد القامة، حسن البزة، نظيف اللباس، عاطر الرائحة، يتجمل في الملابس، ويتأنق في المآكل، ويتوسع في المطاعم والمشارب، يمد في كل يوم من الطعام ألواناً، وينفق على مخالطيه المال مجاناً.
أول ما علمته من أمره أنه كان في خدمة عمه القاضي محيي الدين كاتب قبجق، وسيأتي ذكره في مكانه، وكان يميل إليه ويركن إلى تربيته له دون والده قطب الدين، وكان يتوجه معه إلى قسم النواحي، وينوبه في ديوان الأمير سيف الدين تنكز. ولما توفي قطب الدين رتب هو مكان والده في عمالة خانقاه الشميساطي.
ثم إنه بعد ذلك بمدة رتبة الأمير سيف الدين تنكز في استيفاء ديوانه، وأضاف إليه عمالة الأشراف، وفي ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وكان مداخلاً سؤوساً، خبيراً بالمساعي عارفاً بالتوصل درباً بالتوسل، فداخل حمزة التركماني، وقد انفرد بالأمير سيف تنكز، وقد احتوى عليه، وكان يشكره للأمير سيف الدين تنكز ويرشحه عنده لكل وظيفة، ويستكتبه عنه في مكاتبات خاصة ما يرى أن كاتب السر يطلع عليها فيأتي فيها بالمراد فيعجبه ذلك. ولم يزل به إلى أن أحسن له أن
يوليه كتابة سر دمشق، فكتب فيه إلى السلطان وشكره وبالغ في أمره، فأجابه الملك الناصر محمد إلى ذلك، وجهز توقيعه بكتابة السر بدمشق في سنة ست وثلاثين وسبع مئة ثاني شعبان المكرم، وكان قد باشرها في هذا اليوم قبل وصول توقيعه الشريف، ووصل التوقيع والتشريف من مصر في حادي عشري الشهر المذكور. وتولاها عوضاً عن القاضي جمال الدين عبد الله بن الأثير، فوليها وعملها على القالب الجائر. وخضع الناس له، وتمكن من قلب الأمير سيف تنكز، وكان يعجبه شكله وكتابته وتأنيه. إلى أن لم يكن عنده في دمشق غيره، وسلم قياده إليه، وتوجه معه إلى مصر، وشكره للسلطان، وبالغ في وصفه، فعظمه السلطان وألبسه تشريفاً بطرحة ولم يكن ذلك لغيره، وحضر بريد من الشام، فدخل به القاضي شهاب الدين بن فضل الله ليقرأه، فطلب السلطان علم الدين هذا، وقرأه عليه، فما حمل القاضي شهاب الدين ذلك، وجرى له مع السلطان ما جرى، وقدم الدواة الأمير سيف الدين تنكز لعلم الدين هذا بين يدي السلطان، فزادت عظمته عند الناس.
ولم يزل كذلك وهو في أوج سعده إلى أن تغير عليه في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فقبض عليه وضربه بالعصي ضرباً مبرحاً، واحتاط على موجوده، واعتقله مدة، ثم أفرج عنه وأمر أنه لا يخرج من داره، ولا يجتمع بأحد، فسكن عند حمام السلاري، وكان ليله ونهاره في تربة الكاملية المجاورة للجامع الأموي، وأقام على ذلك
مدة إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز. فقال السلطان للأمير بشتاك: إذا وصلت إلى دمشق، اطلب العلم بن القطب الذي كان مستوفي تنكز، فهو يدلك على جميع ماله.
ولما وصل بشتاك إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، طلب القاضي علم الدين واستعان به على تطلب أموال تنكز، وتحكم علم الدين في تركة تنكز، وأخذ منها غالب ما وجده فيها من الأصناف التي أخذت منه، ودخل في الأمير بشتاك وخدمه، ودخل معه إلى مصر، فعينه السلطان لاستيفاء الصحبة بالديار المصرية، وأراد السلطان أن يمكنه ويتسلط على الكتاب، فأداه عقله إلى مصاحبة جمال الكفاة، ومن كان في ذلك الزمان، وداخلهم واتحد بهم، وصافوه.
ويئس السلطان منه فتركه ولم يزل في استيفاء الصحبة إلى أن توفي السلطان، ودخل الفخري وطشتمر إلى القاهرة، فسعى معهما في أن يكون ناظر النظار بدمشق عوضاً عن الصاحب علاء الدين بن الحراني، فوصل إلى دمشق وباشر بها الوزارة، ولكنه تعب فيها تعباً كثيراً، فاستوخم مرعاها، وطلب النقلة من الأمير طقزتمر إلى نظر الجيوش بدمشق، فكتب له، فأجيب إلى ذلك، وحضر توقيعه، فباشر ذلك عوضاً عن القاضي فخر الدين بن العفيف، فحمد مسراه عند صباح هذه المباشرة، ورأى فيها ما رآه غيره، ودانت له الأيام، وطال عمره فيها، وطاب عرفه.
وكان كثير الهدية للمصريين والخدمة لهم، وما جاءت دولة إلا وهو فيها عزيز مكرم لا يبالي بمن ناواه، ولا يعبأ بمن جاراه، يقهر خصومه ولا يدرون سره ولا مكتومه، وباشر هذه الوظائف الثلاث التي هي أكبر مناصب دمشق.