بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 305

وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة نهار الاثنين ثاني جمادى الأولى سنة ستين وسبع مئة. ودفن في تربة بني هلال بالصالحية.
كان هذا القاضي علم الدين من بقايا رؤساء دمشق، رأى الناس وصحبهم وعاشرهم وخالطهم.
وكان جميل الصورة، أنيق الشكل، مديد القامة، حسن البزة، نظيف اللباس، عاطر الرائحة، يتجمل في الملابس، ويتأنق في المآكل، ويتوسع في المطاعم والمشارب، يمد في كل يوم من الطعام ألواناً، وينفق على مخالطيه المال مجاناً.
أول ما علمته من أمره أنه كان في خدمة عمه القاضي محيي الدين كاتب قبجق، وسيأتي ذكره في مكانه، وكان يميل إليه ويركن إلى تربيته له دون والده قطب الدين، وكان يتوجه معه إلى قسم النواحي، وينوبه في ديوان الأمير سيف الدين تنكز. ولما توفي قطب الدين رتب هو مكان والده في عمالة خانقاه الشميساطي.
ثم إنه بعد ذلك بمدة رتبة الأمير سيف الدين تنكز في استيفاء ديوانه، وأضاف إليه عمالة الأشراف، وفي ديوان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وكان مداخلاً سؤوساً، خبيراً بالمساعي عارفاً بالتوصل درباً بالتوسل، فداخل حمزة التركماني، وقد انفرد بالأمير سيف تنكز، وقد احتوى عليه، وكان يشكره للأمير سيف الدين تنكز ويرشحه عنده لكل وظيفة، ويستكتبه عنه في مكاتبات خاصة ما يرى أن كاتب السر يطلع عليها فيأتي فيها بالمراد فيعجبه ذلك. ولم يزل به إلى أن أحسن له أن


صفحه 306

يوليه كتابة سر دمشق، فكتب فيه إلى السلطان وشكره وبالغ في أمره، فأجابه الملك الناصر محمد إلى ذلك، وجهز توقيعه بكتابة السر بدمشق في سنة ست وثلاثين وسبع مئة ثاني شعبان المكرم، وكان قد باشرها في هذا اليوم قبل وصول توقيعه الشريف، ووصل التوقيع والتشريف من مصر في حادي عشري الشهر المذكور. وتولاها عوضاً عن القاضي جمال الدين عبد الله بن الأثير، فوليها وعملها على القالب الجائر. وخضع الناس له، وتمكن من قلب الأمير سيف تنكز، وكان يعجبه شكله وكتابته وتأنيه. إلى أن لم يكن عنده في دمشق غيره، وسلم قياده إليه، وتوجه معه إلى مصر، وشكره للسلطان، وبالغ في وصفه، فعظمه السلطان وألبسه تشريفاً بطرحة ولم يكن ذلك لغيره، وحضر بريد من الشام، فدخل به القاضي شهاب الدين بن فضل الله ليقرأه، فطلب السلطان علم الدين هذا، وقرأه عليه، فما حمل القاضي شهاب الدين ذلك، وجرى له مع السلطان ما جرى، وقدم الدواة الأمير سيف الدين تنكز لعلم الدين هذا بين يدي السلطان، فزادت عظمته عند الناس.
ولم يزل كذلك وهو في أوج سعده إلى أن تغير عليه في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، فقبض عليه وضربه بالعصي ضرباً مبرحاً، واحتاط على موجوده، واعتقله مدة، ثم أفرج عنه وأمر أنه لا يخرج من داره، ولا يجتمع بأحد، فسكن عند حمام السلاري، وكان ليله ونهاره في تربة الكاملية المجاورة للجامع الأموي، وأقام على ذلك


صفحه 307

مدة إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز. فقال السلطان للأمير بشتاك: إذا وصلت إلى دمشق، اطلب العلم بن القطب الذي كان مستوفي تنكز، فهو يدلك على جميع ماله.
ولما وصل بشتاك إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق، طلب القاضي علم الدين واستعان به على تطلب أموال تنكز، وتحكم علم الدين في تركة تنكز، وأخذ منها غالب ما وجده فيها من الأصناف التي أخذت منه، ودخل في الأمير بشتاك وخدمه، ودخل معه إلى مصر، فعينه السلطان لاستيفاء الصحبة بالديار المصرية، وأراد السلطان أن يمكنه ويتسلط على الكتاب، فأداه عقله إلى مصاحبة جمال الكفاة، ومن كان في ذلك الزمان، وداخلهم واتحد بهم، وصافوه.
ويئس السلطان منه فتركه ولم يزل في استيفاء الصحبة إلى أن توفي السلطان، ودخل الفخري وطشتمر إلى القاهرة، فسعى معهما في أن يكون ناظر النظار بدمشق عوضاً عن الصاحب علاء الدين بن الحراني، فوصل إلى دمشق وباشر بها الوزارة، ولكنه تعب فيها تعباً كثيراً، فاستوخم مرعاها، وطلب النقلة من الأمير طقزتمر إلى نظر الجيوش بدمشق، فكتب له، فأجيب إلى ذلك، وحضر توقيعه، فباشر ذلك عوضاً عن القاضي فخر الدين بن العفيف، فحمد مسراه عند صباح هذه المباشرة، ورأى فيها ما رآه غيره، ودانت له الأيام، وطال عمره فيها، وطاب عرفه.
وكان كثير الهدية للمصريين والخدمة لهم، وما جاءت دولة إلا وهو فيها عزيز مكرم لا يبالي بمن ناواه، ولا يعبأ بمن جاراه، يقهر خصومه ولا يدرون سره ولا مكتومه، وباشر هذه الوظائف الثلاث التي هي أكبر مناصب دمشق.


صفحه 308

ولم يزل على حاله إلى أن مرض بعلة الربو، فأقام على ذلك قريباً من خمسين يوماً، وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور، وكان يعتريه وجع المفاصل في كل سنة فأنهكه ذلك، وهرم به وانحنت قامته وضعف.
وكنت قد كتبت له توقيعاً بعمالة ديوان الأشراف بدمشق في شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة وهو: " رسم بالأمر العالي، لا زال يتلقى برفع علمه، ويكسب المناصب فخراً بمن يوليه لكفاية هممه أن يرتب المجلس السامي القضائي علم الدين في كذا، ثقةً بكفايته التي شهدت بها مخائله، ودلت عليها حركاته السعيدة وشمائله، وتكفلت حركاته المباركة أن تبلغه من العليا ما يحاوله، إذ هو الكاتب الذي أضحت نظراؤه في المعدوم معدوده، والبارع الذي مخزومة فضله لا تبيت إلا وهي بالمحاسن مسدوده، والماجد الذي خرج سيادته عن سلفه، فكانت أبواب النقص فيها مردودة. أقلامه في كفه أنابيب يضمها منه خير عامل، وأعنة يصرفها في السيادة بأطراف الأنامل. فليباشر ما فوض إليه مباشرةً يطلب بها من الله رضاه، ويدخر عمله فيها عنده، فيا حبذا ما يعتمده ويتوخاه، ويحمل لواء الشرف لهذا الديوان، تولى خدمته وتوالاه، وينفق في الفضل من سعة مجده فقد كفاه ما نالته منه كفاه، ويثق بالسعادة التي أظفرته حتى ببركة آل البيت، ويشكر الله على هذه النعمة التي أدخلته في حساب حسبهم الذي هو شرف الحي والميت، مجتهداً على رضا السادة الأشراف بإيصال كل منهم ما يخصه، على اختلاف القسمة، محققاً معرفة بيوتهم الشريفة التي بقاؤها ما بين هذه الأمة نعمه، وتقوى الله تعالى معقل حصين، فلا يلتجئ إلى غيره،


صفحه 309

وحبل متين فلا يتمسك بغير عروته التي هي سبب خيره، وليقابل هذه النعمة بشكر يوصله إلى ما تستحقه أهليته في ذمتها، وتبلغه الرتب العلية التي لا تنالها النفوس إلا بشرف همتها، والله يتولى عونه فيما ولاه، ويزيده فضلاً إلى فضله الذي أولاه، والاعتماد فيما رسم به على الخط الكريم أعلاه الله تعالى أعلاه إن شاء الله تعالى.
وكتبت أنا إليه من القاهرة وهو بدمشق:
من جود كفيك تخجل الديم ... ومن محياك تنجلي الظلم
يا من سما وارتقى وطال علاً ... حتى غدا وهو في الورى علم
ومن صفت للورى مكارمه ... وساعدتها الأخلاق والشيم
ومن إذا خط طرسه خجلت ... منه رياض بالزهر تبتسم
ومن إذا فاه بالكلام فما ... تراه إلا العقود تنتظم
لست أطيل الكلام في صفة ... ترضى بها في علوك الكلم
مثلك والله ما رأيت ولا ... يصلح إلا لمثلك الكرم
عندي من الشوق والتطلع ما ... يعجز عن بعض وصفه القلم
أوحشني وجهك الجميل فلم ... يلذ من بعده لي الحلم
فالقلب من لوعة ومن حرق ... مضطرب دائماً ومضطرم
والعين أفنى البكاء مدامعها ... فسال منها بعد الدموع دم
والله ما سار في الطريق معي ... بعدك إلا البكاء والندم
فليتني لا أطعت فيك نوىً ... ولا سعت لي الفرقة قدم
وكتبت إليه من مصر أهنئه بكتابة السر بدمشق:


صفحه 310

قد علمنا هذا الهناء الذي ... حديثه عند العلا مسند
وهو من الأقلام والنفس قد ... حققه الأحمر والأسود
يا سيداً كم لمساعيه من ... فضل بإبلاغ العلا يشهد
نوديت مرفوعاً إلى رتبةٍ ... إذ أنت فيها علم مفرد

محمد بن أحمد بن محمد
القاضي الرئيس أمين الدين بن القلانسي التميمي، كاتب السر الشريف بدمشق.
تقدم نسبه في ترجمة والده القاضي جمال الدين في الأحمدين.
باشر وكالة بيت المال، ثم انتقل إلى كتابة السر في آخر الحال، وما لبث في ذلك إلا دون الثلاث سنين أو ما يزيد، وعزل منها عزلاً غير حميد.
وله الأملاك التي تكاثر الأفلاك وتفاخر الدر المنظم في الأسلاك من البساتين المونقه، والأراضي التي تمسي النواظر إلى حدائقها محدقه، والقاعات التي تبهت العيون في زخرفها، وتجتلي محاسن ما رأتها صواحب المكر من يوسفها، وحوانيت لكل آجرة منه أجره، وفي كل ذرة منها لولا الغلو لقلت درة، ومن ذلك ما جره الإرث إليه، ومن ذلك ما أنشأه بما لديه ولكنه " ما أغنى عنه ماله " ولا كثرة ملكه ولا باطن الأرض لمواراته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.


صفحه 311

ومولده فيما أظن في سنة إحدى وسبع مئة.
وله إجازةً من الحافظ شرف الدين الدمياطي وجماعة. وحدث عن ابن مكتوم، وعن عيسى المطعم وغيرهم.
وكان قد دخل إلى الديوان في حياة والده، واختص بالقاضي شرف الدين بن الشهاب محمود لما كان كاتب السر بدمشق، ولما مات والده أعطي من وظائفه نظر الظاهرية وتدريس العصرونية، ووقع في الدست في أواخر أيام تنكز. ولم يزل يسد الغيبة عن كتابة السر في غيبة من يغيب. وتولى بيت المال مدة. وأخذها منه القاضي علاء الدين الزرعي، فما لبث فيها شهرين فيما دونها، حتى أعيدت إليه. ولما أخذ الزرعي منه الوكالة عوضوه عن ذلك بقضاء العسكر، ولما أعيد إلى الوكالة لم يزل فيها إلى أن رسم له بكتابة السر في دمشق عوضاً عن القاضي ناصر الدين، وذلك في أوائل صفر سنة ستين وسبع مئة. وتوجه القاضي ناصر الدين إلى كتابة سر حلب عوضاً عني، وحضرت أنا إلى دمشق عوضاً عن القاضي أمين الدين على وظيفته وكالة بيت المال، وتوقيع الدست.
ولم يزل في كتابة السر إلى أن حضر السلطان الملك المنصور وصلاح الدين محمد بن حاجي في واقعة الأمير سيف الدين بيدمر، فعزل منها بالقاضي ناصر الدين، ورسم عليه، وأخذ منه مبلغ مئة وخمسين ألف درهم وأكثر، فوزنها، وأباع ما بيده من الوظائف وغيرها، وطرح الرياسة، وصار يمشي بلا كلفة في ملبوس ولا غيره. ولم يبق على ذلك إلا دون السبعة أشهر حتى انقطع يومين.
وتوفي - رحمه الله - في التاريخ المذكور. ولم تبق معه مدرسة ولا تصدير في الجامع الأموي، غير أنطار يسيرة نزل عنها لولده، ودفن في تربتهم عند حمام النحاس.


صفحه 312

وبلغني أنه كان له أربعة جباة لأملاكه. ومن الغريب أنه هو وأبوه وعماه وجدهم كل منهم ما تعدى الاثنتين وستين سنة، وكان دائماً يقول: أنا ما أعدي أعمار أهلي، فكان الأمر كما قال.
وكان - رحمه الله - خاتمة رؤساء بيته.
وكان قد قرأ على شيخنا العلامة شهاب الدين أبي الثناء محمود كتابه " حسن التوسل " وكتابه " منح المدح " وغير ذلك.

محمد بن أحمد
الشيخ الإمام ناصر الدين الحنفي المعروف بالربوة، بضم الراء وسكون الباء الموحدة وبعد الواو المفتوحة هاء.
كان من فضلاء الحنفية. وكان بيده تدريس المقدمية داخل باب الفراديس بدمشق، ونزل عنها لولده، واشتغل هو بخطابة جامع الأمير سيف الدين يلبغا - رحمه الله - بعد منازعات ومخاصمات.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة.
وتولي مكانه في الخطابة قاضي القضاة جمال الدين الكفري الحنفي.
وكان الشيخ ناصر الدين المذكور يعرف بالقونوي.