العمادي الواد مولاناه قدس الله روحه الكريمه، وسقى تربةً ضمته صوب كل ديمه. فوقف للمملوك على الخبر الذي روع العباد، وغدا كل قلب كأنما يجربه على شوك القتاد، ونظر إلى النجوم كأنها خرائد سافرات في حداد، فأرسل المملوك دمعة الصب على الحبيب الذاهب، وأخذ من قسمة الأحزان بين الأنام نصيبه الواجب، وكيف لا يعم الوجود هذا المصاب، وتبين الدموع بسحها شح السحاب، وقد كورت الشمس، ولا تقول انقض الشهاب، وغيض البحر، ولا نقول انقشع الرباب ووهى عماد الملك، ولا نقول انقصمت الأطناب، وفجع بمن أثقلت أياديه الأعناق قبل أن حمل على الرقاب:
ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
وللوقت طالع المملوك العلوم الشريفة بذلك، وورد الجواب الشريف يتضمن شمول مولانا بالصدقات الشريفة، وإقامته مقام والده قدس الله روحه، فهنأ الله مولانا بهذه البشرى التي صدقت الرجا، والمسرة التي رقمت سطورها على كافور النهار بعنبر الدجى. وما أحق هذه البشرى أن تهتز لها أعطاف المنابر، وأن تنطق بحمدها ألسنة الأقلام من أفواه المحابر، وأن تعد نعمها أنامل الرايات إذا خفقت، وأن تتورد صفحات السيوف من دم الأعادي إذا امتشقت، والله يجمل الأيام بدولته الزاهره، ويجعل الأقدار على مراده ومرامه متظافره، بمنه وكرمه - إن شاء الله تعالى - ".
فعاد جوابه يتضمن أنه واصل إلى دمشق ليتوجه منها إلى الديار المصرية، فكتبت أنا الجواب إليه: "
أعز الله أنصار المقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأفضلي، ولا زال مقامه الشريف بالتحف ملتحفا، ومجده المؤثل بأزاهر المحامد روضه أنفا، وركابه العالي إذا سار أخذت الأرض زينتها، ولبست زخرفاً تقبيلاً يكسب به ثغر الثريا شرفاً، ويغدو على شفة الهلال شفا، بعد أن كان من السقم على شفا. وينهي بعد أدعية رقمت على سرادق الإجابة أحرفا، وعبودية لم يجد الولاء عن إخلاصها مصرفا، وأثنية تنشر على الروض بروداً وتقرأ الحمائم من سجعها صحفا. ورد المثال العالي يتضمن حركة الركاب الكريم إلى الأبواب الشريفة، فكاد قلب المملوك لتلقيه يطير فرحا، ويميد عطف الزمان ومن فيه مرحا، ويكون يوم قدومه يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. فالله تعالى يجعلها حركةً مقرونةً بالسعود، موصولةً بالميامن التي بها جمال الأيام والأنام والوجود ".
وكتبت أنا إليه عن السلطان الملك الناصر محمد كتاباً ببشارة النيل عقيب وروده من الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة:
" أعز الله أنصار المقام الشريف، وجعل رسل الهنا تتوارد على مقامه تترى، وأبهجه بكل نبأ من الخصب يتحرق له البرق حسداً في قلب السحاب ويتحرى، وسره بكل خبر يتفرق به محل المحل ويتفرى، ويعمه بكل وارد يقص عليه حديثاً جعل البر بحراً وملأ البحر برا. أصدرناها إلى مقامه الكريم تجد رعي عهوده،
وتفض سلاماً يتردد إليه تردد أمواج البحر في انحداره وصعوده، وتبث ثناء لا يزال بين خفق ألويته وبنوده، وتبدي إلى العلم الكريم أنه ورد ركابنا الشريف إلى محل ملكه، ومجرة فلكه، ومجرى فلكه، فوجدنا النيل المبارك قد جعل الأرض لجه، وأرخى نقاب تياره على وجه كل محجه، وارتفع إلى أن جعل على هضبات السحاب مقره، وزاد إلى أن كاد يمازج نهر المجره، وبعث سرايا مقدماته، فتحصنت في كل فج وفجوه، وانعطف حول أزرار الأهرام كالعروه، وشرب دم المحل فهو من تحت حباب القلوع كالقهوه، واتصف بصفات الأولياء، فبينا هو في أقصى الجنوب إذا هو في أقصى الشمال، والأرض للرجل الصالح خطوه، وأصبح في طلب تخليقه مجدا، وأعد للجدب من تياره سابغة وعداء علندى، ومرق كالسهم في خليجه من قسي قناطره، وخنق المحل بعبراته في محاجره، وبشر أن آلاف الأموال أضعاف ما فيه من الأمواج، وخبرت رقاعه أنه لم يبق فيها محتال ولا محتاج، فأكمل الستة عشرة ذراعاً.
وكتبت إليه أجوبة كثيرة عن الأمير سيف الدين تنكز، منها ما هو جواب على مشمش كافوري أهداه في باكورة السنة، ومنها ما هو عن رخام ملون أهداه وغير ذلك، وهي في الجزء الثامن عشر من " التذكرة " التي لي.
محمد بن إسماعيل بن أسعد
وقيل: ابن أحمد بن علي بن منصور بن محمد بن الحسين الشيباني، الأمير
شمس الدين بن الصاحب شرف الدين الآمدي، المعروف بابن التيتي، بتاء ثالثة الحروف مكسورة، وبعدها ياء آخر الحروف، وتاء ثانية وياء النسب.
كان وزيراً بماردين، وحضر أخيراً في الرسلية من الملك أحمد صحبة الشيخ عبد الرحمن الكواشي، ومات من أرسله وحبس رسله، ومات الشيخ عبد الرحمن، على ما ذكرته في ترجمته في " تاريخي الكبير "، وطلب شمس الدين هذا إلى مصر، وأعطي إقطاعات الحلقة، وترقى إلى أن صار نائب دار العدل في أيام السلطان حسام الدين لاجين.
وجفل به فرس فوقع، فمات - رحمه الله تعالى - في ثامن جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة بمصر.
روى عن الشيخ بهاء الدين بن بنت الجميزي، وأبي الحسن بن المقبر، وجماعة.
وكانت له مشاركة في نحو ولغة. وروى عنه شيخنا الحافظ أبو الفتح، والشيخ قطب الدين عبد الكريم، وغيرهما.
ومن شعره:
إذا ما الدهر مال عليك يوماً ... وصال بصرفه وسطا وجارا
فثق بالله معتمداً عليه ... يكن لك من صروف الدهر جارا
وإن دارت دوائر ببغي ... عليك وعنك بالإقبال دارا
وشط بك المزار فلا مزار ... وباعد عنك أحباباً ودارا
فلا تجزع ودار وكن صبوراً ... فمن يرجو نجاةً منه دارى
ولا تركن إلى الدنيا وبادر ... بفعل الخير واغتنم البدارا
فإن أخا الجهالة من تولى ... ولم ينظر إلى الدنيا اعتبارا
أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين؛ قال: قال الأمير شمس الدين ابن التيتي: أنشدني الزين خالد:
قلت للزين: كيف لا تثبت البع ... ث وتنفي إنكارها للحشر
قال: أثبت. قلت: ذقنك في استي ... قال: انف. فقلت: في وسط حجري
قلت: أخذ هذا المأخذ من قول الأول:
جاء سد يد الدين في وجهه ... أنف له كاد يواريه
قلت له: ماذا القضا؟ قال لي: ... ذا منخري، قلت: أنا فيه
محمد بن إسماعيل بن موسى
الشريف تقي الدين الحسيني الأشقر.
كان يتوكل للناس من الأمراء، وغيرهم وتوكل لأمير حسين بن جندر بك، وتوجه له إلى مصر، وعاد إلى دمشق.
ثم أنه شنق روحه في بيته بحارة بلاطة، وكتب ورقة وعلقها في عنقه، يقول فيها: ما آذاني أحد من خلق الله تعالى، وما فعلت هذا بنفسي إلا بسبب الديون التي علي، وخشيت أن أضرب بمقارع الأمير علم الدين الطرقجي. وما كان قد استدان من جامع السلامي، ومن غيره عشرة آلاف درهم وأكلها، فراح ابن جامع وشكاه إلى
أوران الحاجب، فرسم عليه وتهدده بالطرقجي، ففعل بنفسه ذلك في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
محمد بن إسماعيل بن أحمد بن سعيد
القاضي الرئيس الكاتب كمال الدين بن الأثير، موقع الدست بالديار المصرية.
كان فاضلاً في صناعته، كاملاً في براعته، فصيحاً في عبارته، مليحاً في إشارته وشارته. يكتب خطاً آنق منالحدائق، وأرشق من الأغيد الذي لطفت منه الخلائق، كتب المناشير الكبار والتواقيع، وأتى فيها بمقاصد الكتاب المطابيع، فكان كما قال الغزي:
تصيخ له الأسماع ما دام قائلاً ... وتعنو له الأبصار ما دام كاتباً
ولم يزل على حاله في توقيع الدست بمصر إلى أن أصبح مسجى.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة النصف منه سنة إحدى وعشرين وسبع مئة. ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة بأرباب الدولة والعلماء والصوفية، وصلي عليه بالجامع الأموي بدمشق، يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة.
ورثاه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود - رحمه الله تعالى - بقصيدة طنانة وهي....
ومن إنشاء القاضي كمال الدين بن الأثير - رحمه الله تعالى - نسخة تقليد للأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري بنيابة دمشق عقيب قدوم الملك الناصر من الكرك وهو: "
الحمد لله الذي أنجز من الألفة للإسلام ما وعد، وأطفأ لهب الخلف، وقد وقد، وأحسن عاقبة المسلمين فيما صدر من أمرهم وما ورد، جاعل الملك من هذا البيت الشريف منتقلاً في عقبه، آيلاً إلى من أصبح ومغناه أهل به لما حل في رتبه، وأضحى وهو مفروض الطاعة على الأولياء في تغير الدهر ومنقلبه. نحمده حمد من يعلم أنه يؤتي الملك من يشاء من عباده، وأن الأقدار جارية على مراده، غير معترض على مشيئته معرض نفسه لعناده.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من رضي بقسمه، وفوض الأمر إلى حكمه، ووقف في زمرة قوم يعلمون أن الله " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ".
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي وطأ للإسلام مهاده، وأزال عن جفن الإيمان غمض الشرك وسهاده، واستنفذ من يد الضلالة ربا الحق ووهاده.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أصحاب الحل والعقد ذوي الاجتهاد والجد، وأهل السعي المقترن بالسعد، صلاةً مستمرة الإيراد، متصلة الأوراد، موفيةً بالمراد مؤذنةً للرائد بخصب المراد، وسلم تسليماً.
وبعد: فإن الممالك أولى من قام بنصرها، وقعد بالمصلحة في أمرها، وأقيمت به دعوتها وعزت بعزمه ذروتها، وفوض تدبيرها إلى نظره، وحسنت فيها مواقع أثره، واستقامت هضبة أسها على رايه، واستقلت بمهامها كفالة ولائه، من حمى سرحها
وبنى صرحها، وسدد أمورها، وسد ثغرها وثغورها، وحماها من الأيدي المتخطفه، وصانها من الأغراض المتحيفه، واستقل بأعبائها التي آدت، ونهض بحفظها، وقد كانت العزائم همت بأن تفل أو كادت، ووقف المواقف التي تهول، وثبت بحيث الأقدام تزل والأحلام تزول، واصطلى في مضائق الحروب جمرها، وكان فيها بحمد الله في الرأي قيسها، وفي الإقدام عمرها، وهو الجناب العالي الأميري الشمسي قراسنقر، ذو الصفات الكامله، والسيرة العادله، والأنا الجميلة والهمم الجليله، والمحاسن الجزيله، والطريقة المتبعه، والأفعال التي لا تخشى منها تبعه، والآراء الصائبه، والمساعي التي لم تشبها في نصرة الإسلام شائبه.
طالما خاض الغمرات، واصطلى الجمرات، وأقدم إقدام الليث، وحرس الممالك من العيث، وأقام الأدلة على فضله، وأجلب إلى الأعداء بخيله ورجله. إليه تشد الرحال في صون الأمور وصلاح الجمهور، واستطلاع خبايا المقاصد، وأخذ الأعداء بالمراصد، وإقامة شعائر الدين، ونصرة حزب الموحدين.
وقد اقتضى رأينا الشريف أن نفوض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس من حدود العرائش إلى سلميه، وجعلنا كلمته في النفاذ باقيه، وعزمته في رتبة المضاء راقيه، واقتضينا في المهمات عقدة عزمه وحله، وأمضينا في مصلحة المملكة تصرفه كله، واستندنا من تدبيره إلى ركن شديد، وعطفنا إلى مضافرته كل جيد، إذ كان الملك بمثله يصان، وبمحاسنه يزان، وبتدبيره يستد ثلمه، وبتفويقه يستد سهمه. وقد قلدناه منا سيف اعتناء مطلق الحد، ومضافرة غير متناهية إلى حد، ومنحناه