محمد بن بركات
ابن أبي الفضل بن أبي علي الشيخ تقي الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الصالح البعلبكي.
سمع من الفقيه محمد اليونينى، وحدث عنه. وسمع بدمشق من ابن أبي اليسر، والنجم بن النشى، وشيخ الشيوخ، وهو سبط الشيخ إبراهيم بن محمود البطائحي البعلبكي، وكان شيخ الخانقاه الشبلية بظاهر دمشق.
قال شيخنا علم الدين: قرأت عليه " جزء ابن عرفة " و" جزء ابن جوصا ".
وتوفي رحمه الله تعالى بحصن الأكراد في ثالث عشري شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين ببعلبك.
وقد تقدم ذكر أخيه إبراهيم وذكر أخيه الشيخ محيي الدين عبد القادر أيضاً.
محمد بن بكتاش
الأمير ناصر الدين متولي دمشق كنت أعرفه أولاً مشد غزة والساحل في أواخر أيام الأمير سيف الدين تنكز، وسرقت له عملة من بيته بدمشق، ولم يقع لها على خبر إلى آخر وقت، وقيل: إنها كانت بخمسين ألف درهم.
ثم إنه بعد ذلك تولى مدينة دمشق، فعمل الولاية على أتم ما يكون من الصلف الزائد والعفة والأمانة، ثم إنه وقع في أيامه حريق دمشق الذي أمسك بسببه النصارى وجرى لهم ما جرى، وورد كتاب الملك الناصر محمد إلى تنكز يقول فيه: هذا فعل أهل دمشق كراهةً في ابن بكتاش: فلما أمسك تنكز رسم بعزله، فبقي بطالاً مدة.
واحتيج إليه لأجل دربته ومهابته في الولاية، فأعيد إليها بلا انقطاع، ثم عزل عنها وبقي مدةً بطالاً. ثم إنه جهز إلى حماة مشد الدواوين بها، فأقام هناك سنة ونصفاً تقريباً، ثم إنه طلب هو وناظرها القاضي شرف الدين حسين بن ريان إلى مصر، فتوجها، وعاد القاضي شرف الدين وهو على حاله إلى حماة، وحضر الأمير ناصر الدين بن بكتاش نائب المرقب وأعطي طبلخاناه وخرجت عنه، وبقي في طرابلس أميراً، فلما كان طاعون طرابلس توفي ابنه الأصغر وجماعة من أهل بيته، فنزح عن طرابلس، فماتت ابنته في الطريق، فجاء إلى بعلبك ليدفنها، ونزل على رأس العين، فحضر إليه نائب بعلبك بطعام، وأقسم عليه أن يأكل، فأكل بعض شيء.
وتوفي إلى رحمة الله تعالى عقيب ذلك في أواخر شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة ودفن رحمه الله تعالى إلى جانب ابنته.
وكان قد ولي شد خاص داريا ودومة في أيام تنكز، وكان يهز رأسه دائماً، وكان مع هذه المعرفة والمهابة والدربة إذا أنشد الشعر لا يقيم وزنه، قال لي صلاح الدين محمد الكبتي الدمشقي وكان صاحبه كثيراً: كان ينشد:
قد أقبل المنثور يا سيدي وأمير الناس كلهم ومخ من يشناك مثل اسمه
محمد بن بكتاش
الأمير ناصر الدين ابن الأمير بدر الدين أمير سلاح.
توفي في ثامن عشري جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة ودفن بتربة والده برا باب النصر بالقاهرة.
محمد بن بكتمر
الأمير ناصر الدين بن الأمير الكبير سيف الدين الجوكندار، كافل المملكة بالديار المصرية.
كان من رشاقته كأنه غصن بان، ومن هيفه يكاد يعقده النسيم ألوان.
ولم يكن في مصر والشام من يلعب بالكرة مثله، وكل طبجي في الإثليمين يعرف في ذلك فضله. ويقول ما عندي منه إلا فضله، كأنه على ظهر جواده عقرب أبو برق يتسرع والكرة أمامه كوكب. رأيته بصفد وهو يلعب مرات، وللكرات قدامه غدوات وكرات.
وكان قد ربي هو والسلطان الملك الناصر محمد، وما يدعوه إلا بأخي، ولا يرى إلا وهو ينتخب له كل وقت وينتخي.
ولما كان في الكرك كانت كتبه لا تنقطع عنه البتة، إما أن تجيء إلى ميعاد وإما أن تجيء بغته. ولما توجهوا إلى مصر بقيت له المكانة العليا، وضاقت بسعادته الدنيا، إلا أن المدة ما طالت، وما زارت حتى زالت، وكان كأنه كوكب السحر في قصر عمره، أو الزهر الذي أينع فاجتني لطيب نشره.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن بالقرافة، وتجرع أبوه غصته. وما أمكنه أن يشرح قصته.
كان الأمير علاء الدين بن الجوكندار طبجي الشام يجيء إلى صفد كل قليل ويلعب هو وناصر الدين فيرى الناس منهما أمراً عجيباً.
محمد بن بكتوت
ناصر الدين بن بدر الدين، الكاتب المجود، المعروف بالقرندلي، لأنه لبس زيهم في حلب.
كان قادراً على الكتابة. وله فيها رأي، لا تفارقه الإصابة. كتب الأقلام السبعة، وكاد فيها يسمو على الثريا رفعة. يدعي أنه كتب على ابن الوحيد، وما قوله في ذلك بسديد، وإنما كتب في بعلبك على خطيبها، وفاز من طريقة ابن الوحيد بلذاتها وطيبها، ونسخ من المصاحف الكريمة والمجلدات كثيراً. وعلى الجملة فكان على الكتابة قديرا.
ولم يزل يكتب إلى أن محي اسمه من المحيا، ونزل إلى قرار اللحد بعد العليا.
وتوفي رحمه الله تعالى بطرابلس سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، في يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الأول.
حكي له أنه لبس زي القرندلية بحلب ودخل بينهم وهو ينسخ فقالوا: ما هذا؟
ما هو طريقنا. قال: فقلت لهم: أنتم تعلمون هذه القلائد الصوف، فقال له من بينهم واحد: أريد أن أنزل أنا وأنت في هذه البركة بالبلاس، فقال: فنزلت معه في يوم بارد في مثل حلب، فبقينا نغطس إلى أن عجز هو وطلع، فلما أعياهم قالوا له: فينا واحد يكاثرك في أكل الحشيش، فقلت: أحضروه قال: فأحضروه وجعلوا يلقموننا وأنا وهو نأكل إلى أن نزل الدم من منخريه، وأظنه قال: مات، فعند ذلك أخرجوه من بينهم.
وكان الذي أغواه في الكتابة القاضي جمال الدين بن ريان - رحمه الله تعالى - فإنه رأى خط يده القابلة فلازمه، وجعل ينسخ له المجلدات، فنسخ له " الكشاف " وغيره، ورتب له الدراهم والطعام، وألزمه بالكتابة فأجاد، وكتب أولاده وغيرهم في حلب.
وحكى لي جماعة عنه أنه كان يضع المحبرة في يده الشمال والمجلد من الكشاف على ونده ويكتب منه وهو يغني ما شاء اللهولا يغلط، وكان قليل اللحن فيما يكتبه، وأما أنا فرأيته غير مرة يكتب ويغني ولا يغلط.
وكان قد أقام أولاً بحماة عند الملك المؤيد صاحبها ينسخ له، فأحب امرأة تعرف ببنت النصرانية، فكان كل ما يحصله ينفقه عليها، ويشتغل بها عن الكتابة، فشق أمره على الملك المؤيد، فنفاها إلى شيزر، فحكى لي أنه كان يكتب في حماة إلى المغرب، ويجري من حماة إلى شيزر، ويبيت عندها، ويقوم من آذان الفجر ويجري إلى حماة ويكتب، وأقام على ذلك سنة وكانت قد تعنتت عليه يوماً وقالت له: إن كنت تحبني فاكو لي في رأس صليباً. ورأيت أنا كي الصليب في يافوخه، وكتبت
أنا عليه أربعة عشر سطراً قلم الرقاع، ثم إنه امتنع من توقيفي، ولم أكتب بعده على غيره.
وكان كاتباً مطيقاً كتب من الربعات والختم بقلم الفضاح والمحقق الكبير في قطع البغدادي كاملاً ومن الهياكل المدورة والمجلدات شيئاً كثيراً.
محمد بن أبي بكر بن محمد
الشيخ الإمام، العالم شمس الدين الأيكي، بهمزة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وبعدها كاف، كان قاضي القضاة جلال الدين القزويني يقول: هو بكسر الهمزة.
وكان فاضلاً في المقولات، كاملاً في المنقولات، وكان يكشف أسرار " الكشاف " وهو لما فيه من أمراض الاعتزال كالشاف، يدري دقائقه، ويمري حقايقه، ويقرئه الطلبة ويقريه، ويفرق بذهنه ما فيه من الغمود في الغموض ويفريه.
وكان في علم التصوف إماما، وفي فن التعريف لمن تقدم ختاما، لو عاصر المعري لأملى في وصف الأيكي أيكه وغصونه، أو سنان الراشدي لأنزله معاقله وحصونه.
ولم يزل على حاله في الإفاده، والتفرد في فنونه بالإجاده، إلى أن خرست تلك الفصاحه، وكرر الحمام في الأيك عليه النياحه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة قبل العصر ثالث شهر رمضان سنة سبع وتسعين وست مئة، بالمزة في دمشق.
وله شرح على أول " مختصر " ابن الحاجب، تكلم على منطقه. ودرس بالغزالية، وولي مشيخة الشميساطية، وولي مشيخة الصلاحية بالقاهرة، وتكلم فيه الصوفية، وحضر قاضي القضاة تقي الدين وقال: يا شيخ شهد عليك جماعة من الصوفية بكذا وكذا، فقال: أنت تنكل بي في هذا الجمع نكل الله بك. فقال قيموه: فأقيم وهو يقرأ: " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون " ولما قال: " فسبح بحمد ربك " ما قال: ادفع بحيلك وقوتك، وتوجه إلى الشام وأقرأ الجماعة " الكشاف ".
وقيل إنه وصف للشيخ بدر الدين بن مالك ومعرفته " الكشاف "، فحضر ليلةً درسه وسمعه وهو يتكلم، فلما فرغ قال له: يا شيخ بدر الدين ما سمعتك تتكلم. قال: كيف أتكلم ومن وقت تكلمت إلى أن سكت، عددت عليك ثلاثين لحنة.
وفيه يقول شيخنا العلامة شهاب الدين محمود:
بنت فبات الطيف لي مؤنساً ... يبيحني جنة خديك
وطالما أملتها يقظة ... فصد عنها سيف جفنيك
ولم أخل أن حمام اللوى ... في الأيك يغني عن رقيبيك
نفر نوماً كان مثل الصبا ... يعطف لي إن ملت عطفيك
فلا رعى الله حمام اللوى ... ولعنة الله على الأيك
وكان سبب نظمها أن الأيكي تكلم في حق الإمام أحمد رضي الله عنه وثار الحنابلة عليه. ولما بلغه قال: والله لقد تلطف في الهجو، وكان شيخنا أبو الثناء بعد موته لا ينشدها إلا ويقول: ورحمة الله على الأيك.
وبعض الناس قال فيه: اسمه أحمد بن أبي بكر.
قلت: واشتهرت هذه الأبيات كثيراً، وسلك هذه الطريقة جماعة ممن عاصره. فقال النصير الحمامي:
مذ أحضرتني زوجتي حاكما ... أنكرت ما قد كان من حقي
فأخرجت رق صداق لها ... رد كلام الكل في حلقي
وكان ذاك الرق أصل البلا ... فلعنة الله على الرق
وقال النور الإسعردي:
ورب خل قلت إذ قدم لي ... خلاً وقباراً على سماط
لا آكل القبار من بغضي له ... ولعنة الله على الخلاط
محمد بن أبي بكر
ابن عبد الرحمن بن عبد الله، الشيخ الصالح أبو عبد الله الكنجي.
جاور بالجامع الأموي مدة طويلة أكثر من ستين سنة، وسمع كثيراً بعد الخمسين وست مئة على الزين خالد، والخطيب عماد الدين بن الحرستاني وغيرهم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ربيع الآخر سنة سبع مئة، وحضر جنازته القضاة والعلماء والصلحاء، وكان قد بلغ التسعين سنة.
وسيأتي ذكره ولده محمد بن محمد بن أبي بكر.
محمد بن أبي بكر بن خليل
ابن إبراهيم بن يحيى بن فارس، الإمام رضي الدين المعروف بابن خليل المكي الشافعي.