أنا عليه أربعة عشر سطراً قلم الرقاع، ثم إنه امتنع من توقيفي، ولم أكتب بعده على غيره.
وكان كاتباً مطيقاً كتب من الربعات والختم بقلم الفضاح والمحقق الكبير في قطع البغدادي كاملاً ومن الهياكل المدورة والمجلدات شيئاً كثيراً.
محمد بن أبي بكر بن محمد
الشيخ الإمام، العالم شمس الدين الأيكي، بهمزة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وبعدها كاف، كان قاضي القضاة جلال الدين القزويني يقول: هو بكسر الهمزة.
وكان فاضلاً في المقولات، كاملاً في المنقولات، وكان يكشف أسرار " الكشاف " وهو لما فيه من أمراض الاعتزال كالشاف، يدري دقائقه، ويمري حقايقه، ويقرئه الطلبة ويقريه، ويفرق بذهنه ما فيه من الغمود في الغموض ويفريه.
وكان في علم التصوف إماما، وفي فن التعريف لمن تقدم ختاما، لو عاصر المعري لأملى في وصف الأيكي أيكه وغصونه، أو سنان الراشدي لأنزله معاقله وحصونه.
ولم يزل على حاله في الإفاده، والتفرد في فنونه بالإجاده، إلى أن خرست تلك الفصاحه، وكرر الحمام في الأيك عليه النياحه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة قبل العصر ثالث شهر رمضان سنة سبع وتسعين وست مئة، بالمزة في دمشق.
وله شرح على أول " مختصر " ابن الحاجب، تكلم على منطقه. ودرس بالغزالية، وولي مشيخة الشميساطية، وولي مشيخة الصلاحية بالقاهرة، وتكلم فيه الصوفية، وحضر قاضي القضاة تقي الدين وقال: يا شيخ شهد عليك جماعة من الصوفية بكذا وكذا، فقال: أنت تنكل بي في هذا الجمع نكل الله بك. فقال قيموه: فأقيم وهو يقرأ: " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون " ولما قال: " فسبح بحمد ربك " ما قال: ادفع بحيلك وقوتك، وتوجه إلى الشام وأقرأ الجماعة " الكشاف ".
وقيل إنه وصف للشيخ بدر الدين بن مالك ومعرفته " الكشاف "، فحضر ليلةً درسه وسمعه وهو يتكلم، فلما فرغ قال له: يا شيخ بدر الدين ما سمعتك تتكلم. قال: كيف أتكلم ومن وقت تكلمت إلى أن سكت، عددت عليك ثلاثين لحنة.
وفيه يقول شيخنا العلامة شهاب الدين محمود:
بنت فبات الطيف لي مؤنساً ... يبيحني جنة خديك
وطالما أملتها يقظة ... فصد عنها سيف جفنيك
ولم أخل أن حمام اللوى ... في الأيك يغني عن رقيبيك
نفر نوماً كان مثل الصبا ... يعطف لي إن ملت عطفيك
فلا رعى الله حمام اللوى ... ولعنة الله على الأيك
وكان سبب نظمها أن الأيكي تكلم في حق الإمام أحمد رضي الله عنه وثار الحنابلة عليه. ولما بلغه قال: والله لقد تلطف في الهجو، وكان شيخنا أبو الثناء بعد موته لا ينشدها إلا ويقول: ورحمة الله على الأيك.
وبعض الناس قال فيه: اسمه أحمد بن أبي بكر.
قلت: واشتهرت هذه الأبيات كثيراً، وسلك هذه الطريقة جماعة ممن عاصره. فقال النصير الحمامي:
مذ أحضرتني زوجتي حاكما ... أنكرت ما قد كان من حقي
فأخرجت رق صداق لها ... رد كلام الكل في حلقي
وكان ذاك الرق أصل البلا ... فلعنة الله على الرق
وقال النور الإسعردي:
ورب خل قلت إذ قدم لي ... خلاً وقباراً على سماط
لا آكل القبار من بغضي له ... ولعنة الله على الخلاط
محمد بن أبي بكر
ابن عبد الرحمن بن عبد الله، الشيخ الصالح أبو عبد الله الكنجي.
جاور بالجامع الأموي مدة طويلة أكثر من ستين سنة، وسمع كثيراً بعد الخمسين وست مئة على الزين خالد، والخطيب عماد الدين بن الحرستاني وغيرهم.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ربيع الآخر سنة سبع مئة، وحضر جنازته القضاة والعلماء والصلحاء، وكان قد بلغ التسعين سنة.
وسيأتي ذكره ولده محمد بن محمد بن أبي بكر.
محمد بن أبي بكر بن خليل
ابن إبراهيم بن يحيى بن فارس، الإمام رضي الدين المعروف بابن خليل المكي الشافعي.
كان فقيهاً عالماً، مفنناً، ذا فضائل ومعارف وعبادة وصلاح وحسن أخلاق، سمع منه شيخنا البرزالي وابن العطار، وأجاز لشيخنا الذهبي مروياته.
وولد في أيام التشريق بمنى سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكان يعرف " التنبيه " جيداً، وحفظ " المفصل " في النحو للزمخشري.
محمد بن أبي بكر بن عبد السلام
ابن إبراهيم الصالحي المقرئ الحفار، يعرف بابن الطبيل.
كان شيخاً معمراً ذا جلادة وهمة وملازمة للجماعة.
سمع " الصحيح " من ابن الزبيدي. وحدث عنه ابن الخباز في معجمه في حياة ابن عبد الدائم، وسمع منه ابن البرزالي، وأخذ شيخنا الذهبي عنه ثلاثيات البخاري وغير ذلك.
وتوفي في سنة إحدى وسبع مئة - رحمه الله تعالى -.
محمد بن أبي بكر بن إبراهيم
ابن هبة الله بن طارق الأسدي الحلبي الصفار، الشيخ الصالح المعمر المسند أمين الدين، نزيل دمشق، المعروف بابن النحاس.
سمع لما حج مع إخوته من صفية القرشية، ومن شعيب الزعفراني بمكة، ومن يوسف الساوي وابن الجمزي بمصر، ومن ابن خليل بحلب، وأجاز له أبو إسحاق الكاشغري وطائفة. وأضر، وتفرد، وعجز وانحطم، وأبطل الحانوت.
وكان ساكناً خيراً عامياً، وله دنيا، وفيه بر، وما تزوج قط ولا احتلم، ثم إنه قدح بعدما أضر فأبصر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وعشرين وست مئة.
محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم
شيخ الإمامية وعالمهم شمس الدين الهمداني الدمشقي السكاكيني الشيعي.
قال شيخنا الذهبي، رحمه الله تعالى: حفظ القرآن بالسبع، وتفقه وتأدب، وسمع في حداثته من الرشيد بن مسلمة، والرشيد العراقي، ومكي بن علان وجماعة، وخرج له ابن الفخر عنهم.
وربي يتيماً فأقعد في صناعة السكاكين عند شيخين رافضيين، فأفسداه، وأخذ عن أبي صالح الحلبي، وصاحب الشريف محيي الدين بن عدنان.
وله نظم وفضائل، ورد على التلمساني في الاتحاد. وأم بقرية جسرين مدة، ثم
أخرج منها. وأم بالسامرية، ثم إنه أخذه منصور بن جماز الحسيني معه إلى المدينة، لأنه صاحبها، واحترمه. وأقام بالحجاز سبعة أعوام، ثم رجع.
وهو شيعي عاقل، لم يحفظ عنه سب، بل نظم في فضائل الصحابة.
وكان حلو المجالسة، ذكياً عالماً فيه اعتزال، وينطوي على دين وإسلام، وتعبد، على بدعته، وترفض به ناس من أهل القرى.
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية، رحمه الله تعالى: هو ممن يتشيع به السني، ويتسنن به الرافضي. وكان يجتمع به كثيراً وقيل: إنه رجع آخر عمره عن أشياء.
نسخ " صحيح " البخاري، وكان ينكر الجبر ويناظر على القدر.
وتوفي في سادس عشري صفر سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وثلاثين وست مئة.
قلت: لما كان يوم الاثنين حادي عشري ذي الحجة سنة خمسين وسبع مئة، أحضر صلاح الدين محمد بن شاكر الكبتي بدمشق إلى شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى كتاباً في عشرين كراساً قطع البلدي في ورق جيد، وخط مليح سماه مصنفه " الطرائف في معرفة الطوائف " افتتحه بالحمد لله وشهادة أن لا إله إلا الله فقط. وقال بعد ذلك: " أما بعد فإنني رجل من أهل الذمة ولي على الإسلام حرمة، فلا تعجلوا بسفك دمي قبل سماع ما عندي، ثم أخذ في نقض عرا الدين عروة بعد عروة، وأورد أحاديث وتكلم على متونها، وتكلم في جرح الرجال وطعن عليهم،
كلام محدث عارف بما يقول، وذكر أموراً دلت على زندقته وتشيعه، وختم ذلك بأن قال: ولله القائل:
فإن كنت أرضى ملةً غير ملتي ... فما أنا إلا مسلم أتشيع
وشهد صلاح الدين المذكور وآخر من أهل الحديث المعروفين بأن هذا خط شمس الدين السكاكيني، فظهر من ذلك أنه تصنيفه، لأنه قال في فهرست الكتاب المذكور: تصنيف عبد المحمود بن داود المصري، وقال شيخنا عماد الدين بن كثير: الأبيات التي كتبت للشيخ تقي الدين، أولها:
أيا معشر الإسلام ذمي دينكم...........................
وقد ذكرتها أنا في ترجمة الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي كاملة لهذا السكاكيني. فقطع شيخنا قاضي القضاة هذا الكتاب الملعون وغسله وحرقه، قال - رحمه الله تعالى: أخذته معي إلى بستان لأنظر فيه ونويت تقطيعه وغسله، ثم إنني انتبهت في الليل وقلت لنفسي: لعلك يا علي لا تصبح غداً، فقمت في الليل وقطعته وغسلته، قلت: والله أعلم لحقيقة حال هذا الرجل.
ولكن الذي ظهر لنا أنه كان متزندقاً، غير مسلم.
وقالوا: إن قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم رجع من جنازته.
ونقلت من خط شيخنا علم الدين البرزالي، قال أنشدني لنفسه:
أجزت لهم ما يسألون بشرطه ... أثابهم ربي ثواب أولي العلم
ووفقهم أن يعملوا بالذي رووا ... فعال أولي الإخلاص والجد والعزم
وكاتبها العبد الفقير محمد ... هو ابن أبي بكر بن قاسم العجم
ومولده في عام خمس وبعدها ... ثلاثون والست المئون لدى النجم
ونقلت منه أيضاً ما خاطب به صاحب المدينة منصور ورميثة صاحب مكة:
ألا يا ذوي الألباب أصغوا لناطق ... بحق وباغي الحق من ذا يدفعه
إذا لم نسل النبي محمد ... نتابعه في الدين من ذا نتابعه
فإن كان مسبوقاً وذو البعد سابقاً ... إلى المصطفى والدين من ذا يمانعه
فكم من بعيد للشريف معلم ... طرائق آباء له وهو سامعه
وهذا بديع في الزمان وأهله ... وما زال الدهر جم بدائعه
ونقلت من خط الشيخ شهاب الدين بن غانم، قال أنشدني الشيخ شمس الدين السكاكيني لنفسه:
هي النفس بين العقل والطبع والهوى ... وما العقل إلا كالعقال يصونها
فداعي الهوى يدعو إلى ما يشينها ... وداعي النهى يدعو إلى ما يزينها
فإن أطلقت من غير قيد توثبت ... على حظها الأدنى وزاد جنونها
وإن نظرت بالعقل ينبوع نوره ... أضاءت لها الظلمات طاب معينها
وحنت إلى الذكر الحكيم تدبراً ... رياض معانيه وذاك يعينها