محمد بن أبي بكر بن ظافر
ابن عبد الوهاب، قاضي القضاة، شرف الدين الهمداني، بسكون الميم وبعدها دال مهملة، المالكي، ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر ابن الشيخ ركن الدين أبي منصور.
حضر من الديار المصرية إلى دمشق في خامس جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة.
كان ساكناً، كثير الوقار، سعيد الحركات في المحافل الكبار، كثير التجمل في ملابسه، غزير الإطراق والصمت عند مجالسته، لا يرى من حاضره في دسته المكمل، غير أنه " كبير أناس في بجاد مزمل ". إلا أنه وادع السر ليس عنده أذى ولا يطبق أحد جفنه منه على قذى.
وكان الأمير سيف الدين تنكز يجله ويضعه فوق النجوم ويحله.
ولم يزل على حاله إلى أن قضى قاضي القضاة نحبه، وفارق أعزاءه وصحبه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بكرة الأحد ثالث المحرم سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وصلى عليه الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نائب دمشق والأمراء والقضاة والحجاب
والأعيان بسوق الخيل، ودفن في تربته التي أنشأها بميدان الحصى، وفي يوم موته حررت قبلة الجامع الذي عمره يلبغا.
وكان شكلاً طويلاً مهيباً يعظمه النواب كلهم ويحترمونه، وكان يعاني الآلات الكبار في جميع ما عنده من دواة وقنديل ومغرز وطاسة، وما يرى أحد مثل القماش الذي يكون عليه ولا أغرب، ولا يرى ألطف من شاشة وقماشه، ولا أطيب من ريحه.
محمد بن أبي بكر بن محمد
ابن طرخان بن أبي الحسن، العالم الفاضل الأديب شمس الدين.
سمع حضوراً من إبراهيم بن خليل، والنجيب عبد اللطيف، وسمع الكثير من ابن عبد الدائم، وكتب المنسوب، وله نظم ونثر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في خامس عشري ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وله حضور في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وست مئة، وهو في الثانية من عمره. وحضر على إبراهيم بن خليل، والنجيب عبد اللطيف الحراني، وأبي طالب بن السروري، وسمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وعبد الوهاب بن الناصح وجماعة وطلب بنفسه وكتب الطباق، وسمع من جماعة من أصحاب ابن طبرزد ومن بعده، وخرج له ابن خاله شمس الدين بن سعد " مشيخةً " في مجلدين وحدث بها غير مرة.
وكان كاتباً مجيداً، وكان يصحب الأكابر ويخدمهم وله مرتبات جيدة بالشام على الديوان السلطاني.
محمد بن أبي بكر بن أيوب
ابن سعد بن حريز الزرعي، الشيخ الإمام الفاضل المفتن شمس الدين الحنبلي المعروف بابن قيم الجوزية.
سمع على الشهاب العابر وجماعة كبيرة منهم سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وأبو نصر محمد بن عماد الدين الشيرازي، وابن مكتوم، والبهاء بن عساكر، وعلاء الدين الكندي الوداعي، ومحمد بن أبي الفتح البعلبكي، وأيوب بن نعمة الكحال، والقاضي بدر الدين بن جماعة، وجماعة سواهم.
وقرأ العربية على ابن أبي الفتح البعلي، قرأ عليه " الملخص " لأبي البقاء، ثم قرأ " الجرجانية "، ثم قرأ " ألفية ابن مالك "، وأكثر " الكافية الشافية " وبعض " التسهيل "، ثم قرأ على مجد الدين التونسي قطعة من " المقرب ".
وأما الفقه فأخذه عن جماعة منهم الشيخ مجد الدين إسماعيل بن محمد الحراني، قرأ عليه " مختصر " أبي القاسم الخرقي و" المقنع " لابن قدامة، ومنهم ابن أبي الفتح البعلي، ومنهم الشيخ تقي الدين بن تيمية، قرأ عليه قطعة من " المحرر " تأليف جده، وأخوه الشيخ شرف الدين.
وأخذ الفرائض أولاً عن والده وكان له فيها يد، ثم اشتغل على إسماعيل بن محمد، قرأ عليه أكثر " الروضة " لابن قدامة، ومنهم الشيخ تقي الدين بن تيمية، قرأ عليه قطعة من " المحصول " ومن كتاب " الأحكام " للآمدي.
وقرأ في أصول الدين على الهندي أكثر " الأربعين " و" المحصل "، وقرأ على الشيخ تقي الدين بن تيمية قطعة من الكتابين، وكثيراً من تصانيفه.
وكان ذا ذهن سيال، وفكر إلى حل الغوامض ميال، قد أكب على الاشتغال، وطلب من العلوم كل ما هو نفيس غال، وناظر وجادل وجالد الخصوم وعادل، قد تبحر في العربية وأتقنها، وحرر قواعدها ومكنها، واستطال بالأصول، وأرهف منها الأسنة والنصول، وقام بالحديث وروى منه، وعرف الرجال وكل من أخذ عنه.
وأما التفسير فكان يستحضر من بحاره الزخارة كل فائدة مهمه، ومن كواكبه السيارة كل نير يجلو حنادس الظلمه.
وأما الخلاف ومذاهب السلف فذاك عشه الذي منه درج، وغابه الذي ألفه ليثه الخادر ودخل وخرج.
وكان جريء الجنان ثابت الجأش لا يقعقع له بالشنان، وله إقدام وتمكن
أقدام، وحظه موفور، وقبوله كل ذنب معه مغفور، وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين بن تيمية في جميع أحواله، ومقالاته التي تفرد بها والوقوف عند نص أقواله.
وتوجه إلى الحجاز مرات، وحاز ما هناك من المبرات.
ولم يزل على حاله إلى أن دخل تحت رزة الرزيه، وعدم الناس منه لذة الحلوى السكرية وإن كانت نسبته إلى الجوزيه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى تسعين وست مئة.
وكان محظوظاً عند المصريين من الأمراء، يعطونه الذهب والدراهم، وهبه الأمير بدر الدين بن البابا مبلغ اثني عشر ألف درهم، والأمير سيف الدين بشتاك أعطاه في الحجاز مئتي دينار.
وكان قد اعتقل مع الشيخ تقي الدين بن تيمية في قلعة دمشق بسبب " مسألة الزيارة "، ولم يزل إلى أن توفي الشيخ تقي الدين، فأفرج عنه في ثالث عشري الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وما جمع أحد من الكتب ما جمع، لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك. ولما مات شيخنا فتح الدين اشترى من كتبه أمهات وأصولاً كباراً جيدة، وكان عنده من كل شيء في غير ما فن ولا مذهب، بكل كتاب نسخ عديدة، منها ما هو جيد نظيف، وغالبها من الكرندات. وأقام أولاده شهوراً يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم.
واجتمعت به غير مرة، وأخذت من فوائده، خصوصاً في العربية والأصول.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
بني أبي بكر كثير ذنوبه ... فليس على من نال من عرضه إثم
بني أبي بكر جهول بنفسه ... جهول بأمر الله أنى له العلم
بني أبي بكر غدا متصدراً ... يعلم علماً وهو ليس له علم
بني أبي بكر غدا متمنياً ... وصال المعالي والذنوب له هم
بني أبي بكر يروم ترقياً ... إلى جنة المأوى وليس له عزم
بني أبي بكر يرى الغنم في الذي ... يزول ويفنى والذي تركه غنم
بني أبي بكر لقد خاب سعيه ... إذا لم يكن في الصالحات له سهم
بني أبي بكر كما قال ربه ... هلوع كنود وصفه الجهل والظلم
بني أبي بكر وأمثاله غدوا ... بفتواهم هذي الخليقة تأتم
وليس لهم في العلم باع ولا التقى ... ولا الزهد والدنيا لديهم هي الهم
فوالله لو أن الصحابة شاهدوا ... أفاضلهم قالوا هم الصم والبكم
ومن تصانيفه: " زاد المعاد في هدى خير العباد " أربعة أسفار، " مفتاح دار السعادة "، مجلد كبير، " تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته "، نحو ثلاثة أسفار، " سفر الهجرتين وطريق السعادتين " سفر كبير، كتاب " رفع اليدين في الصلاة "، سفر متوسط " معالم الموقعين عن رب العالمين "، سفر كبير، كتاب " الكافية الشافية لانتصار الفرقة الناجية "، وهو نظم نحو ستة آلاف بيت، وهذا الكتاب لما وقف عليه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي أنكره
وتطلبه أياماً، " الرسالة الحلبية في الطريقة المحمدية "، " بيان الاستدلال على بطلان محلل السباق والنضال "، " التحبير بما يحل ويحرم لبسه من الحرير "، " الفروسية المحمدية "، " جلي الأفهام في أحكام الصلاة والسلام على خير الأنام "، " تفسير أسماء القرآن "، " تفسير الفاتحة "، مجلد كبير، " اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر "، " كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء "، " الرسالة الشافية في أسرار المعوذتين "، " معاني الأدوات والحروف "، " بدائع الفوائد " مجلد.
محمد بن أبي بكر بن إبراهيم
ابن عبد الرحمن الدمشقي، الشيخ الإمام قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب الشافعي، قاضي حمص، وقاضي قضاة طرابلس، وقاضي قضاة حلب، ومدرس الشامية الكبرى بدمشق أخيراً.
كان عالماً حبرا، وحاكماً برا، من قضاة العدل وأئمة الهدى، وحكام الحق الذين تساوى عندهم في القضاء الأحبة والعدا، مع لطف خلق كأنه نسيم، وتواضع يراه محادثه ألذ من كأس تنسيم، سالكاً طريق السلف والأخيار، ناهجاً سبيل السنة والآثار، لم يحك عنه ميل مذ حكمه ولا حيف، ولا جنف تزول به عن المظلوم لذة من قدوم ضيف الطيف، وكان من بقايا الأئمة، وخبايا هذه الأمه.
ولم يزل على حاله بدمشق إلى أن طرق الموت لابن النقيب طريقه، وترك العيون بالدموع غريقه، والقلوب بالأحزان حريقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شوال سنة خمس وأربعين وسبع مئة، ومات عن بضع وثمانين سنة.
وحدث عن ابن النحاس وطائفة.
وكان قد تفقه على الشيخ محيي الدين النواوي - قدس الله روحه - وقال له يوماً: أهلاً بقاضي القضاة ومدرس الشامية، فما مات رحمه الله تعالى حتى نال ذلك أجمع ببشرى الشيخ له.
وسمع من ابن البخاري وغيره، وكان عنده خمائر في الفقه من الشيخ محيي الدين، ويعرف " شرح العمدة " للأحكام الذي لابن دقيق العيد معرفة جيدة ويقرئها لما كان بدمشق للطلبة.
ولما عزل القاضي فخر الدين ابن البارزي من حمص رسم الأمير سيف الدين تنكز للشيخ شمس الدين بالتوجه إلى قضاء حمص، فامتنع من ذلك، فتهدده، فما أمكنه إلا الرواح إليها، وتوجه إليها في يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وخرج الناس لوداعه واستناب في وظائفه.
محمد بن أبي بكر بن أحمد
ابن عبد الدائم المقدسي.
سمع الكثير من جده، ومن محمد بن إسماعيل خطيب مردا، وأجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع ربيع الأول سنة ست وثلاثين وسبع مئة.