قلت: أخذه من قول الأول وفيه زيادة:
سد الخليج بكسره جبر الورى ... طراً فكل قد غدا مسرورا
الباء سلطان فكيف تواترت ... عنه البشائر إذ غدا مكسورا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وذي شنب مالت إلى فيه شمعة ... فردت لإشفاق القلوب عليه
فمالت إلى قدامه شغفاً به ... فقبلت البطحاء بين يديه
وقالت بدا من فيه شهد فهزني ... تذكر أوطاني فملت إليه
فحالت يد الأيام بيني وبينه ... فعفرت أجفاني على قدميه
قلت: أخذ قول الأول، وزاد هو عليه:
أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل ذا الرشأ الأكحل
درت أن ريقته شهدة ... فحنت إلى إلفها الأول
محمد بن داود
الأمير ناصر الدين ابن الأمير نجم الدين بن الزيبق.
كان أولاً أمير عشرة بعد وفاة والده، ثم أعطي نيابة الرحبة في أيام الأمير سيف الدين أيتمش، فأقام تقدير سنتين أو أقل، ثم عزل منها وأقام في دمشق وهو أمير طلبلخاناه، فولاه الأمير سيف الدين أغون الكاملي ولاية مدينة دمشق، فباشرها إلى أن أتى الأمير علاء الدين أمير المارداني إلى دمشق نائباً، فجعله والي الولاة بالصفقة
القبلية، فسفك فيها الدماء، واستخرج الأموال، ولكن اطمأنت به البلاد من العشران والفتن.
ولم يزل بها أن مرض مدة، وتوفي رحمه الله تعالى، وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في أول شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة، ونقل إلى دمشق.
محمد بن رضوان
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن، زين الدين العذري، المعروف بابن الرعاد، براء وعين مهملة مشددة وبعدها ألف ودال مهملة.
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: كان المذكور خياطاً بالمحلة من الغربية وله مشاركة في العربية وأدب لا بأس به، وكان في غاية الصيانة والترفع عن الدنيا والتردد إليهم، واقتنى من صناعة الخياطة من الكتب كثيراً، وابتنى بها داراً حسنة، ورأيته بالمحلة مراراً.
وأنشدني لنفسه قال: أنشدني للشيخ بهاء الدين بن النحاس:
سلم على المولى البهاء وقل له: ... شوقي إليه وإنني مملوكه
أبداً يحركني إليه تشوق ... جسمي به مشطوره منهوكه
لكن نحلت لبعده فكأنني ... ألف وليس بممكن تحريكه
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا
وقد جاء لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضر إبراهيم لو صدق الرؤيا
وأنشدني قال: أنشدني لنفسه:
نار قلبي لا تقري لهباً ... وامنعي أجفان عيني أن تناما
فإذا نحن اعتنقنا فارجعي ... نار إبراهيم برداً وسلاما
وأنشدني قال أنشدني لنفسه:
قالوا وقد عاينوا نحولي ... إلام في ذا الغرام تشقى
ضنيت أو كدت فيه تفنى ... وأنت لا تستفيق عشقا
فقلت: لا تعجبوا لهذا ... ما كان لله فهو يبقى
قلت: شعر عذب منسجم.
وتوفي رحمه الله تعالى بالمحلة سنة سبع مئة.
وكان قد أخذ النحو عن العلامة أبي عمرو ابن الحاجب.
ومن شعر ابن الرعاد أيضاً:
أشكو إلى الله قصاصاً يجرعني ... بالصد والهجر أنواعاً من الغصص
إن تحسن القص يمناه فمقلته ... أيضاً تقص علينا أحسن القصص
قال كمال الدين الأدفوي: أخبرني شيخنا أثير الدين قال: قال لي زين الدين المذكور: أرسل إلي شهاب الدين الخوبي حين كان قاضياً بالغربية أن أرسل إلي بالكتاب الذي استعرته مني، فقلت له: ما استعرت في دهري من أحد شيئاً فأعاد الرسالة، فكتبت إليه هذه الأبيات:
غنيتم فأطغاكم غناكم فأغنتنا ... قناعتنا عنكم ومن قنع استغنى
ألا مالكم سدتم فساءت ظنونكم ... ومن عادة السادات أن يحسنوا الظنا
عسى سفرة شرقية حلبية ... تروح بكم منا وتغدو بكم عنا
وأرسلها إليه، فما فرغ من قراءته إلا بريدي وصل إليه أن يتوجه إلى حلب قاضياً.
ومن شعر ابن الرعاد أيضاً قوله:
أعد نظراً فما في الخد نبت ... حماه الله من ريب المنون
ولكن رق ماء الوجه حتى ... أراك خيال أهداب الجفون
قلت: مأخوذ من قول الأول:
ولما استقلت أعين الناس حوله ... تراقبه حيث استقل وسارا
تمثلت الأهداب في صفو خده ... خيالاً فخالوا الشعر فيه عذارا
ولعل هذا وما قبله منقول من قول ابن سناء الملك:
لم يهني إلا هواه ولا دل ... ل على السقام إلا دلاله
ما خلا خده الصقيل من الخا ... ل ولكن سواد عيني خاله
وزاده تصريحاً نجم الدين بن صابر المنجنيقي حيث قال:
أهلاً بوجه كالبدر حسنا ... صيرني حبه هلالا
قد رق حتى لحظت فيه ... سواد عيني فخلت خالا
وقال تاج الدين مظفر الذهبي:
لاح هلالاً وانثنى مثقفاً ... وصال ليناً ورنا غزالاً
لو لم تكن وجنته ماء لما ... خلت سواد العين فيه خالا
وكلهم أخذه من الشريف البياضي حيث قال:
بوجه شف ماء الحسن فيه ... فلو لثمت صحيفته لسالا
يؤثر فيه لحظ العين حتى ... رأيت سوادها في الخد خالا
محمد بن سالم
ابن نصر الله بن سالم بن واصل، القاضي الإمام العلامة جمال الدين بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة بحماة.
كان أحد الأئمة الأعلام، والقائمين بجمع العلوم الخافقة الذوائب والأعلام.
برع في العلوم الشرعية وطلع كالشمس في الفنون العقليه، وجمع شمل ما تفرق في العلوم الأدبيه. صنف وجمع وألف، ودخل في كل فن وما تخلى عنه ولا تخلف. وأفتى واشتغل ودرس، وقضى وحكم وفصل لما علم وتفرس. وبعد صيته واشتهر، وبرز على الأقران في الجدال ومهر. وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن جليسه، ويغيب عن وجوده في حضرة أنيسه:
وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهمت وعندكم عقلي
ولي القضاء مدة مديده، وفاز منها بالسيرة الحميده، وأضر أخيراً، وحاز بذلك أجراً كبيرا.
ولم يزل على حاله إلى أن قطع عمر ابن واصل، ولم يبق في حياته حاصل.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة ثاني عشري شوال سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده بحماة في ثاني شوال سنة أربع وست مئة.
ودفن بتربته بعقبة بيرين.
وقيل إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علماً وأكثر، وحضر حلقته نجم الدين دبيران المنطقي، وأورد عليه إشكالاً في المنطق.
وكان قد جهز عن صاحب مصر رسولاً إلى الأنبرور، فتوجه، فأعظمه الأنبرور، وسأله عن مسائل تتعلق بعلم المناظر وغيرها، فأخذها وبات بها، وأصبح وقد أملى الجواب عليها في مجلد صغير، فعظم في عين الأنبرور وقال: يا قاضي ما سألناك عن حلال ولا حرام في دينك الذي أنت فيه قاض، وإنما سألناك عن أشياء لا يعرفها إلا الفلاسفة الأقدمون، فأجبت عنها، وليس معك كتب ولا ما تستعين به، مثلك يكون قسيساً، وحسد المسلمين عليه، وزاد في تعظيمه وإكرامه، وأحضر له الأرغل وهو الآلة عندهم في الطرب، ولا يضرب به إلا في أيام أعيادهم، فقيل: إنه
ما اهتز له ولا تحرك، وعندهم إن أحداً ما يسمعه فيملك نفسه من الطرب، إلا أنه لما قام وجدوا كعابه مما حكها في البساط قد أدماها الحك، وبقي أثر الدم في البساط، فزاد تعجب الأنبرور منه أيضاً وأعطاه شيئاً كثيراً.
وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني غرائب من حفظه وذكائه، وحكى الحكيم السديد الدمياطي عنه أنه تعشى ليلة عند الشيخ علاء الدين بن النفيس، وصلينا العشاء الآخرة. قال: إلا أن القاضي جمال الدين كان يحتد في البحث ويحمار وجهه، والشيخ علاء الدين في غاية الرياضة، ثم إن القاضي آخراً قال: والله يا شيخ علاء الدين أما نحن فعندنا نكيتات ومواخذات وإيرادات وأجوبة، وأما أنت فهكذا خزائن علوم، هذا أمر بارع. أو كما قال.
وأخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: قدم المذكور علينا القاهرة مع الملك المظفر صاحب حماة، فسمعت منه، وأجاز لي جميع مروياته ومصنفاته، وذلك بالكبش من القاهرة في يوم الخميس التاسع والعشرين من المحرم سنة تسعين وست مئة. وهو من بقايا من رأيناه من أهل العلم الذين ختمت بهم المئة السابعة.
وأنشدني لنفسه مما كتب به لصاحب حماة الملك المنصور محمد بن مظفر:
يا سيداً ما زال نجم سعده ... في فلك العلياء يعلو الأنجما
إحسانك الغمر ربيع دائم ... فلا نرى في صفر محرما
ومن شعر قاضي القضاة جمال الدين بن واصل أيضاً:
وأعيذ مصقول العذار صحبته ... وربع سروري بالتأهل عامر
وفارقته حيناً فجاء بلحية ... تروع وقد دارت عليه الدوائر
فكررت طرفي في رسوم جماله ... وأنشدت بيتاً قاله قبل شاعر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقال مجيباً والفؤاد كأنما ... يقلقه في القلب مني طائر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قلت: ومن مصنفاته " التاريخ " الذي له، وكان مفرج الكروب في دولة بني أيوب وله " مختصر الأربعين في أصول الدين "، " وشرح الموجز في المنطق " لأفضل الدين الخونجي، و" شرح الجمل " له أيضاً، و" شرح قصيدة ابن الحاجب " في العروض والقوافي، و" التاريخ الصالحي "، و" مختصر الأدوية المفردة " لابن البيطار، واختصر " الأغاني الكبير "، وملكت به نسخة عظمى. وكان خطه عليها بعدما أضر، وكتاب " نخبة الأملاك في هيئة الأفلاك ".
محمد بن سعد الله
ابن مروان بن عبد الله القاضي الرئيس عز الدين ابن القاضي سعد الدين أبي الفضل ابن الشيخ الفقيه العدل بدر الدين الفارقي.
كان جيد الكتابة يكتب المطالعة بديوان الإنشاء بدمشق، وهو مرشح لكتابة السر، مشاراً إليه معظماً.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة سابع عشري، شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة، وعمره اثنان وخمسون سنة.