وزاده تصريحاً نجم الدين بن صابر المنجنيقي حيث قال:
أهلاً بوجه كالبدر حسنا ... صيرني حبه هلالا
قد رق حتى لحظت فيه ... سواد عيني فخلت خالا
وقال تاج الدين مظفر الذهبي:
لاح هلالاً وانثنى مثقفاً ... وصال ليناً ورنا غزالاً
لو لم تكن وجنته ماء لما ... خلت سواد العين فيه خالا
وكلهم أخذه من الشريف البياضي حيث قال:
بوجه شف ماء الحسن فيه ... فلو لثمت صحيفته لسالا
يؤثر فيه لحظ العين حتى ... رأيت سوادها في الخد خالا
محمد بن سالم
ابن نصر الله بن سالم بن واصل، القاضي الإمام العلامة جمال الدين بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة بحماة.
كان أحد الأئمة الأعلام، والقائمين بجمع العلوم الخافقة الذوائب والأعلام.
برع في العلوم الشرعية وطلع كالشمس في الفنون العقليه، وجمع شمل ما تفرق في العلوم الأدبيه. صنف وجمع وألف، ودخل في كل فن وما تخلى عنه ولا تخلف. وأفتى واشتغل ودرس، وقضى وحكم وفصل لما علم وتفرس. وبعد صيته واشتهر، وبرز على الأقران في الجدال ومهر. وغلب عليه الفكر إلى أن صار يذهل عن جليسه، ويغيب عن وجوده في حضرة أنيسه:
وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهمت وعندكم عقلي
ولي القضاء مدة مديده، وفاز منها بالسيرة الحميده، وأضر أخيراً، وحاز بذلك أجراً كبيرا.
ولم يزل على حاله إلى أن قطع عمر ابن واصل، ولم يبق في حياته حاصل.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة ثاني عشري شوال سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده بحماة في ثاني شوال سنة أربع وست مئة.
ودفن بتربته بعقبة بيرين.
وقيل إنه كان يشغل في حلقته في ثلاثين علماً وأكثر، وحضر حلقته نجم الدين دبيران المنطقي، وأورد عليه إشكالاً في المنطق.
وكان قد جهز عن صاحب مصر رسولاً إلى الأنبرور، فتوجه، فأعظمه الأنبرور، وسأله عن مسائل تتعلق بعلم المناظر وغيرها، فأخذها وبات بها، وأصبح وقد أملى الجواب عليها في مجلد صغير، فعظم في عين الأنبرور وقال: يا قاضي ما سألناك عن حلال ولا حرام في دينك الذي أنت فيه قاض، وإنما سألناك عن أشياء لا يعرفها إلا الفلاسفة الأقدمون، فأجبت عنها، وليس معك كتب ولا ما تستعين به، مثلك يكون قسيساً، وحسد المسلمين عليه، وزاد في تعظيمه وإكرامه، وأحضر له الأرغل وهو الآلة عندهم في الطرب، ولا يضرب به إلا في أيام أعيادهم، فقيل: إنه
ما اهتز له ولا تحرك، وعندهم إن أحداً ما يسمعه فيملك نفسه من الطرب، إلا أنه لما قام وجدوا كعابه مما حكها في البساط قد أدماها الحك، وبقي أثر الدم في البساط، فزاد تعجب الأنبرور منه أيضاً وأعطاه شيئاً كثيراً.
وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني غرائب من حفظه وذكائه، وحكى الحكيم السديد الدمياطي عنه أنه تعشى ليلة عند الشيخ علاء الدين بن النفيس، وصلينا العشاء الآخرة. قال: إلا أن القاضي جمال الدين كان يحتد في البحث ويحمار وجهه، والشيخ علاء الدين في غاية الرياضة، ثم إن القاضي آخراً قال: والله يا شيخ علاء الدين أما نحن فعندنا نكيتات ومواخذات وإيرادات وأجوبة، وأما أنت فهكذا خزائن علوم، هذا أمر بارع. أو كما قال.
وأخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: قدم المذكور علينا القاهرة مع الملك المظفر صاحب حماة، فسمعت منه، وأجاز لي جميع مروياته ومصنفاته، وذلك بالكبش من القاهرة في يوم الخميس التاسع والعشرين من المحرم سنة تسعين وست مئة. وهو من بقايا من رأيناه من أهل العلم الذين ختمت بهم المئة السابعة.
وأنشدني لنفسه مما كتب به لصاحب حماة الملك المنصور محمد بن مظفر:
يا سيداً ما زال نجم سعده ... في فلك العلياء يعلو الأنجما
إحسانك الغمر ربيع دائم ... فلا نرى في صفر محرما
ومن شعر قاضي القضاة جمال الدين بن واصل أيضاً:
وأعيذ مصقول العذار صحبته ... وربع سروري بالتأهل عامر
وفارقته حيناً فجاء بلحية ... تروع وقد دارت عليه الدوائر
فكررت طرفي في رسوم جماله ... وأنشدت بيتاً قاله قبل شاعر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقال مجيباً والفؤاد كأنما ... يقلقه في القلب مني طائر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
قلت: ومن مصنفاته " التاريخ " الذي له، وكان مفرج الكروب في دولة بني أيوب وله " مختصر الأربعين في أصول الدين "، " وشرح الموجز في المنطق " لأفضل الدين الخونجي، و" شرح الجمل " له أيضاً، و" شرح قصيدة ابن الحاجب " في العروض والقوافي، و" التاريخ الصالحي "، و" مختصر الأدوية المفردة " لابن البيطار، واختصر " الأغاني الكبير "، وملكت به نسخة عظمى. وكان خطه عليها بعدما أضر، وكتاب " نخبة الأملاك في هيئة الأفلاك ".
محمد بن سعد الله
ابن مروان بن عبد الله القاضي الرئيس عز الدين ابن القاضي سعد الدين أبي الفضل ابن الشيخ الفقيه العدل بدر الدين الفارقي.
كان جيد الكتابة يكتب المطالعة بديوان الإنشاء بدمشق، وهو مرشح لكتابة السر، مشاراً إليه معظماً.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة سابع عشري، شعبان سنة سبع عشرة وسبع مئة، وعمره اثنان وخمسون سنة.
وهو والد القاضيين محيي الدين محمد، وشهاب الدين أحمد، كاتبي الإنشاء بدمشق.
محمد بن سعيد بن أبي المنى
الإمام الفقيه بدر الدين الحلبي الحنبلي نزيل القاهرة.
سمع من التقي بن مؤمن، والعز بن الفراء، والأبرقوهي. ونسخ كثيراً، وحصل وأفاد. وكانت فيه صفات حميدة.
قال شيخنا الذهبي: انتقيت له جزءاً حدث به.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة أربع وسبعين وست مئة.
محمد بن سعيد بن عبد الله
تقي الدين المدني الحجازي، قارئ الحديث بالمدينة النبوية.
كان أسود اللون، فاضلاً في الأدب. ورد إلى دمشق، ثم توجه منها إلى القاهرة، ليعود إلى المدينة.
فتوفي رحمه الله بالقاهرة في شوال سنة تسع وتسعين وست مئة.
وسمع بالشام ومصر وكتب عنه من شعره شيخنا البرزالي.
ومولده في أحد الربيعين سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد
الصدر الرئيس الفاضل شرف الدين ابن الصدر شمس الدين بن الأثير الكاتب، تقدم ذكر والده.
كان شاباً حسناً عاقلاً وقوراً، كان قد أسره التتار في واقعة غازان فيمن أسروه، ومن الله عليه بالرجوع إلى وطنه، وكان وصوله إلى دمشق في تاسع عشر صفر سنة إحدى وسبع مئة، فأصيب بوالده، وترك له ميراثاً جيداً، فلم يتمتع به.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة، وكان على طريق حميدة ودفن عند والده.
محمد بن سعيد بن ريان
الطائي، القاضي، تاج الدين ابن الرئيس عماد الدين.
أول ما عرفت من أمره أنه كان كاتب إنشاء بحلب، ثم إنه حضر إلى القاضي كريم الدين الكبير لما جاء لزيارة بيت المقدس في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وأخذ كتابه إلى الأمير سيف الدين تنكز بأن يكون مباشراً بدمشق، فتولى نظر بعلبك وأقام بها مدة، ثم إنه توجه إلى حلب صاحب الديوان، ثم إنه خرج منها في واقعة لؤلؤ وعاد إلى دمشق وأقام بها على نظر البيوت وصحابة ديوان الجامع الأموي.
ودام على ذلك مدة، ثم أصابه فالج فأقعده في بيته بقدر أربع سنين أو أكثر، إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الاثنين ثاني عشري جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
وكان - رحمه الله تعالى - شكلاً حسناً، فيه رئاسة وسؤدد، حسن الأخلاق كريماً، يتجمل في ملبسه ومأكله، ويكتب خطاً جيداً.
ورأيته يكتب الكتاب مقلوباً من الحسبلة إلى البسملة في أي معنى اقترح عليه.
وبرع في كتابة الحساب والإنشاء.
ومات - رحمه الله تعالى - وقد تجاوز الستين قليلاً.
محمد بن سلمان بن حمائل بن علي
الصدر الرئيس الفاضل شمس الدين المقدسي، عرف بابن غانم. وقد تقدم ذكر أولاده شهاب الدين أحمد، وعلاء الدين علي، وبهاء الدين أبو بكر.
قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن ابن حمويه وابن الصلاح. وكان من أعيان الناس، معروفاً بالكتابة والكفاية والمعرفة والتقدم وحسن المحاضرة، وحصل كتباً نفيسة.
ولي التدريس بالعصرونية. وسمع أيضاً في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة من الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم بنابلس، وسمع بدمشق من القرطبي وابن مسلمة وجماعة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين
العلامة الزاهد جمال الدين أبو عبد الله البلخي الأصل، المقدسي، الحنفي المفسر، المعروف بابن النقيب، أحد الأئمة.
دخل القاهرة، ودرس بالعاشورية، ثم تركها وأقام بالجامع الأزهر مدة.
وكان صالحاً زاهداً متواضعاً عديم التكلف، أنكر على الشجاعي إنكاراً تاماً، بحيث إنه هابه وطلب رضاه. وكان الأكابر يترددون إليه ويلتمسون منه الدعاء.
صرف همته أكثر دهره إلى التفسير، وجمع تفسيراً حافلاً، جمع فيه خمسين مصنفاً. وذكر فيه أسباب النزول والقراءات والإعراب واللغات والحقائق في علم الباطن. قيل: إنه في ثمانين مجلدة. ولهذا التفسير نسخة في جامع الحاكم بالقاهرة.
قال شيخنا الذهبي: سمعت منه حديث علي بن حرب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بالقاهرة في شهر الله المحرم سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى عشرة وست مئة.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوني في تاريخه " البدر السافر " في ترجمة ابن النقيب هذا: وله نظم، منه يمدح الشيخ قطب الدين القسطلاني وهو قوله:
سألت أخاك البحر عنك فقال لي ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب
لنا ديمتا ماء ومال، فديمتي ... تماسك أحياناً وديمته سكب
إذا نشأت تبريه فله الندى ... وإن نشأت بحرية فلي السحب