وكان في مرح الشبيبة يجري مرخى الرسن، ويملأ عينيه في غفلة الزمان عنه من الوسن، وورثه والده جملة من الأملاك والعين، ورخت الإمرة الذي هو من النعمة الطائلة أحد النصفين، فأذهب الجميع وتحمل ما يقاربه من الدين.
ولم يزل على حاله إلى أن خسف الموت بدره في الكمال، وأودع في بطن الأرض منه جملة من الجمال.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في بكرة الأربعاء تاسع عشري شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
محمد بن عالي بن نجم
الشيخ شمس الدين الدمياطي.
سمع من النجيب، والمعين الدمشقي.
وأجاز لي بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ...
ومولده سنة خمسين وست مئة.
محمد بن عبد الجبار
معين الدين الأرمنتي الفلكي المعروف بابن الدويك.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: كان ينظم، وأنشدني من نظمه، وكان يعمل التقاويم، وأخبرني في بعض السنين أن النيل يقصر فجاء نيلاً جيداً، فعمل فيه بعض الشعراء أبياتاً منها قوله:
أخرم تقويمك يابن الدويك ... من أين علم الغيب يوحى إليك
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة أربعين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد
الإمام المفتي البارع شمس الدين أبو عبد الله ابن الشيخ المفتي الزاهد فخر الدين البعلبكي الحنبلي.
سمع من خطيب مردا، وشيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري، والفقيه محمد الونيني، والزين بن عبد الدائم، والرضي بن البرهان، والنجم البادرائي، وجماعة، وتفقه على والده على الشيخ شمس الدين بن قدامة، وجمال الدين بن البغدادي، ونجم الدين بن حمدان.
وقرأ الأصول على مجد الدين الرووراوري، وبرهان الدين المراغي.
وقرأ الأدب على الشيخ جمال الدين بن مالك. وحفظ القرآن وصلى بالناس وهو
ابن تسع، وحفظ " المقنع " و" منتهى السول "، و" مقدمتي " أبي البقاء، وقرأ معظم " الشافية " لابن مالك.
وكان أحد الأذكياء المناظرين العارفين بالمذهب وأصوله، والنحو وشواهده، وله معرفة حسنة بالحديث والأسماء غير ذلك وعناية بالرواية. وأسمع أولاده الحديث.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة أربع وأربعين.
قال شيخنا الذهبي: سمع بقراءتي " معجم " الشيخ علي بن العطار، ولي منه إجازة.
وكان يبحث مع الشيخ تقي الدين بن تيمية.
محمد بن عبد الرحمن بن سامة
ابن كوكب بن عز بن حميد الطائي السوادي، الدمشقي الصالحي الحنبلي، الحافظ المتقن المحدث الصالح شمس الدين أبو عبد الله، نزيل القاهرة.
سمعوه من ابن عبد الدائم. وطلب بنفسه فسمع من ابن أبي عمر، وابن الدرجي، والكمال عبد الرحيم، وأصحاب حنبل والكندي. وارتحل فسمع بمصر من العز الحراني، وابن خطيب المزة، وغازي الحلاوي، وببغداد من الكمال الفويرة وعدة بواسط وحلب والثغر، وانتهى إلى أصبهان. قال شيخنا الذهبي: وما أظنه ظفر بها برواية.
وقرأ الكثير من الأمهات، وانتفع به الطلبة.
وكان فصيحاً سريع القراءة حسن الخط، له مشاركة في أشياء، وفيه كيس وتواضع ودين وتلاوة، وله أوراد، وتزوج بأخرة.
وكان عمه شهاب الدين بن سامه محدثاً عدلاً شروطياً، نسخ الأجزاء وحمل عن ابن عبد الدائم وعدة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - رابع عشري ذي القعدة يوم الثلاثاء سنة ثمان وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة.
وكانت وفاته بالقاهرة، ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي.
محمد بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب
بهاء الدين الأسنائي.
كان فقيهاً فرضياً فاضلاً، تفقه على الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، وقرأ عليه الأصول والفرائض والجبر والمقابلة، وكان يقول له: إن اشتغلت ما يقال لك إلا الإمام.
وكان حسن العبارة، ثاقب الذهن، ذكياً، فيه مروة، بسببها يقتحم الأهوال، ويسافر في حاجة صاحبه الليل والنهار.
قال كمال الدين جعفر: ثم ترك الاشتغال بالعلم وتوجه لتحصيل المال فما حصل عليه ولا وصل إليه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بقوص ليلة الأضحى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد
بن زيد
البقراط الدندري، بدالين مهملتين بينهما نون ساكنة وبعد الدال راء.
قرأ القرآن على أبي الربيع سليمان الضرير البوتيجي، وقرأ أبو الربيع على الكمال الضرير، وتصدر للإقراء، وقرأ عليه جماعة بدندرا، واستوطن مصر مدة واشتغل بالنحو مدة، واختصر " اللمحة " نظماً، وقال في أول اختصاره:
وها أنا اخترت اختصار اللمحة ... أمنحه الطلاب فهو منحه
وفي الذي اختصرته الحشو سقط ... ليقرب الحفظ ويبعد الغلط
وفيه أيضاً بما أريد ... فائدة يحتاجها المريد
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وهو الآن حي.
قلت:....
محمد بن عبد الرحمن بن محمد
ابن عمر بن عبد الرحيم، الصدر الرئيس الكاتب شهاب الدين، أبو عبد الله بن العجمي كاتب الدرج بحلب، وهو أخو الشيخ عز الدين عبد المؤمن، وأخو الخطيب شمس الدين أحمد.
وقد تقدم ذكرهما في مكانيهما، وكانوا قد سمعوا على الشيخ كمال الدين بن النصيبي " الشمائل " للترمذي في سنة ثمان وثمانين وست مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - تاسع عشر شوال سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن بتربتهم.
محمد بن عبد الرحمن بن عمر
الشيخ الإمام العلامة، ذو الفنون، قاضي القضاة جلال الدين أبو عبد الله القزويني الشافعي الأشعري.
سمع من الشيخ عز الدين الفاروثي وطائفة. وأخذ المعقول عن شمس الدين الأيكي.
كان قاضي القضاة جلال الدين شريف الخلال، منيف الجلال، وارف الظلال، صارف الملال، طود حلم، وبحر علم، يتموج فضائل، ويتبرج براهين ودلائل، بذهن يتوقد، ويدور على قطب الصواب كالفرقد، قد ملأ الزمان جودا، وجعل أقلام الثناء عليه ركعاً وسجودا.
ولم ير قاض أشبه منه بوزير، ولا إنسان كأنه وفي أثوابه أسد يزير، يجلس إلى جانب السلطان في دار عدله، ويغدو كالشمس بين أهلة وأهله، مهما أشار به هو الذي يكون، ومهما حركه فهو الذي لا يعتريه سكون. يرمل على يد السلطان لا يفعل ذلك غيره إذا حضر، ولا يتقدم عليه سواه من أشراف ربيعة أو مضر:
فالأمر مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد
جمع بين قضاء الشام والخطابة، وفاز في كل المنصبين بالإصابة، وطلب إلى قضاء الديار المصرية فسد ما فسد، وعوذته مكارمه " من شر حاسد إذا حسد "، وأقام هناك مدة ينشر ألوية علومه، ويفيض على الناس سواكب غيومه. ثم إنه عاد إلى الشام عود الغمام إلى الروض إذا ذوى، والبدر التمام إلى الأفق الذي زل نجمه وهوى، فجدد معاهد الفضل والإفضال، وعمر غابه بالليث الخادر أبي الأشبال.
ولم يزل على حاله إلى أن زال ذلك الطود، وزل وتقشع ذلك المطر الجود.
وتوفي - رحمه الله تعالى - منتصف جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. وشيع جنازته خلق عظيم، ودفن في مقابر الصوفية.
ومولده بالموصل سنة ست وستين وست مئة.
وسكن الروم مع والده وأخيه، وولي بها قضاء ناحية وله من العمر نحو ثلاثين سنة، وتفقه وناظر واشتغل، وتخرج به الأصحاب، وناب في قضاء لأخيه قاضي القضاة سنة ست وتسعين، وناب في ما أظن لقاضي القضاة نجم الدين بن صصرى في أول المحرم سنة خمس وسبع مئة. وولي خطابة الجامع الأموي مدة.
وطلبه السلطان إلى دمشق في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وشافهه بولاية قضاء الشام، ووصله بذهب كثير ولما طلبه دافع عنه تنكز، فقال: هذا عليه ديون كثيرة، وابنه نحس ما يجمل أن يكون أبوه قاضي القضاة. فقال
السلطان: أنا أوفي دينه، وولده أنا أدعه يقيم في الديار المصرية. فجهزه في نصف جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة. صلى بالناس صلاة الخسوف لأن القمر خسف تلك الليلة. ثم إنه صلى الصبح يوم الخميس وسافر إلى القاهرة.
وعاد إلى دمشق في خامس شهر رجب يوم الخميس، وباشر المنصب على أتم ما يكون وصرف مال الأوقاف على الفقراء والمحتاجين وراك المدارس، واستناب الشيخ جمال الدين بن جملة والشيخ فخر الدين المصري.
ولما كان في يوم الجمعة نصف جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة وصل البريد إلى دمشق فطلبه إلى مصر وولاه السلطان قضاء الديار المصرية، وعظمه ورفع شأنه، ورأى من العز والوجاهة ما لا رآه غيره.
وكان يرمل على يد السلطان في دار العدل.
قال لي القاضي شرف الدين أبو بكر بن الشهاب محمود، وقد كان كاتب السر بمصر، وقد خرج من يوم اثنين نهار دار عدل: اليوم أخرج قاضي القضاة جلال الدين من كمه ست عشرة قصة غير ما شفع فيه وأشار به وشكر منه، والجميع يقضيه السلطان وما يرده.
وحج مع السلطان، ورتب له ما يكفيه بزيادات، وأحسن في مصر إلى أهلها وإلى الشاميين، وكان في باب السلطان ذخراً وملجأ لمن يقصده من الشاميين يشفع له ويساعده على مقاصده، ويصله عند قدومه وعند سفره وما بين ذلك. وأحبه المصريون، وفتح لهم باب الاشتغال في الأصول. كنت يوماً عنده وقد جاء إليه محضر فيه شهود، فوقف على أسماء الشهود اسماً اسماً، والتفت وقال: من هو فلان؟ فقال أحد الواقفين: أنا يا مولانا، فقال له: ما أنت الذي كان يعمل الدوادارية لقبجق؟