بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 496

وعلى الجملة فكان من أفراد الزمان في مجموعه علماً وعقلاً وأخلاقاً. وأجاز لي بخطه في سنة ثمان وعشرين بالقاهرة.
وكتبت أنا إليه أهنيه في الديار المصرية لما قدم من الحج سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بقصيدة فائية وهي:
من خص ذاك البنان الغض بالترف ... وزان ذاك القوام اللدن بالهيف
وضم في شفتيها در مبسمها ... فراح من أحمر المرجان في صدف
وحلل الفرق فرعاً من ذوائبها ... والبدر أحسن ما تلقاه في السدف
علقتها من بنات الترك قد غنيت ... بدمع عاشقها عن منة الشنف
يلقى المتيم من تثقيف قامتها ... ما لا يلاقيه كوفي من الثقفي
ومنها:
في حفظ سالفها للحسن ترجمة ... فاقت وما اتفقت للحافظ السلفي
يا للهوى عينها عين؛ وحاجبها ... نون وتم العنا من قدها الألفي
يا هذه إن للأشعار معجزةً ... تبقى عن السلف الماضين للخلف
ضعي بنانك مخضوباً على جسدي ال ... بالي ليجتمع العناب بالحشف
يا عاذلي في هوى عيني محجبة ... خف شر ناظرها، فالسر فيه خفي
ودع فؤادي ودعه نصب ناظرها ... لا ترم نفسك بين السهم والهدف
إني لأعجب للعذال كيف رأوا ... شخص وقد رحت ذا روح تردد في


صفحه 497

أليس يشغلهم طيب الثناء على ... قاضي القضاة جلال الدين عن شغفي
ويستفزهم أفراح مقدمه ... من حجه وهو مثل الشمس في الشرف
حج غدا حجة في الدهر ثابتة ... إن ينكسف نورها للشمس تنكسف
كم جاب في سيره والعيس قد سئمت ... جذب البرى والسرى في مهمه قذف
والركب من فضله أو من فضائله ... ما بين مغترف منه ومعترف
حتى نضا الإحرام ملبسه ... عن الهدى والندى والعلم والصلف
وراح ذا جسد قد طاب عنصره ... عار من العار بالإحسان ملتحف
ما مس طيباً وإن كان الحجيج بما ... أثنوا عليه غدوا في روضة أنف
وأم أم القرى ذات القرار ومن ... يطلب رضى الله في تلك الديار كفي
وطاف بالبيت فارتاح المقام له ... لما تمسك بالأستار والسجف
فكل ركن إذا حاذاه منكبه ... يود لو كان عنه غير منعطف
وراح في عرفات واقفاً وله ... عرف يسير به عرق ولم يقف
وفي منى كم أنال الطالبين منى ... أمسوا بها عن سطا الأعداء في كنف
وجاء طيبة يقضي حق ساكنها ... ومثل ذمته ترعى له وتفي
وزار من لم يزل في نصر ملته ... وشرعه بالقضا يا خير معتكف
هذا الإمام الذي ترضى حكومته ... خلاف ما قاله النحوي في الصحف
حبر متى جال في بحث وجاد فلا ... تسأل عن البحر والهطالة الوكف
له على كل قول بات ينصره ... وجه يصان عن التكليف بالكلف
قد دب عن ملة الإسلام ذب فتى ... يحمي الحمى بالعوالي السمر والزعف
ومذهب السنة الغراء قام به ... وثقف الحق من حيف ومن جنف
يأتي بكل دليل قد جلا جبلاً ... فليس ينسفه ما مغلط النسفي


صفحه 498

وقد شفى العي لما بات منتصراً ... للشافعي بزعم المذهب الحنفي
تحمي دروس ابن إدريس مباحثه ... فحبذا خلف منه عن السلف
فما رأى ابن سريج إذ يناظره ... من خيل ميدانه فليمض أو يقف
ولو أتى مزني الوقت أغرقه ... ولم يعد قطرةً في سحبه الذرف
وقد أقام شعار الأشعري فما ... يشك يوماً ولا يشكو من الدنف
وليس للسيف حد يستقيم له ... ولو تصدى له ألقاه في التلف
والكاتبي غدا في عينه سقم ... إذ راح ينظر من طرف إليه خفي
من معشر فخرهم أبقاه شاعرهم ... في قوله: " إنما الدنيا أبو دلف "
هو الحفي بما يوليه من كرم ... فما جرى قلم في مدحه فحفي
لو شاء في رفعة من مجده وغلا ... لمد نحو الثريا كف مقتطف
قد زان أيامه عدل ومعرفة ... فسعده في دوام غير منصرف
يغدو الضعيف على الباغين منتصراً ... ولم يكن قبله منهم بمنتصف
لو يشتكي النهر مثل الغصن عنه مع الصبا إليه رمى عطفيه بالقصف
بل لو شكى الدهر خصم من بنيه غدا ... من خوفه بين مرتج ومرتجف
دامت مآثره اللاتي أنظمها ... تهدي لسمع المعالي أحسن التحف
ما رسخت عذبات البان سافحةً ... من الصبا وشفت صباً من الأسف
فكتب هو إلي قرين ما بعث به:
يا مولانا هذه الأبيات التي تفضلت بإرسالها، وأنبطت معين زلالها، ما أقول فيها إلا أنها ذهب مسبوك، أو وشي محبوك، أو ستر ظلام عن الذراري مهتوك،


صفحه 499

أو دمع مسفوح من صب دمه في الحب مسفوك، قد رق وراق وراع، وأمال الأعطاف وشنف الأسماع، وتألق في دياجي سطوره برق معناه اللماع. كم قد تلعبت فيه بضروب الفنون، وخضت من أنواع العلوم في شجون، أخملت أرج الخمائل من الأرجاني، وأهنت ما عز من أبكار ابن هاني:
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع ... قولاً يقال ولا بديعاً يدعى
فكذا فليكن كلام الأفاضل، وكذا فليكن من يناصر أو يناضل. لقد تفضل مولانا بأوصاف هو أحق بها ممن وصفه، وأولى بأن يجعل إليه مرجعه ومصرفه، ومن تمام الإحسان العميم والبر الجسيم، قبول ما جهزه المملوك صحبة محكم القاضي ضياء الدين فإنه نزر، وما يقابل من هذا مده بهذا الجزر، والله تعالى يمتع الزمان وأهله بهذه الكلمات، ويمد بعونه في الحركات والسكنات، إن شاء الله تعالى.

محمد بن عبد الرحمن
الصدر الرئيس الكبير، القاضي شرف الدين ابن القاضي الكبير ابن العدل أمين الدين سالم ابن الحافظ بهاء الدين أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التغلبي الدمشقي.
سمع كثيراً من الحديث. وسمع رضيعاً بقراءة شيخنا البرزالي على والديه وجدته


صفحه 500

وخاله، ثم سمع على الشيخ فخر الدين بن البخاري " مشيخة " بكمالها. وكان صدراً يملأ العين والصدر، ويجعل لمحاسنه البدر، يستحيي الغمام من جوده، ويهب كل ما هو في موجوده، ساد على الدماشقة، بكثرة المكارم، وعلم الناس السماح حتى الغمائم:
ولهذا أثنت عليه الليالي ... ومشت دون سعيه الأيام
ولم يزل في المعالي يترقى ويحاذر الملام ويتوقى إلى أن فاضت نفسه وهو محرم يلبي، وختم الله له بخير فهو يخبأ له عمله ويربي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سابع ذي الحجة سنة سبع عشرة وسبع مئة، وعمره خمسة وثلاثون سنة، ودفن ضحوة يوم التروية بمقبرة الحجون على باب مكة.
وكان له همة وعزمة ومعرفة وكفاية. باشر بدمشق نظر الأشراف، ونظر الجامع الأموي، ولبس خلعة بصحابة الديوان في سادس عشر المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولبس الصاحب غبريال أيضاً لنظر الدواوين، وكان هو قد وصل من حماة إلى دمشق في شهر رمضان سنة ثمان وسبع مئة، وكان لها ناظراً لما أقطعت حماة للأمير سيف الدين قبجق، وولي عوضه بهاء الدين عبد الصمد بن المغيزل وباشر نظر الجامع الأموي في ذي القعدة من السنة المذكورة.
ومن مكارمه ما حكاه لي عنه القاضي الرئيس ضياء الدين أبو بكر بن خطيب بيت الآبار بالقاهرة، قال: كنا عنده ليلة وقد أحضر حلوى ليجهزها لبعض أصحابه الذين يقدمون من الحجاز، قال: فأكلناها بمجموعها، ثم إنه أحضر عوضها مرة


صفحه 501

أخرى، فأكلناها بمجموعها، ثم إنه أحضر الثالثة، وأنا في شك هل قال: فأكلناها، وأحضر الرابعة أو لا، وأهل دمشق يحكون عن كرمه غرائب - رحمه الله تعالى -.
وكان قد تولى صحابة الديوان بدمشق في سادس عشر المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وخلع عليه وعلى الصاحب شمس الدين غبريال.

محمد بن عبد الرحيم بن الطيب القيسي
الأندلسي الضرير العلامة الضرير المقرئ أبو القاسم.
تلا بالسبع على جماعة، وسكن سبتة، أراده الأمير العزفي أن يقرأ في شهر رمضان " السيرة " فبقي يدرس في كل يوم ميعاداً ويورده، فحفظها في شهر رمضان. وكان طيب الصوت صاحب فنون، يروي عن أبي عبد الله الأزدي، وأخذ عنه أئمة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رمضان سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاثين وست مئة أو نحوها.

محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي
الشيخ الإمام العلامة المحقق صفي الدين أبو عبد الله الشافعي الأشعري المعروف بالهندي.


صفحه 502

كان قيماً لفن الكلام، عارفاً بغوامضه التي خفيت عن السيف والإمام، لو رآه ابن فورك لانفرك، أو الباقلاني لقلا معرفته، ووقع معه في الدرك، أو أمام الحرمين لتأخر عن مقامه، أو الغزالي لما نسج " المستصفى " إلا على منواله ولا رصفه إلا على نظامه، أو ابن الحاجب لحمل العصا أمامه، وجعله دون الناس إمامه. مع سلامة باطن تنعته يوم حشره، وديانة طواها الحافظان له إلى يوم نشره، ومودة لا تنسى عهودها، ولا تجفو على كبره مهودها، وانعطاف على الفقراء وحنو، وبراءة من الكبرياء والعتو. أقرأ الكبار وأفادهم، وأفاض عليهم فضلة فضله وزادهم.
ولم يزل على حاله إلى أن تكدر للصفي مورد حياته، وناداه الموت بإغفال شياته، فبات الدين وقد ثلم هنديه، وثل عرش الأصول بل هد نديه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الثلاثاء تاسع عشري صفر سنة خمس عشرة وسبع مئة بمنزله بالمدرسة الظاهرية بدمشق، ودفن في مقابر الصوفية.
ومولده في ليلة الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وست مئة بالهند.
وكان له جد لأمه فاضل من أهل العلم هو شيخه، قرأ عليه ومات سنة ستين وست مئة، وخرج من دهلي البلد المشهور بالهند في شهر رجب سنة سبع وستين وست مئة، ودخل اليمن، وأقام بمكة نحواً من ثلاثة أشهر، واجتمع بابن سبعين.
ولما كان باليمن أكرمه المظفر وأعطاه أربع مئة دينار. ثم إنه ركب البحر،


صفحه 503

ودخل الديار المصرية في سنة سبعين، وخرج منها، ودخل البلاد الرومية وأقام بها إحدى عشرة سنة، منها خمسة بقونية، وخمسة بسيواس، وسنة بقيصرية. ودرس بقونية وسيواس، واجتمع بالقاضي سراج الدين الأرموي وأكرمه وأخذ عنه المعقول.
وخرج من الروم سنة خمس وثمانين وست مئة، وقدم دمشق وأقام بها واستوطنها وعقد حلقة الإشغال بالجامع الأموي وقرأ عليه الأعيان وفضلاء الناس، ودرس في دمشق بالروحانية والدولعية والأتابكية والظاهرية. وكان مقصوداً بالاستفتاء، ويكتب كثيراً في الفتاوى. وكان فيه خير وديانة وبر للفقراء يفطر في شهر رمضان عشرة من الفقراء الضعفاء.
وصنف في أصول الدين كتاب " الفائق "، وكان يقوم في الليل فيتوضأ ويلبس أفخر ثيابه، وعلى ما قيل حتى الخف والمهماز، ويصلي ورده في جوف الليل، وكان يحفظ ربع القرآن لا غير. قيل عنه إنه قرأ يوماً في الدرس: " المص "، مصدر يمص مصاً، ولم ينطق بها حروفاً مقطعة كما هو لفظ التلاوة.
وممن تخرج عليه الشيخ صدر الدين بن الوكيل وغيره، وأظن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أيضاً، وكان في بعض مدارسه ناظر لا ينصفه، فقال: هذه المدرسة يعمل فيها بآيتين من كتاب الله تعالى، المدرس: " ليس لك من الأمر شيء "، والناظر: " لا يسأل عما يفعل ".
ولما عقد بعض المجالس للعلامة تقي الدين بن تيمية عين صفي الدين الهندي