بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 50

الأعيان مدة. وتقدم في معرفة الشروط. ثم إنه اقتصر على جهات تقوم به، وحصل كتباً جيدة، وأجزاء في أربع خزائن، وبلغ عدد مشايخه بالسماع أزيد من ألفين، وبالإجازة أكثر من ألف، رتب كل ذلك وترجمهم في مسودات متقنة.
وكان - رحمه الله تعالى - رأساً في صدقه، بارعاً في خدمه، أميناً صاحب سنة واتباع، ولزوم فرائض ومجانبة الابتداع، متواصعاً مع أصحابه ومن عداهم، حريصاً على نفع الطلبة وتحصيل هداهم، حسن البشر دائمه، صحيح الود حافظ السر كاتمه، ليس فيه شر، ولا له على خيانة مقر، فصيح القراءة عدم اللحن والدمج، ظاهر الوضاءه، لا يتكثر بما يعرف من العلوم، ولا يتنقص بفضائل غيره، بل يوفيه فوق حقه المعلوم.
وكان عالماً بالأسماء والألفاظ، وتراجم الرواة والحفاظ، وخطه كالوشي اليماني، أو رونق الهنداوني، لم يخلف بعده في الطلب وعمله مثله، ولا جاء من وافق شكله شكله.
ولم يزل على حاله إلى أن حج سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، فتوفي بخليص محرماً بكرة الأحد رابع ذي الحجة عن أربع وسبعين سنة ونصف، وتأسف الناس عليه.
وكان - رحمه الله تعالى - لدمشق به في الحديث جمال، بلغ ثبته أربعاً وعشرين مجلداً، وأثبت فيه من كان يسمع معه، وله " تاريخ " بدأ فيه من عام مولده الذي توفي فيه الإمام أبو شامة، فجعله صلة لتاريخ أبي شامة في ثماني مجلدات، وله مجاميع وتعاليق كثيرة، وعمل كثير في الرواية، قل من وصل إليه، وخرج أربعين


صفحه 51

بلدية، وحج سنة ثمان وثمانين وأخذ عن مشيخة الحرمين. وحج غير مرة، وكان باذلاً لكتبه لا يمنعها من سأله شيئاً منها، سمحاً في كل أموره، مؤثراً متصدقاً، وله إجازات عالية عام مولده من ابن عبد الدائم وإسماعيل بن عزون والنجيب وابن علاق، وحدث في أيام شيخه ابن البخاري.
ولي دار الحديث مقرئاً فيها، وقراءة الظاهرية سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وحضر المدارس، وتفقه بالشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، وصحبه، وأكثر عنه، وسافر معه، وجود القراءة على رضي الدين بن دبوقا، وتفرد ببعض مروياته. ثم تولى مشيخة دار الحديث النورية، ومشيخة النفيسية، ووقف كتبه وعقاراً جيداً على الصدقات.
وقرأت أنا عليه بالرواحية قصيدة لابن إسرائيل يرويها عن المصنف سماعاً، وهي في مديح سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولها:
غنها باسم من إليه سراها
وقرأت أيضاً عليه قصيدتين ميمية، أولها:
هي المنازل فانزل يمنة العلم
ودالية أولها:
قلب يقوم به الغرام ويقعد
في مديح سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نظم الضياء أبي الحسن علي بن محمد بن يوسف الخزرجي رواهما لي سماعاً عن المصنف بالإسكندرية.


صفحه 52

وسمعت عليه وعلى الحافظ جمال الدين المزي " جزء الأربعين العوالي، من المصافحات والموافقات والأبدال "، تخريج ابن جعوان للقاضي دانيال. وقرأت عليه غير ذلك، وقرأ هو علي قطعة من شعري.
وكان دائم البشر لي جميل الود، وكان من عقله الوافر وفضله السافر أنه يصحب المتعاديين، وكل منهما يعتقد صحة وده، ويبث سره إليه.
وكان العلامة تقي الدين بن تيمية يوده ويصحبه، والشيخ العلامة كمال الدين بن الزملكاني يصحبه ويوده ويثني عليه.
وقال القاضي شهاب الدين بن فضل الله يرثيه:
تراهم بالذي ألقاه قد علموا ... شط المزار، وبان البان والعلم
لهفي عليهم وقد شدوا ركائبهم ... عن الديار ولا يثني بهم ندم
قد كان يدنيهم طيف ألم بنا ... فالآن لا الطيف يدنيهم ولا الحلم
الله أكبر كم أجرى فراقهم ... دمعاً، وعاد بمن لا عاد وهو دم
أموا الحجاز فما سارت مطيتهم ... حتى استقلت دموعاً قدمت لهم
وأحرموا لطواف البيت لا حرموا ... من لذة العيش طول الدهر لا حرموا
زاروا النبي وساروا نحو موقفهم ... حتى إذا فارقوا مطلوبهم جثموا
يا سائرين إلى أرض الحجاز لقد ... خلفتم في حشاي النار تضطرم
هل منشد فيكم أو ناشد طلباً ... أضللته وادلهمت بعده الظلم


صفحه 53

قد كان في قاسم من غيره عوض ... فاليوم لا قاسم فينا ولا قسم
من لو أتى مكةً مالت أباطحها ... به سروراً، وجادت أفقها الديم
هذا الذي يشد المختار هجرته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
أقسمت منذ زمان ما رأى هجرته ... لقاسم شبهاً في الأرض لو قسموا
هذا الذي يشد المختار هجرته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
ما كان ينكره ركن الحطيم له ... لو أخر العمر حتى جاء يستسلم
له إليه وفادات تقر بها ... جبال مكة والبطحاء والأكم
محدث الشام صدقاً بل مؤرخه ... جرى بهذا وذا فيما مضى القلم
يا طالب العلم في الفنين مجتهداً ... في ذا وهذا ينادى المفرد العلم
يروي حديث العوالي عن براعته ... وماله طاعن فيها ومتهم
قد كان يدأب في نفع الأنام ولا ... يرده ضجر منه ولا سأم
وحقق النقد حتى بان بهرجه ... وصحح النقل حتى ما به سقم
وعرف الناس كيف الطرق أجمعها ... إلى النبي فما حاروا ولا وهموا
وعرف الناس في التاريخ ما جهلوا ... وبعض ما جهلوا أضعاف ما علموا
يريك تاريخه مهما أردت به ... كأن تاريخه الآفاق والأمم
ما فاته فيه ذو ذكر أخل به ... ولو يروم لعادت عاد أو إرام
إذا نشرت له جزءاً لتقرأه ... تظل تنشر أقواماً وهم رمم
يا أيها الموت مهلاً في تفرقنا ... شتت شمل المعالي وهو منتظم
تجد فينا وتسعى في تطلبنا ... اصبر سنأتيك لا تسعى بنا قدم
قد ظفرت بفرد لا مثيل له ... وإن أردت له مثلاً فأين هم
يا ذاهباً ما لنا إلا تذكره ... آهاً عليك وآه كلها ألم
جادت عليك من الغفران بارقة ... عراء يضك فيها البارد الشيم


صفحه 54

تروي ثراك وتسقى من جوانبه ... إلى جوانب حزوى البان والسلم
وحل أرض خليص كل ريح صبا ... بنشرها تبعث الأردان واللمم
وخيمت دون عسفان لها سحب ... تسقى بأنوائها السكان والخيم
لهفي عليك لتحرير بلغت به ... ما ليس تبلغه أو بعض الهمم
ما الحافظ السلفي الطهر إن ذكرت ... أسلافك العز والآثار والكرم
قطعت عمرك في فرض وفي سنن ... هذي الغنيمة والأعمار تغتنم

أبو القاسم بن الأجل
الصاحب جلال الدين.
أول ما علمته من حاله أنه كان من جملة كتاب حلب، فلما كان في أيام الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور نائب دمشق في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، حضر على البريد من مصر على يده مرسوم شريف بأن يكون مستوفياً بدمشق، فما مكنه ورده رداً قبيحاً. ولما مات أيدغمش - رحمه الله - عاد بعد ذلك وباشر الاستيفاء بدمشق مدة.
ولم يزل على حاله إلى أن توجه إلى مصر بحساب دمشق، وذلك في سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، أو أوائل سنة تسع وأربعين.
وراح على أنه يصلح حال معاملة دمشق، فعاد منها وقد تولى نظر النظار بدمشق عوضاً عن الصاحب شمس الدين بن التاج إسحاق، فما هان ذلك على الأمير سيف الدين أرغون شاه.


صفحه 55

واستمر به وهو منكر الوجه عليه، فضاق عطنه لذلك، ولم يقم إلا قليلاً، وطلب الإعفاء من المباشرة. فكتب أرغون شاه بذلك، وطلب عود الصاحب شمس الدين بن التاج إسحاق، فأعيد.
واستمر الصاحب جلال الدين على نظر الحرمين القدس الشريف وحرم الخليل عليه السلام، عوضاً عن الصاحب شمس الدين، وأقام على ذلك مدة ثم توجه إلى مصر وأقام مدة. وحضر صحبة ركاب الملك الصالح صالح إلى دمشق في واقعة بيبغاروس، وعاد صحبة الركاب إلى مصر، وحنا عليه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار، وبقي يذكر به الأمير سيف الدين شيخو، وتوجه صحبة شيخو إلى الصعيد، ورأى تلك الأحوال وما بذله شيخو من السيف في أهل الصعيد، وعاد، ثم إنه ولي استيفاء الصحبة بالقاهرة، وحضر هو والأمير سيف الدين جرجي إلى دمشق، بسبب ديوان المهمات، وتذكرة على يده في حال معاملة دمشق.
ثم إنه عاد إلى مصر وأقام إلى أن انفصل من الاستيفاء، وأقام بمصر بطالاً إلى أن استخدم قبل موته بأشهر قلائل في نظر الخزانة البرانية فيما أظن إلى أن توفي رحمه الله تعالى في طاعون مصر سنة أربه وستين وسبع مئة.

أبو القاسم بن عثمان
الأمير صفي الدين البصروي الحنفي، أخو الأمير نجم الدين محمد البصروي، ابن أخي قاضي القضاة صدر الدين الحنفي، وسيأتي ذكر أخيه في مكانه من المحمدين إن شاء الله تعالى.


صفحه 56

كان فقيهاً فاضلاً في مذهبه، ناهلاً ما صفا من الفضائل في مشربه، ودرس ببصرى زماناً، وكان على ما يعانيه من ذلك معاناً.
وله إقطاع في الحلقة يأكله، ويتخذ من العلم ما يشاكله، يلبس القباء والعمة المدوره، ويبرز بذلك في صورة مركبة بين الأمراء والعلماء مصوره، ثم إنه أعطي الطبلخاناه، وانسلخ من ذلك الزي الذي عاناه.
ولم يزل على حاله إلى أن كدر بالموت صفاؤه، وحان بالوفاء وفاؤه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أواخر سنة تسع وخمسين وسبع مئة أو أوائل سنة ستين وسبع مئة، وكان من أبناء الستين تقريباً.
كان لأخيه الأمير نجم الدين على السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون خدم يرعاها له لما كان بالكرك، ولما مات نجم الدين رعى حق أخيه، وأعطاه إمرة عشرة - فيما أظن - مضافاً لما بيده من تدريس المدرسة ببصرى، فيلبس قباء وعمامة مدورة ويتوجه كل قليل إلى باب السلطان بالخيول المثمنة الجيدة العربية.
ولما كان بعد موت الأمير تنكز - رحمه الله تعالى - ألزمه السلطان بلبس الكلوتة، ثم أعطي طبلخاناه، وكانت جيدة.
ولما ورد الأمير سيف الدين أرغون شاه إلى دمشق نائباً أخذه الأفرم منه وجهزه إلى حلب على إمرة غيرها، فلما قتل أرغون شاه عاد الأمير صفي الدين إلى دمشق على حاله.
وتولى نابلس فعمل الولاية على أتم ما يكون من الأمانة والمهابة والحرمة، وأقام بها قليلاً وسأل الإقامة منها، فأجيب إلى ذلك.


صفحه 57

وتولى نظر الحرمين القدس والخليل عليه السلام، وعمله على أتم ما يكون وذلك في آخر عمره، وفيه توفي - رحمه الله تعالى.
وكان له نظم متوسط - رحمه الله تعالى -، وقد تقدم ذكر أخته فخرية أم يوسف في حرف الفاء مكانه.

القاسم بن مظفر بن محمود
ابن تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن عساكر.
الشيخ الجليل الطبيب المعمر مسند الشام بهاء الدين أبو محمد الدمشقي.
له حضور في سنة مولده على مشهور النيرباني، وحضر في الثانية على كريمة القرشية، وحضر في الثالثة على سيف الدولة بن غسان، والفخر الإربلي، ومكرم بن أبي الصقر، وعم جده أبي نصر عبد الرحيم بن محمد، وحضر سنة اثنتين وثلاثين وست مئة على ابن المقير، وسمع في سنة أربع وثلاثين من ابن اللتي والقاضي شمس الدين بن سني والعز النسابة وطائفة، وأجاز له خاصاً وعاماً، مثل أبي الوفاء بن مندة، وابن روزبه والقطيعي وخلق.
وكان يعالج المرضى مروءة، وله من ملكه ومغله ووقفه شيء وافر. وخدم في ديوان الخزانة مدة، ثم ترك ذلك وكبر وارتعش خطه.
خرج له المفيد ناصر الدين بن الصيرفي " معجماً " حافلاً في سبع مجلدات،