وكان قد جاءه يوماً حمل دبس هدية من بعلبك، فأخذه الردادون الذين يقفون في الطريق لأجل المكس. فقالوا: هذا للشيخ تقي الدين الهندي. فقالوا: هاتوا خطه، فحضروا إليه وأخذوا خطه. وقد كتب: صفي الدين هندي في حمل دبس، إن يكن هو هو فهو هو وإلا فليس به، وكانت في لسانه عجمة الهنود.
محمد بن عبد الرحيم بن إبراهيم
ابن هبة الله البارزي، القاضي كمال الدين أبو عبد الله بن البارزي الجهني الحموي.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: كان رجلاً جيداً موصوفاً بالخير، عنده مروة وانقطاع، وكان من الفقهاء المدرسين، روى لنا عن جده، وسمع حضوراً من صفية القرشية.
توفي - رحمه الله تعالى - في العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده في ثالث صفر سنة إحدى وأربعين وست مئة.
محمد بن عبد الرحيم بن عمر
الجزري الباجربقي، بالباء الموحدة، وبعدها ألف وجيم وراء ساكنة وباء موحدة وقاف. الشيخ الزاهد ابن المفتي الكبير جمال الدين الشافعي.
وقد ذكرت والده في " التاريخ الكبير ".
كان أمره عجيبا، وحاله تجعل الولدان شيبا، خلب عقول الكبار من الفضلاء، وسحر بحاله السادة النبهاء النبلاء. لم نسمع عن أحد ما بلغنا عنه من الأمور الخارقه، والأحوال التي هي للعوائد مفارقه. حكى عنه جماعة فضلاء لا أتهم علومهم، ولا أستنزل حلومهم، حكايات ما أدري ما هي، ولا أعرف ما تضاهي، إلا أنها بعيدة عن تصديق عقلي بها، نائبة عن انفعال نفسي لصحتها عند تقليبها.
ولكن شاع هذا عند كثير من أهل عصري، وأخذ كل منهم على ذلك إصري، فما أدري ما أقول، إلا أن جماعة كفروه وأخرجوه عن حمى الإسلام ونفروه، والله يعلم السرائر وما تنطوي عليه الضمائر، وحكم بإراقة دمه من دمشق. وكان يكون ذلك درية للسيوف عند المشق.
وضاقت خطة فخلصت منها ... خلوص الخمر من نسج الفدام
وفر إلى الديار المصرية، وانقطع بالجامع الأزهر. وأتى هناك بأشياء مما أتى به في دمشق وأشهر، ثم إنه عاد إلى دمشق بعد مدة مديدة، وأقام بالقابون. واستمر الناس يترددون إليه وينتابون.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه ما أعجز الأوائل والأواخر رده، وفصل أوصاله الذي لا يلف على طول المدى خده.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ليلة الأربعاء سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
كان والده الفقيه قد تحول بولديه بعد الثمانين إلى دمشق، وسمعا من ابن البخاري، وجلس أبوهما للإفتاء. ودرس ومات وقد شاخ، فتزهد محمد هذا. وحصل له حال وكشف وانقطع، وصحبه جماعة فهون لهم الشرائع، وأراهم بوارق شيطانية، وكانت له قوة نفسانية فعالة مؤثرة، فقصده الشيخ صدر الدين بن الوكيل وقلده جماعة في تعظيمه، وكان ممن قصده الشيخ مجد الدين التونسي النحوي، فسلكه على عادته، فجاء إليه في اليوم الثالث في الوقت الذي قال له يعود فيه، وقال له: ما رأيت؟ وقال: وصلت في سلوكي إلى السماء الرابعة. فقال له: هذا مقام موسى بن عمران بلغته في ثلاثة أيام، فرجع الشيخ مجد الدين إلى نفسه وتوجه إلى القاضي المالكي وحكى له ما جرى وجدد إسلامه. وطلب الباجربقي وحكم بإراقة دمه القاضي جمال الدين المالكي قاضي القضاة بمحضر جماعة من العلماء في يوم الخميس ثاني ذي القعدة سنة أربع وسبع مئة. وفي سابع عشر رمضان حكم قاضي القضاة تقي الدين الجنبلي بحقن دمه بحكم عداوة الشهود، وذلك في سنة ست وسبع مئة، وكان الشهود عليه مجد الدين التونسي وعماد الدين محمد بن مزهر، والشيخ أبو بكر شرف
الصالحي، وجلال الدين بن النجاري خطيب الزنجلية، ومحيي الدين بن الفارغي، والجمال إبراهيم بن الشيخ إسماعيل اللبناني. والذين شهدوا بالعداوة ناصر الدين بن عبد السلام، والشريف زين الدين بن عدنان، وأخوه، والقاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية، وشهاب الدين الرومي، وشرف الدين قيروان الشمسي، فاختفى وتوجه إلى مصر وانقطع بالجامع الأزهر، وتردد إليه جماعة.
وحكى لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني حكايات عجيبة وأموراً غريبة، وحكى لي غيره من مادتها أشياء ليس للعقل فيها مجال. وحكى لي عنه القاضي شهاب الدين بن فضل الله أن أمين الدين سليمان رئيس الأطباء حكى له عنه، قال: كنت يوماً عنده في البستان الذي كان فيه، فجاء البستاني وهو من أهل الصحراء العوام، فقال له ابن الباجربقي: اقعد. فقعد ورمق الشيخ وقال للفلاح: تحدث مع الريس أمين الدين، قال: فأخذ ذلك الفلاح يتحدث معي في كليات الطب وجزيئاته وأنواع العلاج وخواص المفردات إلى أن أذهل عقلي، ثم بعد ساعة شال الشيخ رأسه من عبه فبطل ذلك الكلام، وسألت الفلاح فقال: والله ما أردي ما قلت، ولكن شيء جرى على لساني ما أدري.
وقد حكي عنه عجائب من هذا. وكان الشيخ صدر الدين يتردد إليه كثيراً، ويجلس بين يديه ويحصل له بهت في وجهه ويضع كفه على ضقنه ويخللها بأصابعه:
عجب من عجائب البر والبح ... ر وشكل فرد ونوع غريب
وشهد عليه مجد الدين التونسي، وخطيب الزنجلية، ومحيي الدين ابن الفارغي، والشيخ أبو بكر بن مشرف بما أبيح به دمه، وجن أبو بكر هذا أياماً ثم عقل.
وحكي عنه التهاون في الصلوات وذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باسمه من غير تعظيم ولا صلاة عليه، يقول: ومن هذا محمدكم؟! فحكم القاضي جمال الدين الزواوي المالكي بإراقة دمه، فاختفى وسافر. وسعى أخوه بجاه بيبرس العلائي إلى القاضي الحنبلي، فشهد نحو العشرين أن الستة بينهم وبينه عداوة، فعصم الحنبلي دمه، وغضب المالكي، وجدد الحكم بقتله. ثم إنه جاء بعد مدة ونزل بالقابون، وأقام به إلى أن مات وله ستون سنة.
ومما قيل عنه إنه قال: إن الرسل طولت على الأمم الطريق إلى الله تعالى.
قلت: بدون هذا يباع الحمار، بدون هذا يسفك ألف دم من هذا وأمثاله.
محمد بن عبد الرحيم
الخطيب محيي الدين شيخ بعلبك، ومسندها، وشيخ الكتابة.
حدث عن ابن عبد الدائم، والقاسم الإربلي، والرشيد العامري، وابن هامل، وطائفة. وسمع الكثير، وكتب المنسوب.
وكان مليح الشكل عاقلاً صيناً.
توفي - رحمه الله تعالى - في تاسع شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة عن خمس وثمانين سنة.
محمد بن عبد الرحيم بن علي
القاضي شرف الدين الأرمتني.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوني: كان فقيهاً ذا ورع ونزاهة ومكارم، وتولى الجكم بقنا، ثم ارتحل إلى مصر، وتولى الحكم بإطفيح، ثم بمنية بني خصيب وأبيارفوة ودمياط والفيوم وسيوط. قال: وكان قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة يرعاه ويكرمه لما اتصف به من النزاهة، ولا يأكل لأحد شيئاً مطلقاً سواء كان من أهل ولايته أو غيرهم، غير أنه كان يقف مع حظ نفسه ويحب التعظيم وأن يقال عنه رجل صالح، وإذا فهم من أحد أنه لا يعتقده يحقد عليه ويقصد ضرره، ويرى أنه إذا عزل عن ولاية لا يتولى أصغر منها ويعالج الفقر الشديد، وعزله قاضي القضاة
جلال الدين القزويني من سيوط ثم عرض عليه دونها فلم يوافق مع شدة ضرورته، واستمر بطالاً.
قلت: ما أحقه بقول الأول:
لإاصبحت بعد ذاك تفسو ... فما سوى عطرها فساها
قال: وكان يحفظ " التنبيه " حفظاً متقناً معرباً. وكان قليل النقل والفهم، وله في الحكم حرمة وقوة جنان.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بمصر في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة فيما يغلب على الظن.
محمد بن عبد الرحيم بن عباس
ابن أبي الفتح بن عبد الغني بن أبي محمد بن خلف بن إسماعيل القرشي، الشيخ شرف الدين أبو الفتح المعروف بابن النشو.
كان حسن الشكل، فيه أمانة ومعرفة. وسافر في التجارة إلى بغداد وديار مصر. وكان له ملك.
أسمعه خاله الشيخ برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الغني القرشي ابن النشو بالقاهرة من ابن رواج، ويوسف الساوي، وفخر القضاة ابن الجباب، وابن الجميزي بهاء الدين، وغيرهم. وسمع أيضاً بدمشق.
وخرج له فخر الدين البعلبكي " مشيخة " في أربعة أجزاء عن نحو عشرين شيخاً. قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأتها عليه، ومن الأجزاء التي تفرد بها بدمشق،
وقرأتها عليه مراراً كتاب " المحدث الفاصل " الذي للرامهرمزي سبعة أجزاء، و" مشيخة وكيع ابن الجراح "، وحديث إسماعيل الصفار عن الصغاني والدوري، و" مسند عائشة " للمروزي، والأجزاء الثلاثة من " المحامليات ": السادس والسابع والتاسع من المركبات وغير ذلك.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثالث شوال سنة عشرين وسبع مئة، ودفن برا الباب الصغير.
ومولده في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وست مئة.
محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي
قطب الدين، الفقيه الشافعي.
سمع من الحافظ الدمياطي، وقاضي القضاة ابن جماعة، وغيرهما. وتفقه على ظهير الدين التومنتي، وتقي الدين بن رزين. وبرع في مذهب الشافعي. وأفتى، ودرس، وتصدر للإشغال، وانتفع به الطلبة. وكان كثير النقل حافظاً للفروع ساكناً متديناً. وناب في الحكم في القاهرة، وولي الوكالة بالديار المصرية، ودرس بالفاضلية والحامية، وأعاد بالصالحية، وصنف تصحيحاً لكتاب " التعجيز " و" أحكام المبغض ".