ولم يزل بها مدرساً مع ما أضيف إليه من الوظائف إلى أن باشر التصدير بالجامع الطولوني وغيره لما توجه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي إلى الشام وولي القضاء بالمقسم ظاهر القاهرة.
ثم إنه ورد الشام وتولى تدريس المدرسة الركنية الجوانية وخلافة الحكم العزيز بالشام والتصدير بالجامع الأموي.
وكان - رحمه الله تعالى - شديد الورع متحرزاً في دينه محتاطاً لنفسه، درس بالركنية فحكى لي بعض الفقهاء أنه كان لا يتناول منها ما فيها من الجراية ويقول: تركي لهذا في مقابلة أني ما يتهيأ لي فيها الصلوات الخمس. وكان سديد الأحكام بصيراً بمواقع الصواب فيها.
وكتب إلى شيخنا العلامة أبي حيان مع خشكنانج جهزه إليه بعد عيد الفطر:
أهنيك بالعيد الذي حل عندنا ... خلعت عليه من علاك جلال
وحاولت تعجيل البشارة والهنا ... فأرسلت من قبل الهلال هلال
ومن شعره - رحمه الله تعالى -:
والله لم أذهب لبحر سلوةً ... لكم ولا تفريج قلب موجع
لكنه لما تأخر مدةً ... أحببت تعجيل الوفاء بأدمعي
ومنه:
منذ بعدتم فسروري بعيد ... وبعدكم لم أتمتع بسعيد
وكيف يهوى العيد أو نزهة ... شهيد وجد ودموع تزيد
فالبحر من تيار دمعي له ... يبكي به والعيد عيد الشهيد
وكنت قد كتبت إليه في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبع مئة:
تقي الدين يا أقضى البرايا ... ويا رب النهى والألمعية
ويا من راح أثنيتي عليه ... تضوع كمسك فطرته الذكية
أهز إلي منك بجذع علم ... فوائده تساقط لي جنية
لأنك لا تسامى في علوم ... نزلت بها منازلك العلية
ونظمك نظم مصري طباعاً ... حلاوته لذلك قاهرية
ودأبك فتح باب النصر حقاً ... وغيرك شغله بالباطلية
أفدنا إننا فقراء فهم ... لما تملي فضائلك الغنية
تقرر أن فعالاً فعولاً ... مبالغتان في اسم الفاعلية
فكيف تقول فيما صح منه ... وما الله بظلام البرية
أيعطي القول إن فكرت فيه ... سوى نفي المبالغة القوية
وكيف إذا توضأنا بماء ... طهور وهو رأي الشافعية
أزلنا الوصف عنه بفرد فعل ... وذاك خلاف رأي المالكية
فأوضح ما ادلهم علي حتى ... تغادرني على بيضا نقية
فإن يدنو ظلام الشك مني ... فإنك ذو قناديل مضية
ودم للمشكلات تميط عنها ... أذى فهم لأذهان مدية
فكتب الجواب إلي عن ذلك، وأجاد:
جلوت علي ألفاظاً جلية ... وسقت إلي أبكاراً سنية
ونظمت الجواهر في عقود ... فأزرت بالعقود الجوهرية
وأبدعت المسير من نظام ... فما لمسير عندي مزية
لآل مثل بدر التم نوراً ... ولكن في النهار لنا مضية
حلاوتها تخالط كل قلب ... ومن حشو وحوشي نقية
أتت من حافظ الآداب طراً ... وقلبي مغرم بالحافظية
وتعزى للخليل فما فؤادي ... يميل هوى لغير السكرية
فهمت بما فهمت من المعاني ... ولم أظفر بنكتتها الخفية
لأن العجز مني غير خاف ... ومالي في العلوم يد قوية
تأفف صاغة الآداب مني ... ومالي للإجابة صالحية
ومن جاء الحروب بلا سلاح ... كمن عقد الصلاة بغير نية
فخذ ما قد ظفرت به جواباً ... فما أنا قدر فطرتك الذكية
فظلام كبزاز وأيضاً ... فقد يأتي بمعنى الظالمية
وقد ينفى القليل لعلة في ... فوائده بنفي الأكثرية
وقد ينحى به التكثير قصداً ... لكثرة من يضام من البرية
وأما قوله ماء طهور ... ونصرته لقول المالكية
فجاء على مبالغة فعول ... وشاع مجيئه للفاعلية
وقد ينوى به التكثير قصداً ... لكثرة من يروم الطاهرية
وأيضاً فهو يغسل كل جزء ... ولاء وهو رأي الشافعية
فخذها من محب ذي دعاء ... أتى منه الروي بلا روية
له فيكم موالاة حلت إذ ... أصول الود منه قاهرية
فإن مرت إذا مرت فعفواً ... فإن الستر شيمتك العلية
فمرسل شعره ما فيه طعم ... تجاب به القوافي السكرية
وأورد له قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي في " الطبقات الصغرى " له، قال: وأنشدني أبو الفتح لنفسه بقراءتي عليه:
إذا رمت تعداد الخلائف عدهم ... كما قلته تدعى اللبيب المحصلا
عتيق وفاروق وعثمان بعده ... علي الرضى من بعده حسن تلا
معاوية ثم ابنه وحفيده ... معاوية وابن الزبير أخو العلا
ومروان يتلوه ابنه ووليده ... سليمان وافى بعده عمر ولا
يزيد هشام والوليد يزيدهم ... سناهم وإبراهيم مروان قد علا
بسفاح المنصور مهدي ابتدي ... وهاد رشيد للأمين تكفلا
وأعقب بالمأمون معتصم غدا ... بواثقه يستتبع المتوكلا
ومنتصر والمستعين وبعده ... لمعتز المتلو بالمهتدي انقلا
ومعتمد يقفوه معتضد وعن ... سنا المكتفي يتلوه مقتدر سلا
وبالقاهر الراضي تعوض متق ... وبالله مستكف مطيع تفضلا
وطائعهم لله بالله قادر ... وقائمهم بالمقتدي استظهر العلا
ومسترشد والراشد المقتفى به ... ومستنجد والمستضي ناصر تلا
وظاهرهم مستنصر قد تكلموا ... بمستعصم في وقته ظهر البلا
ومستنصر وحاكم وابنه ولم ... يقم واثق حتى أتى حاكم الملا
فدونكها مني بديهاً نظمته ... فإن آت تقصيراً فكن متطولا
وكتب له شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى:
أجدت تقي الدين نظماً ومقولاً ... ولم تبق شأواً للفضائل والعلا
فمن رام نظماً للأئمة بعدها ... يؤم محالاً خاسئاً ومجهلا
قلت: لم يذكر تقي الدين - رحمه الله تعالى - إبراهيم بن المهدي، وكان قد تولى بعد الأمين، ولا ابن المعتز في خلفاء بني العباس، لأنه بويع له في حياة المقتدر بعدما خلع، وكانت بيعة ابن المعتز يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومئتين، وأقعد في دار الداية، وسلم عليه بإمرة المؤمنين، لأن أولياء الأمر قالوا: المقتدر غير بالغ، ثم كان أمر ابن المعتز يوم السبت وبعض يوم الأحد، ثم فسد أمره وبطل لأن غلمان المقتدر صعدوا في الطيارات في الماء وصاحوا من دجلة، فخاف أصحاب ابن المعتز وتفرقوا، وأخذ وقتل وأعيد المقتدر. وفي ابن المعتز قال القائل:
لله درك من ملك بمضيعة ... واف من العلم والعلياء والحسب
ما فيه لو ولا لولا تنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
وفي قوله - رحمه الله تعالى -: " ووليده سليمان " تجوز يوهم من لا علم له أو وليده سليمان واحد، ومراده اثنان لأنه قال: " ومروان يتلوه ابنه "، يعني به عبد الملك، وولي بعد عبد الملك ابنه الوليد الذي عمر الجامع الأموي، ثم تولى بعده سليمان، فقوله: " ووليده سليمان " كان ينبغي أن يأتي بينهما بفيصل، لأن لفظة الوليد مشتركة بين الولد والعلم.
وقد نظم الشيخ برهان الدين الجعبري - رحمه الله تعالى - قصيدة في هذه المادة مليحة ذكر الخلفاء إلى آخر وقت كلا منهم بلقبه وعمره ومدة خلافته، لكنها بخلاف بحروف الجمل، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الرابع عشر من " التذكرة " التي لي. وله قصيدة أخرى نونية مردفة بألف، ذكر ذلك بعد حروف الجمل، بل ذكره تصريحاً.
ولشيخنا الذهبي أبيات قليلة ضمنها أسماء الخلفاء أيضاً في ثمانية أبيات ذكرتها أيضاً في هذا الجزء، وللرشيد الكاتب قصيدة رجز في ذكر الخلفاء، وقد أودعتها في الجزء السابع والثلاثين من " التذكرة " التي لي، وبعضهم نظم الخلفاء المصريين وما رأيت من نظمهم غيره، وهي:
الأول المهدي ثم القائم ... وبعده المنصور ذاك العالم
ثم المعز بعده العزيز ... والحاكم المبرز الإبريز
والظاهر المشهور والمستنصر ... في عهده شخص الهدى مستبصر
والمصطفى للدين والمستعلي ... وآمر والحافظ المستتلي
والظاهر المذكور ثم الفائز ... والعاضد الأخير ذاك الفائز
ونظم أبو الحسين الجزار أرجوزة سماها: " العقود الدرية في الأمراء المصرية "، ذكر فيها من حكم في مصر من أول الإسلام إلى آخر أيام السعيد بن الظاهر، ثم كمل على ذلك فيما أظن الشيخ علاء الدين بن غانم إلى آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون في الدولة الثانية، ثم كمل عليها القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى آخر أيام الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد، ثم إنني أنا كملت عليها إلى آخر وقت، وهي جميعها في الجزء الرابع من " التذكرة " التي لي.
محمد بن عبد الله بن أحمد
القاضي شرف الدين بن الصاحب فتح الدين القيسراني المخزومي.
روى " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم، وسمع من الفقيه اليونيني، وإبراهيم بن خليل، وجماعة.
ولد بحلب سنة ثمان وأربعين وست مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة مستهل شعبان سنة سبع وسبع مئة.
وكان من بيت حشمة وصداره، وكتابة ووجاهة وعباره، وسيادة تسفل عن مراقي مراتبهم النجوم السياره. جملوا الممالك وصانوها، وزادوا الدول بهجة بألفاظهم وزانوها.
وكان القاضي شرف الدين هذا إذا كتب أخذ أرض الطرس ظخرفها وازينت.
وعدت من الخيرات اليمانية وتعينت. نظم كأنه القلائد، ونظم يشبه الدر على لبات الخرائد، كله منتخب، وكله وجه غانية كأنه بالحسن البارع قد انتقب:
كأن طروسه روض نضير ... وأزهار المعاني فيه غضه
فكم نال الأديب بها غناه ... لأن كلامه ذهب وفضه
وكان متين الديانة، متوشحاً بالصيانه، معروفاً بالعفة والأمانه، وكان يلازم تلاوة القرآن، لا يخل بذلك في ولا أوان. يقرأ القصص، وإذا فرغ منها عاد إلى التلاوة على الراتب. وإذا مر بآية سجدة دار إلى القبلة وسجد وظهره إلى النائب. وتبرم منه النائب وشكاه، وذكر للسلطان وغيره وحكاه، فما رجع عن عادته، ولا ترك ذلك من سعادته.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن نبضه وبطل من بيت المال قبضه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس قال: كان القاضي شرف الدين قد توجه صحبة السلطان إلى غزوة، فرأيته في المنام كأنه منصرف عن الواقعة، وقد نصر الله المسلمين فيها على التتار، فأخبرني بما فتح الله به، فنظمت في المنام بيتين، واستيقظت ذاكراً للأول منهما وهو:
الحمد لله جاء النصر والظفر ... واستبشر النيران: الشمس والقمر
فكتبت إليه أعلمه بذلك، فكتب إلي الجواب عن ذلك:
أيا فاضلاً تلهي معاني صفاته ... فكل بليغ فاضل من رواته