فأوضح ما ادلهم علي حتى ... تغادرني على بيضا نقية
فإن يدنو ظلام الشك مني ... فإنك ذو قناديل مضية
ودم للمشكلات تميط عنها ... أذى فهم لأذهان مدية
فكتب الجواب إلي عن ذلك، وأجاد:
جلوت علي ألفاظاً جلية ... وسقت إلي أبكاراً سنية
ونظمت الجواهر في عقود ... فأزرت بالعقود الجوهرية
وأبدعت المسير من نظام ... فما لمسير عندي مزية
لآل مثل بدر التم نوراً ... ولكن في النهار لنا مضية
حلاوتها تخالط كل قلب ... ومن حشو وحوشي نقية
أتت من حافظ الآداب طراً ... وقلبي مغرم بالحافظية
وتعزى للخليل فما فؤادي ... يميل هوى لغير السكرية
فهمت بما فهمت من المعاني ... ولم أظفر بنكتتها الخفية
لأن العجز مني غير خاف ... ومالي في العلوم يد قوية
تأفف صاغة الآداب مني ... ومالي للإجابة صالحية
ومن جاء الحروب بلا سلاح ... كمن عقد الصلاة بغير نية
فخذ ما قد ظفرت به جواباً ... فما أنا قدر فطرتك الذكية
فظلام كبزاز وأيضاً ... فقد يأتي بمعنى الظالمية
وقد ينفى القليل لعلة في ... فوائده بنفي الأكثرية
وقد ينحى به التكثير قصداً ... لكثرة من يضام من البرية
وأما قوله ماء طهور ... ونصرته لقول المالكية
فجاء على مبالغة فعول ... وشاع مجيئه للفاعلية
وقد ينوى به التكثير قصداً ... لكثرة من يروم الطاهرية
وأيضاً فهو يغسل كل جزء ... ولاء وهو رأي الشافعية
فخذها من محب ذي دعاء ... أتى منه الروي بلا روية
له فيكم موالاة حلت إذ ... أصول الود منه قاهرية
فإن مرت إذا مرت فعفواً ... فإن الستر شيمتك العلية
فمرسل شعره ما فيه طعم ... تجاب به القوافي السكرية
وأورد له قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي في " الطبقات الصغرى " له، قال: وأنشدني أبو الفتح لنفسه بقراءتي عليه:
إذا رمت تعداد الخلائف عدهم ... كما قلته تدعى اللبيب المحصلا
عتيق وفاروق وعثمان بعده ... علي الرضى من بعده حسن تلا
معاوية ثم ابنه وحفيده ... معاوية وابن الزبير أخو العلا
ومروان يتلوه ابنه ووليده ... سليمان وافى بعده عمر ولا
يزيد هشام والوليد يزيدهم ... سناهم وإبراهيم مروان قد علا
بسفاح المنصور مهدي ابتدي ... وهاد رشيد للأمين تكفلا
وأعقب بالمأمون معتصم غدا ... بواثقه يستتبع المتوكلا
ومنتصر والمستعين وبعده ... لمعتز المتلو بالمهتدي انقلا
ومعتمد يقفوه معتضد وعن ... سنا المكتفي يتلوه مقتدر سلا
وبالقاهر الراضي تعوض متق ... وبالله مستكف مطيع تفضلا
وطائعهم لله بالله قادر ... وقائمهم بالمقتدي استظهر العلا
ومسترشد والراشد المقتفى به ... ومستنجد والمستضي ناصر تلا
وظاهرهم مستنصر قد تكلموا ... بمستعصم في وقته ظهر البلا
ومستنصر وحاكم وابنه ولم ... يقم واثق حتى أتى حاكم الملا
فدونكها مني بديهاً نظمته ... فإن آت تقصيراً فكن متطولا
وكتب له شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى:
أجدت تقي الدين نظماً ومقولاً ... ولم تبق شأواً للفضائل والعلا
فمن رام نظماً للأئمة بعدها ... يؤم محالاً خاسئاً ومجهلا
قلت: لم يذكر تقي الدين - رحمه الله تعالى - إبراهيم بن المهدي، وكان قد تولى بعد الأمين، ولا ابن المعتز في خلفاء بني العباس، لأنه بويع له في حياة المقتدر بعدما خلع، وكانت بيعة ابن المعتز يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومئتين، وأقعد في دار الداية، وسلم عليه بإمرة المؤمنين، لأن أولياء الأمر قالوا: المقتدر غير بالغ، ثم كان أمر ابن المعتز يوم السبت وبعض يوم الأحد، ثم فسد أمره وبطل لأن غلمان المقتدر صعدوا في الطيارات في الماء وصاحوا من دجلة، فخاف أصحاب ابن المعتز وتفرقوا، وأخذ وقتل وأعيد المقتدر. وفي ابن المعتز قال القائل:
لله درك من ملك بمضيعة ... واف من العلم والعلياء والحسب
ما فيه لو ولا لولا تنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
وفي قوله - رحمه الله تعالى -: " ووليده سليمان " تجوز يوهم من لا علم له أو وليده سليمان واحد، ومراده اثنان لأنه قال: " ومروان يتلوه ابنه "، يعني به عبد الملك، وولي بعد عبد الملك ابنه الوليد الذي عمر الجامع الأموي، ثم تولى بعده سليمان، فقوله: " ووليده سليمان " كان ينبغي أن يأتي بينهما بفيصل، لأن لفظة الوليد مشتركة بين الولد والعلم.
وقد نظم الشيخ برهان الدين الجعبري - رحمه الله تعالى - قصيدة في هذه المادة مليحة ذكر الخلفاء إلى آخر وقت كلا منهم بلقبه وعمره ومدة خلافته، لكنها بخلاف بحروف الجمل، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الرابع عشر من " التذكرة " التي لي. وله قصيدة أخرى نونية مردفة بألف، ذكر ذلك بعد حروف الجمل، بل ذكره تصريحاً.
ولشيخنا الذهبي أبيات قليلة ضمنها أسماء الخلفاء أيضاً في ثمانية أبيات ذكرتها أيضاً في هذا الجزء، وللرشيد الكاتب قصيدة رجز في ذكر الخلفاء، وقد أودعتها في الجزء السابع والثلاثين من " التذكرة " التي لي، وبعضهم نظم الخلفاء المصريين وما رأيت من نظمهم غيره، وهي:
الأول المهدي ثم القائم ... وبعده المنصور ذاك العالم
ثم المعز بعده العزيز ... والحاكم المبرز الإبريز
والظاهر المشهور والمستنصر ... في عهده شخص الهدى مستبصر
والمصطفى للدين والمستعلي ... وآمر والحافظ المستتلي
والظاهر المذكور ثم الفائز ... والعاضد الأخير ذاك الفائز
ونظم أبو الحسين الجزار أرجوزة سماها: " العقود الدرية في الأمراء المصرية "، ذكر فيها من حكم في مصر من أول الإسلام إلى آخر أيام السعيد بن الظاهر، ثم كمل على ذلك فيما أظن الشيخ علاء الدين بن غانم إلى آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون في الدولة الثانية، ثم كمل عليها القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى آخر أيام الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد، ثم إنني أنا كملت عليها إلى آخر وقت، وهي جميعها في الجزء الرابع من " التذكرة " التي لي.
محمد بن عبد الله بن أحمد
القاضي شرف الدين بن الصاحب فتح الدين القيسراني المخزومي.
روى " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم، وسمع من الفقيه اليونيني، وإبراهيم بن خليل، وجماعة.
ولد بحلب سنة ثمان وأربعين وست مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة مستهل شعبان سنة سبع وسبع مئة.
وكان من بيت حشمة وصداره، وكتابة ووجاهة وعباره، وسيادة تسفل عن مراقي مراتبهم النجوم السياره. جملوا الممالك وصانوها، وزادوا الدول بهجة بألفاظهم وزانوها.
وكان القاضي شرف الدين هذا إذا كتب أخذ أرض الطرس ظخرفها وازينت.
وعدت من الخيرات اليمانية وتعينت. نظم كأنه القلائد، ونظم يشبه الدر على لبات الخرائد، كله منتخب، وكله وجه غانية كأنه بالحسن البارع قد انتقب:
كأن طروسه روض نضير ... وأزهار المعاني فيه غضه
فكم نال الأديب بها غناه ... لأن كلامه ذهب وفضه
وكان متين الديانة، متوشحاً بالصيانه، معروفاً بالعفة والأمانه، وكان يلازم تلاوة القرآن، لا يخل بذلك في ولا أوان. يقرأ القصص، وإذا فرغ منها عاد إلى التلاوة على الراتب. وإذا مر بآية سجدة دار إلى القبلة وسجد وظهره إلى النائب. وتبرم منه النائب وشكاه، وذكر للسلطان وغيره وحكاه، فما رجع عن عادته، ولا ترك ذلك من سعادته.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن نبضه وبطل من بيت المال قبضه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس قال: كان القاضي شرف الدين قد توجه صحبة السلطان إلى غزوة، فرأيته في المنام كأنه منصرف عن الواقعة، وقد نصر الله المسلمين فيها على التتار، فأخبرني بما فتح الله به، فنظمت في المنام بيتين، واستيقظت ذاكراً للأول منهما وهو:
الحمد لله جاء النصر والظفر ... واستبشر النيران: الشمس والقمر
فكتبت إليه أعلمه بذلك، فكتب إلي الجواب عن ذلك:
أيا فاضلاً تلهي معاني صفاته ... فكل بليغ فاضل من رواته
ومن يستبين الفهم من لحظاته ... له أمر بالرشد في يقظاته
وفي النوم يهديه لخير الطرائق
ومن قربه غايات كل فضيلة ... وأشطره تزهى بزهر خميلة
وجملته في الناس أي جميلة ... فإن قام لم يدأب لغير فضيلة
وإن نام لم يدأب لغير الحقائق
يقبل اليد العالية الفتحية فتح الله أبواب الجنة بها ولها، وأسعد خاطره الذي ما اشتغل عن الصواب ولا لها، ومشتهى خلقه الذي لا أعرف لحسنه مشبهاً، تقبيل مشتاق إلى روايته ورؤيته، ونتائج بديهته ورويته، كتعطش إلى روائه وإروائه والتيمن بعالي آرائه، والتحلي به في هذه السفرة المسفرة بمشيئة الله تعالى عن الفلاح والنجاح، والغزوة التي لها الملائكة الكرام النجدة، والرايات النبوية السلاح، والحركة التي أخلص المسلمون لله تعالى رواحهم، وغدوهم، وتعلقت آمالهم بأنه سبحانه وتعالى يهلك عدوهم، فإنهم قد بغوا والبغي وخيم المصرع، وابتغوا الفتنة والفتنة لمثيرها تصرع. وقد تكفل الله تعالى بالملة المحمدية أن يديل دولتها، وأخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله لا يسلط على هذه الأمة من يستبيح بيضتها، فلهذا ما أمضينا في السهر ليلا، ولا أنضينا في السفر خيلا، ولا رجونا إلا أن " نحمد السرى عن الصباح "، وكدنا أن " نطير إلى الهيجاء زرافات ووحداناً " بغير جناح ولا جناح. وسمحنا بنفوس نفائس في طلب الجنة والسماح رباح، وينهي أن المشرف العالي ورد إليه فتنسم
أرواح قربه، وأوجد مسرات قلبه، وأعدم مضرات كربه، وأبهجه الكتاب بعبير رياه، وألهجه الخطاب تعبير رؤياه، فرأى خطه وشياً مرقوما، ولفظه رحيقاً مختوما، ووجده محتوياً على درر كلامية وبشر مناميه، وحديث نفس عصاميه.
نرجو من الله أن نشاهد ذلك أيقاظا، ونكون لأبنائه حفاظا.
وهو كتاب طويل. وأجاب عنه شيخنا فتح الدين، وقد أثبتهما في الجزء الأول من " التذكرة " التي لي.
محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم
الشيخ الكبير المشهور الصالح المرشدي.
قرأ على ضياء الدين بن عبد الرحيم، وتلا على الصائغ. وكان فقيهاً شافعي المذهب. وكانت له أحوال وهمة عظيمة، في خدمة الناس على مر السنين والأحوال، يطعم الناس الذين يردون عليه، ويأتي لكل واحد بما في خاطره ويقدمه بين يديه، اشتهر هذا الأمر عنه وذاع، وامتلأت به النواحي والبقاع. ولو ورد عليه من الألف نفس فما دونها أو جاؤوه في أي وقت كان من غير هدية يهدونها وجدوا ما يكفيهم ويكفي دوابهم وشيوخهم وشوابهم.