بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 528

وفي قوله - رحمه الله تعالى -: " ووليده سليمان " تجوز يوهم من لا علم له أو وليده سليمان واحد، ومراده اثنان لأنه قال: " ومروان يتلوه ابنه "، يعني به عبد الملك، وولي بعد عبد الملك ابنه الوليد الذي عمر الجامع الأموي، ثم تولى بعده سليمان، فقوله: " ووليده سليمان " كان ينبغي أن يأتي بينهما بفيصل، لأن لفظة الوليد مشتركة بين الولد والعلم.
وقد نظم الشيخ برهان الدين الجعبري - رحمه الله تعالى - قصيدة في هذه المادة مليحة ذكر الخلفاء إلى آخر وقت كلا منهم بلقبه وعمره ومدة خلافته، لكنها بخلاف بحروف الجمل، وقد ذكرتها مستوفاة في الجزء الرابع عشر من " التذكرة " التي لي. وله قصيدة أخرى نونية مردفة بألف، ذكر ذلك بعد حروف الجمل، بل ذكره تصريحاً.
ولشيخنا الذهبي أبيات قليلة ضمنها أسماء الخلفاء أيضاً في ثمانية أبيات ذكرتها أيضاً في هذا الجزء، وللرشيد الكاتب قصيدة رجز في ذكر الخلفاء، وقد أودعتها في الجزء السابع والثلاثين من " التذكرة " التي لي، وبعضهم نظم الخلفاء المصريين وما رأيت من نظمهم غيره، وهي:
الأول المهدي ثم القائم ... وبعده المنصور ذاك العالم
ثم المعز بعده العزيز ... والحاكم المبرز الإبريز
والظاهر المشهور والمستنصر ... في عهده شخص الهدى مستبصر
والمصطفى للدين والمستعلي ... وآمر والحافظ المستتلي
والظاهر المذكور ثم الفائز ... والعاضد الأخير ذاك الفائز


صفحه 529

ونظم أبو الحسين الجزار أرجوزة سماها: " العقود الدرية في الأمراء المصرية "، ذكر فيها من حكم في مصر من أول الإسلام إلى آخر أيام السعيد بن الظاهر، ثم كمل على ذلك فيما أظن الشيخ علاء الدين بن غانم إلى آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون في الدولة الثانية، ثم كمل عليها القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى آخر أيام الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد، ثم إنني أنا كملت عليها إلى آخر وقت، وهي جميعها في الجزء الرابع من " التذكرة " التي لي.

محمد بن عبد الله بن أحمد
القاضي شرف الدين بن الصاحب فتح الدين القيسراني المخزومي.
روى " جزء ابن عرفة " عن ابن عبد الدائم، وسمع من الفقيه اليونيني، وإبراهيم بن خليل، وجماعة.
ولد بحلب سنة ثمان وأربعين وست مئة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة مستهل شعبان سنة سبع وسبع مئة.
وكان من بيت حشمة وصداره، وكتابة ووجاهة وعباره، وسيادة تسفل عن مراقي مراتبهم النجوم السياره. جملوا الممالك وصانوها، وزادوا الدول بهجة بألفاظهم وزانوها.
وكان القاضي شرف الدين هذا إذا كتب أخذ أرض الطرس ظخرفها وازينت.


صفحه 530

وعدت من الخيرات اليمانية وتعينت. نظم كأنه القلائد، ونظم يشبه الدر على لبات الخرائد، كله منتخب، وكله وجه غانية كأنه بالحسن البارع قد انتقب:
كأن طروسه روض نضير ... وأزهار المعاني فيه غضه
فكم نال الأديب بها غناه ... لأن كلامه ذهب وفضه
وكان متين الديانة، متوشحاً بالصيانه، معروفاً بالعفة والأمانه، وكان يلازم تلاوة القرآن، لا يخل بذلك في ولا أوان. يقرأ القصص، وإذا فرغ منها عاد إلى التلاوة على الراتب. وإذا مر بآية سجدة دار إلى القبلة وسجد وظهره إلى النائب. وتبرم منه النائب وشكاه، وذكر للسلطان وغيره وحكاه، فما رجع عن عادته، ولا ترك ذلك من سعادته.
ولم يزل على حاله إلى أن سكن نبضه وبطل من بيت المال قبضه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس قال: كان القاضي شرف الدين قد توجه صحبة السلطان إلى غزوة، فرأيته في المنام كأنه منصرف عن الواقعة، وقد نصر الله المسلمين فيها على التتار، فأخبرني بما فتح الله به، فنظمت في المنام بيتين، واستيقظت ذاكراً للأول منهما وهو:
الحمد لله جاء النصر والظفر ... واستبشر النيران: الشمس والقمر
فكتبت إليه أعلمه بذلك، فكتب إلي الجواب عن ذلك:
أيا فاضلاً تلهي معاني صفاته ... فكل بليغ فاضل من رواته


صفحه 531

ومن يستبين الفهم من لحظاته ... له أمر بالرشد في يقظاته
وفي النوم يهديه لخير الطرائق
ومن قربه غايات كل فضيلة ... وأشطره تزهى بزهر خميلة
وجملته في الناس أي جميلة ... فإن قام لم يدأب لغير فضيلة
وإن نام لم يدأب لغير الحقائق
يقبل اليد العالية الفتحية فتح الله أبواب الجنة بها ولها، وأسعد خاطره الذي ما اشتغل عن الصواب ولا لها، ومشتهى خلقه الذي لا أعرف لحسنه مشبهاً، تقبيل مشتاق إلى روايته ورؤيته، ونتائج بديهته ورويته، كتعطش إلى روائه وإروائه والتيمن بعالي آرائه، والتحلي به في هذه السفرة المسفرة بمشيئة الله تعالى عن الفلاح والنجاح، والغزوة التي لها الملائكة الكرام النجدة، والرايات النبوية السلاح، والحركة التي أخلص المسلمون لله تعالى رواحهم، وغدوهم، وتعلقت آمالهم بأنه سبحانه وتعالى يهلك عدوهم، فإنهم قد بغوا والبغي وخيم المصرع، وابتغوا الفتنة والفتنة لمثيرها تصرع. وقد تكفل الله تعالى بالملة المحمدية أن يديل دولتها، وأخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الله لا يسلط على هذه الأمة من يستبيح بيضتها، فلهذا ما أمضينا في السهر ليلا، ولا أنضينا في السفر خيلا، ولا رجونا إلا أن " نحمد السرى عن الصباح "، وكدنا أن " نطير إلى الهيجاء زرافات ووحداناً " بغير جناح ولا جناح. وسمحنا بنفوس نفائس في طلب الجنة والسماح رباح، وينهي أن المشرف العالي ورد إليه فتنسم


صفحه 532

أرواح قربه، وأوجد مسرات قلبه، وأعدم مضرات كربه، وأبهجه الكتاب بعبير رياه، وألهجه الخطاب تعبير رؤياه، فرأى خطه وشياً مرقوما، ولفظه رحيقاً مختوما، ووجده محتوياً على درر كلامية وبشر مناميه، وحديث نفس عصاميه.
نرجو من الله أن نشاهد ذلك أيقاظا، ونكون لأبنائه حفاظا.
وهو كتاب طويل. وأجاب عنه شيخنا فتح الدين، وقد أثبتهما في الجزء الأول من " التذكرة " التي لي.

محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم
الشيخ الكبير المشهور الصالح المرشدي.
قرأ على ضياء الدين بن عبد الرحيم، وتلا على الصائغ. وكان فقيهاً شافعي المذهب. وكانت له أحوال وهمة عظيمة، في خدمة الناس على مر السنين والأحوال، يطعم الناس الذين يردون عليه، ويأتي لكل واحد بما في خاطره ويقدمه بين يديه، اشتهر هذا الأمر عنه وذاع، وامتلأت به النواحي والبقاع. ولو ورد عليه من الألف نفس فما دونها أو جاؤوه في أي وقت كان من غير هدية يهدونها وجدوا ما يكفيهم ويكفي دوابهم وشيوخهم وشوابهم.


صفحه 533

ولم يكن يقبل لأحد شيئاً البته. وتحيل الناس عليه في مثل هذا فحالما علم به رده بغته.
ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى خالقه على سداد، وسكن لحده إلى يوم المعاد.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبع مئة.
كان يحكي عجائب يحار لها السامع من إحضاره الأطعمة الكثيرة للواردين وكل من حضر وخطر بباله في الطريق قبل وصوله إليه شيء من المآكل الغريبة أحضره إليه ووضعه قدامه على الخصوص، وكان مقامه بقرية منية مرشد بالقرب من بلد فوه بالديار المصرية.
تحيل السلطان الملك الناصر محمد وجهز له مع الأمير سيف الدين بكتمر الساقي جملة من الذهب، فغالطه في قبولها ودسها معه في مأكول جهزه معه إلى السلطان. وحج في هيئة كبيرة وتلامذة.
أنفق في ليلة ما قيمته ألفان وخمس مئة درهم، وقيل: إنه أنفق في ثلاث ليال ما قيمته ألف دينار، وكان يأتيه الأمراء الكبار ومن دونهم من الفقراء، فيقوم بخدمتهم على أتم ما يكون، وقل من أنكر عليه، فاجتمع به إلا وزال ذلك من خاطره. وكان شيخنا فتح الدين بن سيد الناس ممن ينكر حاله ويشنع عليه، فما كان إلا أن اجتمع به، فسألته عنه، فقال: هو إنسان حسن. ثم إنه اجتمع به مرة ومرة، وكذلك الأمر ناصر الدين بن جنكلي كان ينكر عليه واجتمع به، وجرى بينهما تنافس في الكلام، ولم يجئ من عنده إلا وقد رضي به.


صفحه 534

وأخبرني جماعة ممن توجه إليه وأقام عنده أن في مكانه مسجداً ومنبراً للخطيب يوم الجمعة، وكان يأمر الناس بالصلاة، ولم يصل مع أحد، وصلاة الجماعة لا يعدلها شيء. وأمره غريب والسلام، يتولى الله سريرته.
وكان قد عظم شأنه، ويكتب الأوراق إلى دوادار السلطان، وإلى كاتب السر، وإلى من يتحدث في الدولة بقضاء أشغال الناس بعبارة ملخصة موجزة على يد من يتقاضاه ذلك، ويقضي جميع ما يشير به، وما عظم واشتهر في الديار المصرية إلا بتردد القاضي فخر الدين ناظر الجيش إليه، فإنه كان يزوره كثيراً، فعظم لذلك محله في النفوس.
وبات في عافية، وأرسل إلى الذين من حوله ليحضروا إليه فقد عرض أمر مهم، فأتوه، فدخل خلوته وأبطأ، فطلبوه فوجدوه ميتاً في التاريخ المذكور.
والحكايات في شأنه تزيد وتنقص إلا أنه لا يدعي شيئاً، ولم يحفظ عنه شطح، حسن العقيدة، شافعي المذهب، وكان يخرج إلى الواردين أطعمة كثيرة من داخل مكانه، ولا يدخل إلى ذلك المكان أحد سواه.
قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله: حكى لي الأمير الوزير مغلطاي الجمالي رحمه الله تعالى، قال: توجهت إلى زيارة الشيخ محمد المرشدي، فلما قربت منه اشتهيت قمحية بلبن حليب بلحم رميس، فلما وصلنا جاء ومعه زبدية كبيرة فيها قمحية بلبن حليب بلحم رميس، وقال لي: كل. ثم بقي يغيب ويأتي بأشياء أخر ويضعها قدام مماليكي، وكلما أتى بشيء إلى واحد منهم تعجب منه ويقول: أنا والله كنت اشتهيه، وأحضر أكثر من عشرين لوناً ما يطبخ إلا في مطبخ السلطان.


صفحه 535

قال: وحكى لي شهاب الدين أحمد بن مليح الإسكندري بالإسكندرية، قال: نويت زيارة الشيخ محمد في نفسي. وقلت: لعلي أصادف عنده هيطلية بسمن وعسل آكل منها. فجاء كتاب وكيل الخاص باستعمال حوائج السلطان، فعاقني عما عزمت عليه، فلم يمض غير يومين أو ثلاثة وإذا أنا برجل قد أتاني من عند الشيخ، وقال: الشيخ يسلم عليك وقد بعث لك هذا السمن والعسل ليعمل لك هيطلية وتأكل بهما، ولو كانت تحمل إليك لبعث بها.
قال: وقد زعم قوم أن هذه الكرامات إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي فوه فإنهما كانا روحين في جسد، وكان قد تحصن بالشيخ، فلا يقدر قاضي القضاة ولا أحد على عزله، وطال ذيله، وأكثر من تسجيل البلاد والتجارة، والولاة ترعاه إما لاعتقاد في الشيخ أو لرجاء العناية من الشيخ بهم عند الدولة. فنمت أمواله، وصلحت حاله، واتسعت دائرة سعادته، ولم يبق له دأب إلا يلقى من يصل من ذوي الأقدار قاصداً زيارة الشيخ، لأن فوه طريق منية مرشد، فإذا وصل الزائر أنزله وأضافه وشرع في محادثته ومحادثة من معه حتى يقف على ما في خواطرهم وما يقترحونه، ثم إنه يبعث إلى الشيخ بذلك على دواب مركزة في الطريق بينهما ويمده من الأصناف بما لعله لا يكون عنده، ويعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه.
قلت: هذا فيه بعد إلى الغاية، وهذا يريد أموالاً كثيرة ينفقها القاضي أولاً على الزائرين، ثم إنه يجهز إلى الشيخ بما يطعم به زواره ثانياً. ولعل الذي كان يشتهي المأكول أو المشروب يشتهيه بعد فراق القاضي في نفسه، فمن أين يعلم الشيخ بذلك أيضاً؟ فما كل من قصد الشيخ يعمل طريقه على فوه ويجتمع بالقاضي.