قاضي القضاة ابق في سماء علاً ... مقتبل السعد نافذ الحكم
كم من صديق قد جاء يسألني ... في البر والمكرمات والحلم
عن ابن صصرى وعنك. قلت له: ... لا فرق بين الشهاب والنجم
محمد بن عبد الله بن عمر
الشيخ الإمام العلامة الخير الورع زين الدين بن علم الدين ابن الشيخ زين الدين بن المرحل الشافعي. هو ابن أخي الشيخ صدر الدين بن الوكيل.
ربي على طريق خير وسلامه، ونشأ في صون وعفاف لم يلحقه في ذلك سآمه، يلازم الاشتغال ليلاً ونهارا، ويكرر دروسه في كل وقت مرارا. وكان من أحسن الناس شكلا، وأبهجهم وجهاً، كأن البدر منه تجلى.
وكان قد جود الفقه والأصول وتوفر عنده منهما المحصول.
وأما العربية فكان فيها ضعيفا، ولم يسمع الناس له فيها صريفا.
وناب في الحكم بدمشق فحمدت سيرته، وود الناس، لو دامت على ذلك جيرته.
ولم يزل على ذلك إلى أن رحل ابن المرحل إلى المقابر وعد بعد أن كان موجوداً في الغوابر.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
وكان عمه الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى يحسده، ويقول: لا إله إلا الله ابن الجاهل طلع فاضلاً وابن الفاضل طلع جاهلاً يعني بذاك ابنه.
وكان قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري عينه للقضاء وأشار به على السلطان إما لقضاء مصر أو لقضاء الشام، ولم يكن فيه ما يمنعه عن ذلك غير صغر سنه. وجهزه السلطان على البريد إلى دمشق وولاه تدريس الشامية البرانية عوضاً عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، فوصل إليها يوم الثلاثاء تاسع عشري شهر رجب سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وكان الناس قد أوهموا الأمير سيف الدين تنكز ووصفوه بالدين المتين، فلما جاء كان في الميدان، فلما رآه ترجل له وجاء وقبل يده، فنزل بذلك من عينه.
وأخبرني جماعة أن دروسه لم تكن بعيدة عن دروس الشيخ كمال الدين لفصاحته وعذوبة ألفاظه.
وباشر نيابة الحكم عن قاضي القضاة علم الدين الأخنائي بدمشق في الحادي والعشرين من صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.
محمد بن عبد الله بن محمد الأموي المروي
الشيخ الأديب محب الدين أبو عبد الله المغربي المعروف بابن الصائغ.
رأيته بالقاهرة مرات، واجتمعت به في دروس شيخنا العلامة أثير الدين وغيرها. وسمعت أنا وهو " صحيح " البخاري بقراءة الشيخ شهاب الدين بن المرحل النحوي على الشيخ فتح الدين وأخيه بالقاهرة أبي القاسم بالظاهرية بين القصرين، فكان هذا الشيخ محب الدين يأتي بفرائد في أثناء السماع مما يتعلق بالعربية الغريبة واللغة.
وكان يعرف العروض معرفة تامه، ويجيد الكلام على غوامضها الخاصة والعامه.
وأما العربية فكان عنده لبابها، ولديه تجتمع أبوابها، ذهنه الخارق فيها كالنار إذا توقدت، وحلها بيده إذا تعقدت.
وشعره فائق جزل، يسلك به طريق الجد لا الهزل، أنشدني منه كثيرا، وحباني منه لؤلؤاً نظيماً ونثيرا. وكان يعاني اللعب بالعود، ويطيب وقته بالأماني والوعود.
ولم يزل على حاله إلى أن سكت المحب فما نبس، وصح عنده من أمر الموت ما التبس.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
وكان قد كتب إلي وأنا بالقاهرة:
صلاح الدين يا رب المقال ... ويا ترب المعاني والمعالي
تصدق لي بصرف زكاة جاه ... ففيها إن أردت صلاح حالي
فكتبت جوابه مع شيء أهديته إليه:
محب الدين في الآداب شيخ ... نوى لي أن يعرض بالنوال
إذا ما الجاه لم أك فيه وجهاً ... فما لي لا أجود بفضل مالي
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح القاضي نجم الدين محمد بن محمد الطبري قاضي مكة، وقد أنشده القاضي خمسة أبيات على هذا الوزن والروي، وستأتي في ترجمة المذكور إن شاء الله تعالى:
شرع الهوى هوني لعزة جاهك ... فارثي لذلة موقفي بجاهك
رقي لجسم رق من دنف الهوى ... وشفاه ما تحويه حو شفاهك
لا تعجبي إن ذبت شوقاً واعجبي ... أن ليس إلا سقم طرفك ناهك
وسن نفى وسني فنمت ولم أنم ... ما ليلة الساهي كليل الساهك
بطحاء وادي الأثل لولا تيهها ... ونفارها ما حمت في أتياهك
ولما وخدت بها شوازب ضمراً ... أوردتها عشراً ثغاب مياهك
بدلت سدرك بالسدير وما حوى ... ونفائح النسرين فيح عضاهك
وهجرت طيب كرى وواصلت السرى ... بمشقة التهجير في إدماهك
أدعوا بسعدى أين يمن سراي إذ ... أكرهتم وعففت عن إكراهك
نصبوا علي رحاضهم لكنهم ... شاهت وجوههم لصولة شاهك
جبت الشعاب وآل شعبة عندما ... سدل الظلام رداءه برداهك
أعشو إلى حلي الترائب خفيةً ... إذا غمض الأتراب عن أفكاهك
ادني اللجين لعسجدي شاحب ... صدئ الإهاب بما اكتساه ساهك
اسقي عهاد الدمع عهداً باللوى ... أنسيته لشفاي لا لشفاهك
زمناً أردد آهة المشغوف من ... حرقي فيحيكيني ترجع آهك
أنضارتي اشتعل المشيب فأنضبت ... شعل الحشا ما راق من أمواهك
ينهى وينهكني مشيب صنته ... ولما عرفت بصون ناه ناهك
حللك المفارق قد تنفس صبحه ... يا نفس هبي من كرى استعماهك
يستبد هونك للنسيب فشرفي ... بشريف مكة منتج استبداهك
قاضي الشريعة والمقيم منارها ... حيث المقام وحيث بيت إلهك
بلدت في جوب البلاد ومدحه ... يشفي فينفي تهمة استبلاهك
لولاه أوشكت الخمول فلازمني ... شكر الذي سنى لقاه لقاهك
يا خير أرض الله قد رضي النوى ... رجل ثوى فأوى إلى أواهك
القطب نجم الدين إشراق الدنا ... معنى العلا أسنى وجوه وجاهك
من إن تشابهت الوجوه أقل لها ... من بعد هذا الذهن لاستشباهك
إن يخف معناك السقيم فعامل ... بصحيح حكمته على أفقاهك
روى الحديث فرويت ساحاتها ... يا سحب إذا حلت عرا أفواهك
غيثاً أغاثك يا حجاز بدره ... وجلا هوامد أغبرت بجلاهك
فاخضر مرعاك المبارك ممرعاً ... والتفت البهمى بغض شباهك
جودي سماء يمن دعوة من سما ... رتبا يقل لها انتعال جباهك
يا نفس إنك قد نقهت من الغنى ... ولقد غنيت اليوم في استنقاهك
هذا الجواد لما حوى يمناه في ... إفقار كيس المال أم إرفاهك
يسخو بما يوعى ويطبي ما يعي ... كم بين كنز نفيسة ونفاهك
دارت رحى الأيام تبغي جاره ... فأجاره من كل داء داهك
أم القرى قد جار من أم القرى ... بفناء بدنك كلها وشاهك
ناسبت غرته وبيت نسيبه ... فأعدت ليس البدر من أشباهك
يا همةً عن كل هم نزهت ... إلا العلا دومي على استنزاهك
لسموت حين سمهت في شأو العلا ... أفردت فالأسماء في أسماهك
يا فكرة بدهت بأبدع ملحة ... ما أقرب الإبداع من إبداهك
عرضتها لمعارض لم يحكها ... أنى وقد لزمت قوافيها هك
محمد بن عبد الله بن الحسين
ابن علي بن عبد الله بن عمر بن عيسى ابن أحمد بن حسن، الشيخ الفقيه الصالح الزاهد عفيف الدين أبو عبد الله ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي محمد الزرزاري الإربلي الدمشقي.
سمع من شيخ الشيوخ الأنصاري، وإبراهيم بن خليل، وجماعة. حفظ " التنبيه "، ولما مات والده ولي تدريس الكلاسة مدة بعده. وكان إماماً بالقيمرية، ثم انتقل عنها إلى الظاهرية.
حدث بالقاهرة ودمشق وبطريق الحجاز.
توفي رحمه الله تعالى ثالث عشري شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده بحلب سنة خمسين وسبع مئة، وأثنى الناس عليه عند موته كثيراً.
محمد بن عبد المجيد بن عبد الله
القاضي سعد الدين بن فخر الدين بن صفي الدين ابن الأقفاصي.
كان قد ولي نظر الخزانة بمصر، ولما توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك في سنة ثمان وسبع مئة توجه صحبته، وأظهر هناك شراً كثيراً وعسفاً.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة أربع عشرة وسبع مئة في ثامن عشري ذي الحجة.
كذلك يقال في ألسنة العوام: " الأقفاصي "، وإنما هو الأقفهسي، بهمزة
مفتوحة وقاف ساكنة وفاء مفتوحة وبعدها سين مهملة، نسبة إلى أقفهس، وهي قرية من قرى مصر.
محمد بن عبد المجيد بن أبي الفضل
ابن عبد الرحمن بن زيد الحنبلي، الشيخ الفقيه الإمام المفتي بدر الدين أبو عبد الله.
كان فاضلاً صالحاً مسجلاً، ليس في بلده له نظير، وكان يكتب الإسجالات والشروط كتابة مليحة خطاً ولفظاً.
ويفتي الناس ويقرئهم.
توفي رحمه الله تعالى تاسع شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده سنة خمس وأربعين وست مئة.
محمد بن عبد المحسن بن الحسن
شرف الدين الأرمنتي، قاضي البهنسا.
كان فقيهاً نحوياً شاعراً ذكياً كثير الاحتمال، أريباً باذلاً للنوال. بنى مدرسة ورباطاً ومسجداً بالبهنسا. ورسخ بذلك قدمه في الخير ورسا.