وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة يوم السبت رابع جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وفي شهر ربيع الأول ورد البريد يطلبه إلى مصر متولياً قضاء القضاة بها عوضاً عن قاضي القضاة شمس الدين السروجي، وولاه السلطان أيضاً تدريس الناصرية والصالحية وجامع الحاكم. وكان وهو بدمشق قد عزل بقاضي القضاة شمس الدين الأذرعي، وطلب للأذرعي توقيع شريف من الشام، فلما كان في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبع مئة وصل البريد من مصر ومعه توقيع فتوهم البريدي أنه لقاضي القضاة ابن الحريري، فتوجه به إليه، وحضر أصحابه إليه للهناء به، ففتح التوقيع وقرئ، ولما وصل القارئ إلى الاسم وجده غير فطوى التوقيع، وحصل لقاضي القضاة خجل من هذا الأمر، وكانت هذه واقعة غريبة.
ولما أقام بمصر قاضياً كان لبكتمر الساقي إصطبل بأرض بركة الفيل لورثة الملك الظاهر وقفاً، فتعرض إليهم وقال: هذه الأرض زادت معكم، فتوجه وكيل بيت المال ونائب الحكم لقياس الأرض فما زادت شيئاً، ثم أرسلوهم مرة أخرى وتحيلوا على الزيادة وقالوا: أعطونا أرض الإصطبل بالزيادة، فقالوا: نحن نشهد علينا بقبض الأجرة ونعوض، فقيل للسلطان: في مذهب أبي حنيفة يجوز التعويض، فقال لابن الحرير عن ذلك، فقال: هذا رواية عن أبي يوسف وحده، وما أعمل بها، فولى السلطان القاضي سراج الدين عمر صهر القاضي السروجي قاضياً وعزل ابن
الحريري، وحكم سراج الدين بذلك وبقي على القضاء مدة يسيرة، ثم مات، وأعيد ابن الحريري، وعظمت مكانته.
وكان فقيهاً جيداً، له محفوظات جيدة، ودرس بعدة مدارس، وأفتى وشغل الطلبة وولي قضاء دمشق مدة سنتين، وانفصل منه، ثم طلب لقضاء مصر، وكان موصوفاً بالنزاهة لا يقبل لأحد هدية، وكان له حرص على خلاص الحقوق وفصل القضايا، وصحبته جيدة، ومودته أكيدة، ينفع أصحابه ومعارفه.
وكانت جنازته حافلة، وعمل عزاؤه بالجامع الأموي، وكان قد سمع الحديث على النجيب المقداد، وابن علان، وغيرهم. وحدث بدمشق والقاهرة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن عشرة من الشيوخ، قرئ عليه غير مرة.
وفي قاضي القضاة شمس الدين الحريري يقول شمس الدين الباذرائي:
مذ أسلمتني عين أم سالم ... إلى الردى يئست من مسالمي
وكلما قل نصيبي عندها ... تكاثرت في حبها لوائمي
يا مقلتي أنتما نعمتما ... والقلب يشقى وهو غير جارم
جنيتما الذنب فلا أقل من ... أن تبكيا قلبي بدمع ساجم
عيناي عونان علي وهما ... مني وهل بعدهما من راحم
قلبي غمر في اتباع غيه ... يا ليتني بدلته بحازم
منها في المديح:
قد ختم الدهر به أجواده ... وإنما الأعمال بالخواتم
وقال يمدحه أيضاً:
أشكو إلى عثمان جود ابنه ... فقد رماني في الطويل العريض
قد صيد الباخل بحر الندى ... وعلم المفحم نظم القريض
والشيء لا يظهر تمييزه ... للناس إلا بوجود النقيض
له يد فياضة بالندى ... كالبحر إلا أنها لا تغيض
عجبت من حاسده كيف لا ... يقضي أسى وهو المعنى المريض
قلت: البيتان الأولان من هذه القصيدة مأخوذان من قول الأول:
ما رأينا من جود فضل ابن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء
محمد بن عثمان بن أسعد
ابن المنجا بن بركات بن المؤمل، الرئيس الإمام، شيخ الجماعة من الحنابلة، وجيه الدين أبو المعالي بن المنجا التنوخي الدمشقي الحنبلي.
سمع من ابن اللتي حضوراً، ومن جعفر الهمداني، ومكرم، وسالم بن صصرى، وخضر بن المقير.
ودرس بالمسمارية، وكان صدراً مبجلا، وجواداً يذر الغمام مبخلا، ديناً محترما، صيناً لا يرى منه وقت من البر محترما، محباً للأخيار، مجانباً للأغيار، له تسرع في الخير، وهمة تسابق البرق فضلاً عن الطير.
ولم يزل على حاله إلى أن هلك ابن المنجا، وأصبح على فراشه مسجى.
وتوفي رحمه الله تعالى بدار القرآن في شهر شعبان سابعه سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وكانت له أملاك ومتاجر، وله بر وأوقاف، أنشأ داراً للقرآن بدمشق ورباطاً بالقدس، وباشر نظر الجامع الأموي تبرعاً، وكان من أولي الاقتصاد في ملبسه مع سعة دائرته وسعادته.
محمد بن عثمان بن عبد الله
سراج الدين أبو بكر الدرندي، الفقيه الشافعي.
قرأ القراءات على نجم الدين عبد السلام بن حفاظ صهره، وتصدر للإقراء بقوص سنين كثيرة، وانتفع به جمع كثير.
وكان متقناً ثقة، وسمع من الحافظ ابن الكومي، وتقي الدين بن دقيق العيد، ومحمد بن أبي بكر النصيبي، وعبد النصير بن عامر بن مصلح الإسكندري وغيرهم، وحدث بقوص.
وقرأ الفقه على جلال الدين أحمد الدشناوي، وسراج الدين بن دقيق العيد ودرس، وناب في الحكم بقفط وقنا وقوص.
واستمر في النيابة إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وكان يستحضر متوناً كثيرة من الحديث والتفسير والإعراب، واختلط في آخر عمره.
محمد بن عثمان بن محمد
ابن علي بن وهب بن مطيع، جلال الدين ابن علم الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
سمع جده، والحافظ الدمياطي، والفقيه المقرئ تقي الدين محمد بن أحمد بن عبد الخالق الصائغ، ومن أحمد بن إسحاق الأبرقوهي، وغيرهم. واشتغل بالمذهبين المالكي والشافعي.
وقرأ " مختصر المحصول " لجد والده الشيخ مجد الدين وكان يذكر بخير وينسب إلى دين.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: وكان قاضي القضاة ابن جماعة يؤثره ويبره، ودعه مرةً فأعطاه ذهباً وفضة من ماله، وكتب له بتدريس دار الحديث بقوص، فأقام بها مدة.
وتوفي بالقاهرة سنة ست أو سبع وعشرين وسبع مئة.
محمد بن عثمان بن أبي بكر
قاضي القضاة شرف الدين النهاوندي، قاضي صفد وغيرها.
كان من أعرف الناس بالمداراه، وأخلبهم في المحادثة والمجاراه، له دربة بسياسة الخصوم ومصالحهم، وقودهم إلى تراضيهم بعد تشاحيهم ومشاحتهم، وله قدرة على مداخلة النواب، والعبور إلى رضاهم من كل باب، وكان ممتع المحاضره، شهي المسامره، لطيف الأخلاق، ذا كرم دفاق، تنقل في البلاد كثيرا، وقاسى في آخر عمره قلةً وفقراً كبيرا.
ولم يزل على حاله إلى أن ضمه ترابه وفارقه أحبابه وأترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة أربعين وسبع مئة بالقاهرة.
كان أولاً قد تولى قضاء صفد بعد والده المقدم ذكره في مكانه من حرف العين، وأقام بها إلى أن طلب إلى مصر، وانحرف عليه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة وعزله بالقاضي فتح الدين القليوني، ثم إن قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى حنا عليه وولاه قضاء عجلون، ثم قضاء نابلس، ثم ولاه قضاء القضاة بطرابلس، ثم إنه أعيد إلى صفد بعد القاضي حسام الدين القرمي، ثم إنه نقل إلى قضاء طرابلس، ثم أعيد إلى صفد بعد القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي فيما أظن وأقام بها إلى أن تغير عليه الأمير سيف الدين تنكر، فعزله بالقاضي شمس الدين الخضري، فأقام في بيته بصفد بطالاً نحواً من أربع سنين، ثم إنه توجه إلى القاهرة ونزل عند الأمير سيف الدين أرقطاي لما بينهما من الصحبة، فمات هناك في التاريخ.
محمد بن عثمان بن حمدان
شمس الدين الثعلبي المعروف بابن البياعة.
كان شاعراً، مدح الأمير علم الدين الدوادار وغيره، وكان مشد الرقيق، يخدم في الجهات السلطانية.
توفي رحمه الله تعالى حادي عشر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومن شعره:
نعم غرامي بنجد فوق ما زعموا ... أفنى وأبقى وهذا بعض ما علموا
حدث فديتك عن ذاك الحمى وأعد ... ففي حديثك ما يشفى به الألم
ليس الحمى غير قلبي والذي به ... ففيه ثأرهم بالشوق يضطرم
بانوا فبان الغضى ذاو ومنهله ... غور وأنواره من بعدهم ظلم
خيمت يا وجد في قلبي لفقدهم ... فلا رأت وحشةً من أهلها الخيم
ولا تغير واديهم ولا أفلت ... بدوره وسقت أكنافه الديم
فالقلب في حرق والطرف في غرق ... والصبر منثلم والدمع منسجم
محمد بن عثمان بن أحمد
ابن عثمان بن هبة الله بن أحمد بن عقيل، الصدر الفاضل الحكيم فتح الدين أبو عبد الله الشيخ جمال الدين بن أبي الحوافر القيسي.
سمع من النجيب الحراني " مشيخة " ابن كليب، و" مجالس " ابن مسلمة، و" مجالس " الخلال، وحدث، وكان طبيباً معروفاً بالقاهرة.
توفي رحمه الله تعالى في ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة، ودفن بالقرافة.
محمد بن عثمان بن محمد
الفقيه الإمام شمس الدين الأصبهاني المعروف بابن العجمي الحنفي.