وكان يترضى عن عثمان وعن غيره من الصحابة، ويتلو القرآن ليلاً ونهاراً، ويناظر منتصرا للاعتزال متظاهراً بذلك.
توفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة.
محمد بن أبي العز بن مشرف
ابن بيان الأنصاري الدمشقي، الشيخ الجليل، المسند المعمر شهاب الدين البزاز، شيخ الرواية بالدار الأشرفية.
روى الصحيح غير مرة عن ابن الزبيدي، وحدث أيضاً عن ابن صباح والناصح وابن المقير، ومكرم، وابن ماسويه، وتفرد في وقته.
وكان حسن الإصغاء جيد الخط. أخذوا عنه ببعلبك ودمشق وطرابلس وأماكن، وعاش سبعاً وثمانين سنة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في سابع ذي الحجة.
وهو أخو نجم الدين أبي بكر بن العز بن مشرف الكاتب.
محمد بن عقيل بن أبي الحسن
ابن عقيل نجم الدين البالسي، أحد أعيان الشافعية وفضلائها بالديار المصرية.
سمع من الفخر بن البخاري وغيره بدمشق، وسمع ببلبيس من علي بن عبد الكريم، والفضل بن رواحة وغيرهما. وبالقاهرة من ابن دقيق العيد، وناب في الحكم بمصر عن ابن دقيق العيد، وولي قضاء بلبيس ودمياط عن قاضي القضاة ابن جماعة، وولي نيابة الحكم ظاهر القاهرة بالحسينية. ودرس بالمدرسة الطيبرسية بمصر وبالمدرسة المعزية، وبزاوية الدوري بالجامع العتيق وبالمسجد بالشارع خارج القاهرة.
وصنف في الفقه مختصراً حسنا لخص فيه كتاب " المعين "، وشرح " التنبيه " شرحاً جيداً، ولم يكمله، واختصر " كتاب الترمذي في الحديث ".
وكان قوي النفس، حصل بينه وبين فخر الدين ناظر الجيش بسبب أنه ركب لرؤيا الهلال لشهر رمضان ورجع والمديرون أمامه يصيحون على العادة، فمروا على دار فخر الدين، فأهان المديرين، وشق ذلك عليه وانزعج، وتكلم في ذلك، وكتب محضراً، وجرى في ذلك كلام، ولوطف وسئل على أن يجتمع بفخر الدين فلم يفعل.
وطلب منه قاضي القضاة جلال الدين القزويني قضية فتوقف فيها وصرف نفسه، وكان ينوب عنه بمصر، ثم استرضي وعاد.
قال كمال الدين الأدفوي: جئته مرة وهو راكب، وطلبت منه كتاباً من وقف المدرسة المعزية، فرجع إلى المعزية من دار النحاس بمصر فأخرج الكتاب وأرسله
إلي، وكان يؤثر مع ضعف حاله، قانعاً باليسير، مقللاً من المأكل والملبس. دارت الفيتا عليه بمصر، واشتغل طلبة مصر عليه.
وتوفي رحمه الله تعالى رابع عشر المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ستين وست مئة.
قلت: وأجاز لي بالقاهرة بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
محمد بن علي
بن محمد بن الملاق
بالتخفيف في اللام، القاضي بدر الدين الرقي، الفقيه الحنفي.
سمع من بكبرس الخليفتي " الأربعين الودعانية " وسمعها منه الدواداري، وأجز للدماشقة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة تسع عشرة وست مئة.
محمد بن علي
الأمير شهاب الدين العقيلي، نائب الدواداري في شد الدواوين بالشام.
قتل في أواخر سنة سبع وتسعين وست مئة، وكان قد شاخ وأسن وسمر قاتله.
محمد بن علي بن محمد بن علي
ابن منصور المؤمل بن محمود البالسي، المسند عماد الدين أبو المعالي.
كان يشهد على الحكام مدة طويلة، وأسمعه أبوه حضوراً وسماعاً واستجاز له من جماعة ببغداد ومصر ودمشق، وانتفع به الناس، وحدث بالقاهرة ودمشق.
ومن شيوخه حضوراً السخاوي، وابن الصلاح، وكريمة القرشية، وشيخ الشيوخ ابن حمويه، والضياء المقدسي الحافظ، وسالم خطيب عقربا، وعمر بن المنجا، وإبراهيم الخشوعي، وإسحاق بن طرخان الشاغوري، وعتيق السلماني، وعبد الحق بن خلف وعبد الملك بن الحنبلي، وعلي بن عبد الصمد الرازي، وعيسى الداركي، وخرج له شيخنا الذهبي جزءاً جمع فيه شيوخه بالسماع والحضور والإجازة على حروف المعجم، وحدث به.
وتوفي رحمه الله تعالى خامس عشر جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده في صفر سنة ثمان وثلاثين وست مئة بدمشق.
محمد بن علي بن وهب بن مطيع
الإمام العلامة شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الفتح ابن الشيخ الإمام مجد الدين المعروف بابن دقيق العيد القشيري المنفلوطي المصري المالكي الشافعي.
سمع من ابن المقير، وابن الجميزي، وابن رواج، والسبط، وعدة. وسمع من
ابن عبد الدائم، والزين خالد بدمشق وخرج لنفسه " أربعين تساعيات " ولم يحدث عن ابن المقير وابن رواج، لأنه داخله شك في كيفية التحمل عنهما.
كان الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى إماماً في فنونه، غماماً فيما يرسله من الفوائد في كلامه وعيونه، مفسراً، محدثا، سبق في هذين من كان عجلاً أو متلبثاً، فقيهاً مدققا، قام بفروع المذهبين محققا، أصولياً أشعريا، حقيقاً بانفراده في ذلك حريا، نحوياً أديبا، ناظماً ناثراً عجيبا، لا يباريه في كل فنونه مبار، ولا يجاريه في مضمارها مجار، ولا تعلق له الريح إذا أم غايةً بغبار.
وإذا خطاب القوم في البحث اعتلى ... فصل القضية في ثلاثة أحرف
وكان ذكياً غواصاً على المعاني، قناصاً لشوارد ما يحاوله من العلوم ويعاني، وافر العقل، سافر الحجب عن وجوه النقل، كثير السكينه، لازم الوقار والأبهة الركينه، بخيلاً بالكلام، قل أن يسمع منه غير رد السلام، شديد الورع، مديد الباع إذا قام في أمر شرعي وشرع، ملازم السهر والسهاد، مداوم المطالعة في استخراج ما ينتفع به في العبادة العباد، وكانت كفه تتخرق، وتدع الغمام حسداً لجوده بنار البرق يتحرق، عديم الدعاوى، كثير الشكر قليل الشكاوى، بصيراً بعلل المنقول، خبيراً بغلل المعقول:
يروي فيرى كل ذي ظمأ له ... بحمى الحديث تعلق وهيام
ببديهة في العلم يقسم من رأى ... ذاك التسرع أنه السهام
وكيف لا يكون ذلك، وهو الذي بعثه الله على رأس المئة ليجدد للأمة أمر دينها، ويحدد لها ما اشتبه من قواعد شريعتها عند تبيينها. وهؤلاء الذين أشار إليهم
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: " يبعث الله على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها ".
كان الأول على رأس المئة الأولى عمر بن عبد العزيز، وعلى رأس المئة الثانية الشافعي رضي الله عنه، وعلى رأس المئة الثالثة ابن سريج، وقيل: أبو الحسن الأشعري، ويمكن الجمع بينهما، فإن الأشعري جاء لأصول الدين، لأن المعتزلة كانوا قد طبقوا الأرض فحجزهم رضي الله عنه في قموع السمسم، وابن سريج جاء لتقرير الفروع.
وعلى رأس المئة الرابعة أبو حامد الإسفراييني، وقيل: سهل بن أبي سهل محمد المقول فيه النجيب بن النجيب، كان أحد عظماء الشافعية الراسخين في الفقه والأصول والحديث والتصوف.
وعلى رأس المئة الخامسة حجة الإسلام أبو حامد الغزالي. وعلى رأس المئة السادسة الإمام فخر الدين الرازي. وعلى رأس المئة السابعة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
ومن سعادة الشافعية أن الجميع شافعيون. فإن قلت: فكيف تعمل في عمر بن عبد العزيز؟ قلت: ما كانت المذاهب الأربعة ظهرت ذلك الزمان.
وقد أنشد شيخ من أهل العلم في مجلس ابن سريج:
اثنان قد مضيا فبورك فيهما ... عمر الخليفة ثم حلف السؤدد
الشافعي الألمعي محمد ... إرث النبوة وابن عم محمد
أبشر أبا العباس إنك ثالث ... من بعدهم سقياً لتربة أحمد
فصاح ابن سريج وبكى، وقال: لقد نعى إلي نفسي، ومات في تلك السنة رحمه الله تعالى.
وزاد على ذلك بعض الفقهاء فقال:
والرابع المشهور سهل محمد ... أضحى عظيماً عند كل موحد
يأوي إليه المسلمون بأسرهم ... في العلم إن جاؤوا بخطب مؤبد
لا زال فيما بيننا خير الورى ... للمذهب المختار خير مجدد
وأنشد من لفظه لنفسه مولانا قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب الأنصاري السبكي الشافعي مكملاً على الأبيات الأولى التي في ابن سريج:
ويقال إن الأشعري الثالث ال ... مبعوث للدين القويم الأملد
والحق ليس بمنكر هذا ولا ... هذا وعلمهما اقرأن فعدد
هذا لنصرة أصل دين محمد ... لنظير ذلك في فروع محمد
وضرورة الإسلام داعية إلى ... هذا وذاك ليهتدي من يهتدي
وقضى أناس أن أحمد الأسفرا ... ييني رابعهم فلا تستبعد
فكلاهما فرد الورى المعدود من ... حزب الإمام الشافعي محمد
والخامس الحبر الإمام محمد ... هو حجة الإسلام دون تردد
وابن الخطيب السادس المبعوث إذ ... هو في أصول الدين أي مؤيد
والسابع ابن دقيق عيد فاستمع ... فالقوم بين محمد أو أحمد
وانظر لسر الله أن الكل من ... أصحابنا فافهم وأنصف ترشد
هذا على أن المصيب إمامنا ... أجلى دليل واضح للمهتدي
يا أيها الرجل المريد نجاته ... دع ذا التعصب والمراء وقلد
هذا ابن عم المصطفى وسميه ... والعالم المبعوث خير مجدد
وضح الهدى بكلامه وبهديه ... يا أيها المسكين لم لا تقتدي
ولم يزل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد إلى أن طفئ سراجه الوهاج، وأثار عليه لواعج الأحزان وهاج.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة حادي عشر صفر سنة اثنتين وسبع مئة.
ومولده في البحر الملح وكان والده رحمه الله تعالى متوجهاً إلى مكة في البحر، فولد له عند الينبع في يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين وست مئة، ولذلك ربما كتب بخطه: " السجي ". ثم إن والده أخذه على يده فطاف به وجعل يدعو الله أن يجعله عالماً عاملاً.
وقلت أنا فيه:
ومن عند الطواف بخير بيت ... غدا يدعو أبوه له هنالك
بأن يمتاز في عمل وعلم ... فقل لي كيف لا يأتي كذلك
وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى قد تفقه بأبيه الشيخ مجد الدين بقوص، وبالشيخ عز الدين بن عبد السلام بالقاهرة وبطائفة، واشتهر اسمه في حياته وحياة مشايخه، وتخرج به أئمة.
وكان لا يسلك المراء في بحثه، بل يتكلم بسكينة كلمات يسيرة، فلا يراد ولا يراجع. وكان عارفاً بمذهبي مالك والشافعي، كان مالكياً أولاً، ثم صار شافعياً.