بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 583

الشمال عشرين سنة. أو قال: " سنين "، الشك مني أنا في روايتي عن شيخنا تقي الدين - لم يكتب علي شيئاً، قال السنباطي: فاجتمعت به وقلت له: قال فلان عن مولانا كذا وكذا، فقال: أظن ذلك أو كذلك يكون المسلم، أو كما قال.
وكان يقول: ما تكلمت كلمة ولا فعلت فعلاً إلا وأعددت له جواباً بين يدي الله تعالى.
ولما جاءت التتار ورد مرسوم السلطان إلى مصر بجمع العلماء وقراءة البخاري، فقرؤوا البخاري إلى أن بقي ميعاد أخروه ليختم يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة رئي الشيخ تقي الدين في الجامع فقال: ما فعلتم ببخاريكم؟ فقالوا: بقي ميعاد ليكمل اليوم، فقال: انفصل الحال من أمس العصر وبات المسلمون على كذا، فقالوا: نخبر عنك؟ قال: نعم، فجاء الخبر بعد أيام بذلك، وذلك في سنة ثمانين وست مئة على حمص، ومقدم التتار منكوتمر.
وقال عن بعض الأمراء وقد خرج من القاهرة إنه ما يرجع، فما رجع.
وأساء شخص عليه الأدب فقال الشيخ: نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات، فمات بعد ثلاثة أيام.
واستمع له بعض أصحابه ليلةً وهو يقرأ، قال: فوصل إلى قوله تعالى: " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ". قال: فما زال يكررها حتى طلع الفجر.


صفحه 584

قلت: ويدل على ذلك تحريه في عدم الكلام، وأنه كان بخيلاً، وشعره فيه أيضاً ما يدل على ذلك.
أنشدني الشيخ شمس الدين بن نباته المصري من لفظه، قال: أنشدني الشيخ تقي الدين لنفسه:
الجسم تذيبه حقوق الخدمه ... والنفس هلاكها علو الهمة
والعمر بذاك ينقضي في تعب ... والراحة ماتت فعليها الرحمة
ومن العجيب ما نقلته أنا من بعض التعاليق أن هذين البيتين حفظهما تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقي الدين، وكان فارضاً عاقداً بالحسينية، فاتفق أنه قال في وقت في الهاجرة بمسجد الجوادي، فرأى في النوم والدهما الشيخ مجد الدين، رحمه الله تعالى، فسلم عليه، وسأله عن حاله، فقال: يا سيدي بخير. فقال: كيف محمد أخوك؟ قال: بخير، الساعة كنت عنده وأنشدني هذين البيتين. وأنشدهما، فقال: سلم عليه وقل له:
الروح إلى محلها قد تاقت ... والنفس لها مع جسمها قد عاقت
والقلب معذب على جمعهم ... والصبر قضى وحيلتي قد ضاقت
ونقلت أنا من خطه رحمه الله تعالى لنفسه:
أفكر في حالي وقرب منيتي ... وسيري حثيثا في مصيري إلى القبر
فينشئ لي فكري سحائب للأسى ... تسح دموعا دونها وابل القطر
إلى الله أشكو من وجودي فإنني ... تعبت به مذ كنت في مبدأ العمر


صفحه 585

تروح وتغدو للمنايا فجائع ... تكدره والموت خاتمة الأمر
ونقلت من خطه له أيضاً:
سحاب فكري لا يزال هامياً ... وليل همي لا أراه راجلا
قد أتعبتني همتي وفطنتي ... فليتني كنت مهينا جاهلا
قلت: جاء في كلام أرسطو: تعبت بعرفاني فليتني خلقت لا أعرف.
وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن نباتة المصري قال: أنشدنا من لفظه لنفسه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
أتعب نفسك بين ذلة كادح ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت عمرك لا خلاعة ماجن ... حصلت فيه ولا وقار مبجل
وتركت حظ النفس في الدنيا وفي ال ... أخرى ورحت عن الجميع بمعزل
ولقد وقفت له على جواب طويل كتبه بخط يده في درج إلى الأمير سيف الدين منكوتمر نائب السلطان حسام الدين لاجين، وكان عند أستاذه الجزء الذي لا يتجزأ، وقد كتب فيه بعد البسملة.
" ورد على العبد الفقير محمد بن علي مخاطبة الأمير الكبير سيف الدين، ووقف عليها وعجب منها لأمرين، ثم إنه ذكر كل فصل ويجيبه عنه، إلى أن قال في آخر ذلك: فكتب الأمير إلي كتاباً يكتب إلى من ليس عنده من الدين شيء، ولو كان الأمير عرف مني ارتكاب الكبائر الموبقات ما زاد على ما فعل، وبالجملة فإن الله تعالى


صفحه 586

أمر نبيه بالمباهلة والملاعنة في الدين، فقال لأهل الكتاب: " فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنائكم ونسائنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " فنتمثل أمر الله لرسوله ونقول: اللهم يا شديد البطش، يا جبار، يا قهار، يا حكيم، يا قوي يا عزيز يا قوي يا عزيز، يا قوي يا عزيز، نسب إلي أكل الحرام من المدارس الغائبة، وإلى أمور أنت أعلم بسرها، فإن كان ذلك في علمك صحيحاً فاجعل لعنتك ولعنة ملائكتك والناس أجمعين علي، وإن لم يكن صحيحاً فاجعلها على من افترى علي بها، وإن كان الولد قد فعل ما قيل من أخذ البراطيل فاجعلها عليه، وإن لم يكن فاجعلها على من افترى عليه، فهذا إنصاف وامتثال لما أمر الله به رسوله، وربك بالمرصاد، والشكوى إلى الله الحكم العدل ".
فلم يلبث إلا أسبوعاً أو أقل أو أكثر حتى قتل السلطان وحبس منكوتمر، ثم أخرج من محبسه وذبح.
وكان من شدة وسواسه ما يجلس على جوخ ولا يقربه.
وكان في بعض الأيام طلع إلى السلطان حسام الدين وهو جالس على طراحة جوخ، فجلس معه عليها وقضى شغله، وعاد إلى بيته، ونزع كل ما عليه وغسله.


صفحه 587

فقالوا له: يا سيدي لا كنت جلست عليها، فقال فكرت إن جلست دونه أكن قد أهنت منصب الشرع، وهو أمر ما يزول، فجلست معه وغسلت ما علي فزال.
وقيل: إنه امتنع من أكل الحلوى فقيل له في ذلك، فقال: لأني رأيت يوماً بعض الصناع يحرك دست حلوى ثم إنه أراق ماءً ولم يستنج. وقيل: كان يغسل الحلوى ويأكلها.
وكان قد عزل نفسه في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وست مئة، ثم إنه أعيد إلى القضاء وخلع عليه، ورسم له أن لا يستنيب ولده محب الدين.
وعلى الجملة فكان امرأ غريباً قل أن ترى العيون مثله زهداً وورعاً وتصميماً وتحرياً واجتهاداً وعبادة وتوسعاً في العلوم.
فهو الذي بجح الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأشعار
وأما ما كان يقع في حقه من شيخنا العلامة أثير الدين فله سبب، أخبرني شيخنا الحافظ أبو الفتح اليعمري قال: كان الشيخ تقي الدين قد نزل عن تدريس مدرسة لولده، أنسيت أنا اسم المدرسة واسم ابنه، فلما حضر الشيخ أثير الدين درس قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز قرأ آيةً يدرس بها ذلك اليوم وهي " قد خسر الذين قتلوا أولادهم " الآية، فبرز أبو حيان من الحلقة وقال: يا مولانا قاضي القضاة " قدموا أولادهم "، يكرر ذلك، فقال قاضي القضاة: ما معنى هذا؟ فقال: ابن دقيق العيد نزل لولده فلان عن تدريس المدرسة الفلانية، فنقل المجلس إلى الشيخ


صفحه 588

تقي الدين بن دقيق العيد فقال: أما أبو حيان ففيه دعابة من أهل الأندلس ومجونهم، وأما أنت يا قاضي القضاة يبدل القرآن في حضرتك وما تنكر هذا الأمر. فما كان إلا قليل حتى عزل ابن بنت الأعز عن القضاء بابن دقيق العيد. وكان إذا خلا شيء من الوظائف التي تليق بالشيخ أثير الدين يقول الناس: هذه لأبي حيان، فتخرج عنه لغيره. فهذا هو السبب الموجب لحطه عليه وشناعته.
والصحيح أن أهل العصر لا يرجع إلى جرح بعضهم بعضا بهذه الواقعة وأمثالها:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا
وبعد هذا ما خلص ابن بنت الأعز من ضرب العنق إلا ابن دقيق العيد، لأن الوزير شمس الدين بن السلعوس لما عمل على ابن بنت الأعز وعزله، وعمل محاضر بكفره، وأخذ خط الجماعة على المحاضر، ولم يبق إلا خط ابن دقيق العيد، أرسل إليه المحاضر مع النقباء وقال: يا مولانا الساعة تضع خطك على هذه المحاضر، فأخذها وشرع يتأملها واحداً وحداً، والنقباء من القلعة يتواترون بالحث والطلب والإزعاج، وأن الوزير والسلطان في طلب ذلك، وهو لا ينزعج، وكلما فرغ محضراً


صفحه 589

دفعه إلى الآخر وقال: ما أكتب فيها شيئاً. قال الشيخ فتح الدين: فقلت أنا: يا سيدي لأجل السلطان والوزير، فقال: أنا ما أدخل في إراقة دم مسلم، قال: فقلت: فكيف كنت تكتب خطك بذلك، وبما يخلص فيه؟ فقال: يا فقيه ما عقلي عقلك، هم ما يدخلون إلى السلطان ويقولون: قد كتب فلان بما يخالف خطوط الباقين، وإنما يقولون: قد كتب الجماعة، وهذا خط ابن دقيق العيد، فأكون أنا السبب الأقوى في قتله، قال: فأبطل ذلك عملهم، وسكن سورتهم، وأطفأ شواظ نارهم.
قال شيخنا أبو الفتح: وما كان الشيخ تقي الدين يعجبه من يقول: قاضي القضاة الشافعي، فإذا قلنا: قاضي القضاة الشافعية قال: إيه هذا.
وأخبرني شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء قال: قال لي يوماً الشيخ تقي الدين: قول أبي الطيب:
أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى
في هذا شيء غير إساءة الأدب، ففكرت ساعة، ثم قلت: نعم، كون الموت ما يتفاوت إن كان بالسيف أو بغيره، فالإحياء من الموت سبيل واحدة، فقال: أحسنت يا فقيه. أو كما قال.


صفحه 590

وهذه المؤاخذة دقيقة لا تصدر إلا من أديب كبير كالجاحظ أو غيره.
قال لي شيخنا شهاب الدين: ما رأيت في أهل الأدب مثله، وناهيك بمن يقول مثل الشهاب محمود في حقه مثل هذا، وقد كان شيخ الأدب في زمانه، ووقفت أنا له على كتاب كتبه إلى قاضي القضاة شهاب الدين الخويي شافعاً ومتشوقاً: " يخدم المجلس لا زال حافظاً لأحكام الجود، محفوظاً بضمان الله في ضمن السعود، محروس العزم من دواعي الهوى والعز من دعاوي الحسود، مقابل وجه الرأي بمرآة الحق، مولي جناب الباطل جانب الصدود، ولا برح على العفاة سحائب كرمه، ويروي الرواة من بحار علوم تمد من قلمه، ويجلو أبكار الأفكار مقلدة بما نظم السحر من حلي كلمه، ويبرز خفيات المعاني منقادةً بأيد ذهنه وأيدي حكمه، ويسمو إلى غايات المعالي حتى يقال: أين سمو النجم من هممه، ويسبغ من جمال فضله وجميله ما يبصره الجاهل على عماه، ويسمعه الحاسد على صممه، وينهي من ولائه ما يشهد به ضميره الكريم، ومن ثنائه ما هو أطيب من ودائع الروض في طي النسيم. ومن دعائه ما يقوم منه بوظيفة لا تهمل، ويشيعه برجاء يطمع معه
بكرم الله أن يقبل ويقبل، ويجري منه على عادة إذا انقضى منها ماض تبعه الفعل في الحال والعزم في المستقبل، غير خاف أنه " لكل أجل كتاب "، ولكل مقصود أسباب، ولم يزل يهم بالكتابة والأيام تدافع، ويعزم على المخاطبة فتدفع في صدر عزمه الموانع، حتى