وهذه المؤاخذة دقيقة لا تصدر إلا من أديب كبير كالجاحظ أو غيره.
قال لي شيخنا شهاب الدين: ما رأيت في أهل الأدب مثله، وناهيك بمن يقول مثل الشهاب محمود في حقه مثل هذا، وقد كان شيخ الأدب في زمانه، ووقفت أنا له على كتاب كتبه إلى قاضي القضاة شهاب الدين الخويي شافعاً ومتشوقاً: " يخدم المجلس لا زال حافظاً لأحكام الجود، محفوظاً بضمان الله في ضمن السعود، محروس العزم من دواعي الهوى والعز من دعاوي الحسود، مقابل وجه الرأي بمرآة الحق، مولي جناب الباطل جانب الصدود، ولا برح على العفاة سحائب كرمه، ويروي الرواة من بحار علوم تمد من قلمه، ويجلو أبكار الأفكار مقلدة بما نظم السحر من حلي كلمه، ويبرز خفيات المعاني منقادةً بأيد ذهنه وأيدي حكمه، ويسمو إلى غايات المعالي حتى يقال: أين سمو النجم من هممه، ويسبغ من جمال فضله وجميله ما يبصره الجاهل على عماه، ويسمعه الحاسد على صممه، وينهي من ولائه ما يشهد به ضميره الكريم، ومن ثنائه ما هو أطيب من ودائع الروض في طي النسيم. ومن دعائه ما يقوم منه بوظيفة لا تهمل، ويشيعه برجاء يطمع معه
بكرم الله أن يقبل ويقبل، ويجري منه على عادة إذا انقضى منها ماض تبعه الفعل في الحال والعزم في المستقبل، غير خاف أنه " لكل أجل كتاب "، ولكل مقصود أسباب، ولم يزل يهم بالكتابة والأيام تدافع، ويعزم على المخاطبة فتدفع في صدر عزمه الموانع، حتى
طلع بهذا الوقت فجر حظه، واستناب منافثة قلمه عن مشافهة لفظه، وقال لخدمته هذه: ردي مورداً غير آسن، وتهني بمحاسن لا تشبهها المحاسن، وتوطني المحلة المسعودة فكما يسعد الناس، فكذلك تسعد الأماكن، وشاهدي من ذلك السيد صدراً بشره بالنجح ضامن، وشهاباً ما زلنا نعد السيادة سبعاً حتى عززت لنا منه بثامن، وكان السبب في ذلك أن القاضي نجم الدين بمحلة منف لما قدم القاهرة أقام بحيث نقيم، وحاضرنا محاضرة الرجل الكريم، ونافث منافثةً " لا لغو فيها ولا تأثيم "، ولازم الدروس ملازمةً لولا أنها محبوبة لقلنا ملازمة غريم، وتلك حقوق له مرعيه، ومعرفة أنسابها مراضعة العلوم الشرعيه، وقصد هذه الخدمة إلى المجلس، فكان ذلك من واجب حقه، وذكر ثناءً فقلنا: رأيت الحق لمستحقه وسيدنا حرسه الله تعالى أهل لتقليد المنن، ومحل لأن يظن به كل حسن، والعلم بمروءته لا يقبل تشكيك المشكك، وأبوة يقتضي أن يرتقي من بعروة وده يستمسك. والله تعالى يرفع شانه، ويعلي برهانه، ويكتب له يوم إحسانه، ويطوي على المعارف اليقينية جنايه، ويطلق بكل صالحة يده ولسانه بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى ".
قلت: ما أعرف من كتب الإنشاء بعد القاضي الفاضل رحمه الله تعالى مثل القاضي
محيي الدين ابن عبد الظاهر، وماله مثل هذه المكاتبة إذا لم تعتبر التورية علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
وأنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: أنشدني من لفظه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد لنفسه:
أأحباب قلبي والذين بذكرهم ... وترداده طول الزمان تعلقي
لئن غاب عن عيني بديع جمالكم ... وجار على الأبدان حكم التفرق
فما ضرنا بعد المسافة بيننا ... سرائرنا تسري إليكم فنلتقي
وبالسند المذكور له أيضاً:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثل ما يرتضي
فقلت لما لم يكن ذا تقى ... تعارض المانع والمقتضي
ومن شعر الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى:
كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح
قد كلت العيس فجد الهوى ... واتسع الكرب فضاق الفسيح
وكادت الأنفس مما بها ... تزهق والأرواح منها تطيح
واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعةً ... وقيل بل ذكراك وهو الصحيح
قلت: لا أعرف لأحد من المتقدمين ولا من المتأخرين حسن هذا المخلص ثم إنه نص على الصحيح بعد ذلك.
ومن شعره:
يا معرضاً عني ولست بمعرض ... بل ناقضاً عهدي ولست بناقض
أتعبتني فخلائق لك لم يفد ... فيها وقد جمحت رياضة رائض
أرضيت أن تختار رفضي مذهباً ... ويشنع الأعداء أنك رافضي
ومنه:
قد جرحتنا يد أيامنا ... وليس غير الله من آس
فلا ترج الخلق في حاجة ... ليسوا بأهل لسوى الياس
ولا تزد شكوى إليهم فلا ... معنى لشكواك إلى قاشي
وإن تخالط منهم معشرا ... هويت في الدين على الراس
يأكل بعض لحم بعض ولا ... يحسب في الغيبة من باس
لا ورع في الدين يحميهم ... عنها ولا حشمة جلاس
لا يعدم الآتي إلى بابهم ... من ذلة الكلب سوى الخاسي
فاهرب من الناس إلى ربهم ... لا خير في الخلطة بالناس
ومن شعره رحمه الله تعالى:
وقائلة مات الكرام فمن لنا ... إذ عضنا الدهر الشديد بنابه
فقلت لها: من كان غاية قصده ... سؤالاً لمخلوق فليس بنابه
لئن مات من يرجى فمعطيهم الذي ... يرجونه باق فلوذي ببابه
ومنه:
ومستعبد قلب المحب وطرفه ... بسلطان حكم لا ينازع في الحكم
متين التقى عف الضمير عن الخنا ... رقيق حواشي الطرف والحسن والفهم
يناولني مسواكه فأظنه ... تحيل في رشفي الرضاب بلا إثم
ومنه:
إذا كنت في نجد وطيب نسيمها ... تذكرت أهلي باللوى فمحجر
وإن كنت فيهم ذبت شوقاً ولوعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري
وقد طال ما بين الفريقين قصتي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري
ومنه، وقيل إنه في ابن الجوزي:
دققت في الفطنة حتى لقد ... أبديت ما يسحر أو يسبي
وصرت في أعلى مقاماتها ... حيث يراك الناس كالشهب
وسار ما صيرت من جوهر ال ... حكمة في الشرق والغرب
ثم تنازلت إلى حيث لا ... ينزل ذو فهم وذو لب
تثبت ما تجحده فطرة ال ... عقل ولا تشعر بالخطب
أنت دليل لي على أنه ... يحال بين المرء والقلب
ومنه ما نظمه في بعض الوزراء:
مقبل مدبر بعيد قريب ... محسن مذنب عدو حبيب
عجب من عجائب البر والبح ... ر ونوع فرد وشكل غريب
ومن شعره:
يا هل أقضى حاجتي من منى ... وأنحر البزل المهاريا
وأرتوي من زمزم فهي لي ... ألذ من ريق المها ريا
يهيم قلبي طرباً كلما ... أستلمح البرق الحجازيا
ويستخف الوجد عقلي وقد ... لبست أثواب الحجى زيا
ومنه:
تمنيت أن الشيب عاجل لمتي ... وقرب مني في صباي مزاره
لآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره
ومنه:
يا شبابي أفسدت صالح ديني ... يا مشيبي نغصت طيب عيشي
فعدوان أنتما لا صديقا ... ن تلعبتما بحلمي وطيشي
ومنه:
لم يبق لي أمل سواك فإن يفت ... ودعت أيام الحياة وداعا
لا أستلذ لغير وجهك منظراً ... وسوى حديثك لا أريد سماعا
وأنشدني الشيخ شمس الدين بن نباته قال: أنشدني له:
لعمري لقد قاسيت بالفقر شدةً ... وقعت بها في حيرة وشتات
فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتي ... وإن لم أبح بالصبر خفت مماتي
فأعظم به من نازل بملمة ... يزيل حيائي أو يزيل حياتي
وأنشدني من لفظه شيخنا فتح الدين قال: أنشدني من لفظه له:
الحمد لله كم أسعى بعزمي في ... نيل العلا وقضاء الله ينكسه
كأنني البدر أبغي الشرق والفلك ال ... أعلى يعارض مسعاه فيعكسه
قلت: هذا مثل قول الأرجاني:
سعيي إليكم في الحقيقة والذي ... تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى ... دهري فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى له ... والسير رأي العين نحو المغرب
قلت: إلا أن هذا المعنى الذي أتى به الشيخ تقي الدين في بيتين فهو أخصر. وقد تكلمت في " شرح لامية العجم " على معنى الأرجاني وأوضحته.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين، وكان خصيصاً بالشيخ تقي الدين قال: كان الشيخ مغرىً بالكيمياء، معتقداً صحتها، قال: لأنه اتفق لي في مدينة قوص من صنعها بحضوره وحكى لي الواقعة بطولها في ذلك.
وممن روى عنه الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، وقطب الدين بن منير، وقاضي القضاة علاء الدين القونوي، وقاضي القضاة علم الدين الأخنائي، وآخرون، وحدث شيخنا الذهبي إملاءً.
وقال كمال الدين الأدفوي: حكى القاضي شهاب الدين بن الكويك التاجر الكارمي رحمه الله تعالى، قال: اجتمعت به مرةً واحدة، فرأيته في ضرورة، فقلت: يا سيدنا ما تكتب ورقة لصاحب اليمن؟ اكتبها وأنا أقضي فيها الشغل، فكتب ورقة لطيفة فيها:
تجادل أرباب الفضائل إذ رأوا ... بضاعتهم موكوسة الحظ في الثمن
وقالوا عرضناها فلم نلف طالباً ... ولا من له في مثلها نظر حسن
ولم يبق إلا رفضها واطراحها ... فقلت لهم لا تعجلوا السوق باليمن
وأرسلها إليه فأرسل له مئتي دينار، واستمر يرسلها صاحب اليمن إلى أن مات.