فقيل تعريسهم ساعةً ... وقيل بل ذكراك وهو الصحيح
قلت: لا أعرف لأحد من المتقدمين ولا من المتأخرين حسن هذا المخلص ثم إنه نص على الصحيح بعد ذلك.
ومن شعره:
يا معرضاً عني ولست بمعرض ... بل ناقضاً عهدي ولست بناقض
أتعبتني فخلائق لك لم يفد ... فيها وقد جمحت رياضة رائض
أرضيت أن تختار رفضي مذهباً ... ويشنع الأعداء أنك رافضي
ومنه:
قد جرحتنا يد أيامنا ... وليس غير الله من آس
فلا ترج الخلق في حاجة ... ليسوا بأهل لسوى الياس
ولا تزد شكوى إليهم فلا ... معنى لشكواك إلى قاشي
وإن تخالط منهم معشرا ... هويت في الدين على الراس
يأكل بعض لحم بعض ولا ... يحسب في الغيبة من باس
لا ورع في الدين يحميهم ... عنها ولا حشمة جلاس
لا يعدم الآتي إلى بابهم ... من ذلة الكلب سوى الخاسي
فاهرب من الناس إلى ربهم ... لا خير في الخلطة بالناس
ومن شعره رحمه الله تعالى:
وقائلة مات الكرام فمن لنا ... إذ عضنا الدهر الشديد بنابه
فقلت لها: من كان غاية قصده ... سؤالاً لمخلوق فليس بنابه
لئن مات من يرجى فمعطيهم الذي ... يرجونه باق فلوذي ببابه
ومنه:
ومستعبد قلب المحب وطرفه ... بسلطان حكم لا ينازع في الحكم
متين التقى عف الضمير عن الخنا ... رقيق حواشي الطرف والحسن والفهم
يناولني مسواكه فأظنه ... تحيل في رشفي الرضاب بلا إثم
ومنه:
إذا كنت في نجد وطيب نسيمها ... تذكرت أهلي باللوى فمحجر
وإن كنت فيهم ذبت شوقاً ولوعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري
وقد طال ما بين الفريقين قصتي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري
ومنه، وقيل إنه في ابن الجوزي:
دققت في الفطنة حتى لقد ... أبديت ما يسحر أو يسبي
وصرت في أعلى مقاماتها ... حيث يراك الناس كالشهب
وسار ما صيرت من جوهر ال ... حكمة في الشرق والغرب
ثم تنازلت إلى حيث لا ... ينزل ذو فهم وذو لب
تثبت ما تجحده فطرة ال ... عقل ولا تشعر بالخطب
أنت دليل لي على أنه ... يحال بين المرء والقلب
ومنه ما نظمه في بعض الوزراء:
مقبل مدبر بعيد قريب ... محسن مذنب عدو حبيب
عجب من عجائب البر والبح ... ر ونوع فرد وشكل غريب
ومن شعره:
يا هل أقضى حاجتي من منى ... وأنحر البزل المهاريا
وأرتوي من زمزم فهي لي ... ألذ من ريق المها ريا
يهيم قلبي طرباً كلما ... أستلمح البرق الحجازيا
ويستخف الوجد عقلي وقد ... لبست أثواب الحجى زيا
ومنه:
تمنيت أن الشيب عاجل لمتي ... وقرب مني في صباي مزاره
لآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره
ومنه:
يا شبابي أفسدت صالح ديني ... يا مشيبي نغصت طيب عيشي
فعدوان أنتما لا صديقا ... ن تلعبتما بحلمي وطيشي
ومنه:
لم يبق لي أمل سواك فإن يفت ... ودعت أيام الحياة وداعا
لا أستلذ لغير وجهك منظراً ... وسوى حديثك لا أريد سماعا
وأنشدني الشيخ شمس الدين بن نباته قال: أنشدني له:
لعمري لقد قاسيت بالفقر شدةً ... وقعت بها في حيرة وشتات
فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتي ... وإن لم أبح بالصبر خفت مماتي
فأعظم به من نازل بملمة ... يزيل حيائي أو يزيل حياتي
وأنشدني من لفظه شيخنا فتح الدين قال: أنشدني من لفظه له:
الحمد لله كم أسعى بعزمي في ... نيل العلا وقضاء الله ينكسه
كأنني البدر أبغي الشرق والفلك ال ... أعلى يعارض مسعاه فيعكسه
قلت: هذا مثل قول الأرجاني:
سعيي إليكم في الحقيقة والذي ... تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى ... دهري فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى له ... والسير رأي العين نحو المغرب
قلت: إلا أن هذا المعنى الذي أتى به الشيخ تقي الدين في بيتين فهو أخصر. وقد تكلمت في " شرح لامية العجم " على معنى الأرجاني وأوضحته.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين، وكان خصيصاً بالشيخ تقي الدين قال: كان الشيخ مغرىً بالكيمياء، معتقداً صحتها، قال: لأنه اتفق لي في مدينة قوص من صنعها بحضوره وحكى لي الواقعة بطولها في ذلك.
وممن روى عنه الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، وقطب الدين بن منير، وقاضي القضاة علاء الدين القونوي، وقاضي القضاة علم الدين الأخنائي، وآخرون، وحدث شيخنا الذهبي إملاءً.
وقال كمال الدين الأدفوي: حكى القاضي شهاب الدين بن الكويك التاجر الكارمي رحمه الله تعالى، قال: اجتمعت به مرةً واحدة، فرأيته في ضرورة، فقلت: يا سيدنا ما تكتب ورقة لصاحب اليمن؟ اكتبها وأنا أقضي فيها الشغل، فكتب ورقة لطيفة فيها:
تجادل أرباب الفضائل إذ رأوا ... بضاعتهم موكوسة الحظ في الثمن
وقالوا عرضناها فلم نلف طالباً ... ولا من له في مثلها نظر حسن
ولم يبق إلا رفضها واطراحها ... فقلت لهم لا تعجلوا السوق باليمن
وأرسلها إليه فأرسل له مئتي دينار، واستمر يرسلها صاحب اليمن إلى أن مات.
وقال كمال الدين أيضاً: قال لي عبد اللطيف بن القفصي: هجوته مرة فبلغه، فلقيته في الكاملية فقال: بلغني أنك هجوتني، أنشدني، فأنشدته بليقةً أولها:
قاضي القضاة أعزل نفسو ... لما ظهر للناس نحسو
إلى آخرها فقال: هجوت جيداً.
وقال قال لي صاحبنا الفقيه الفاضل الثقة مجير الدين عمر بن اللمطي، قال: كنت مرةً بمصر، وطلعت إلى القاهرة، فقالوا لي: الشيخ طلبك مرات، فجئت إليه، فقال أين كنت؟ قلت: بمصر في حاجة، قال: طلبتك في حاجة، سمعت إنساناً ينشد خارج الكاملية:
بكيت قالوا عاشق ... سكت قالوا قد سلا
صليت قالوا زوكر ... ما أكثر فضول الناس
وقال: حكى لي صاحبنا فتح الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن عيسى القليوبي قال: دخلت مرةً عليه وفي يده ورقة ينظر فيها زماناً، ثم ناولني الورقة وقال: اكتب من هذه نسخة، فأخذتها فوجدت فيها " بليقة " أولها:
كيف أقدر أتوب ... وراس إيري مثقوب
وقال: قال لي شيخنا تاج الدين محمد بن أحمد الدشناوي: سمعته ينشد هذه " البليقة " أولها:
جلد عميرة بالزجاج ... ولا الزواج
ويقول: بالزجاج يا فقيه ... ! وقال: حكى لي القاضي سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتي قاضي قوص قال: جئت إليه مرة، وأردت الدخول، فمنعني الحاجب وجاء الجلال العسلوجي فأدخله وغيره، فتألمت، وأخذت ورقة وكتبت فيها:
قل للتقي الذي رعيته ... راضون عن علمه وعن عمله
انظر إلى بابك............ يلوح من خلله
باطنه رحمة وظاهره ... يأتي إليك العذاب من قبله
ثم دخلت وجعلت الورقة في الدواة، وظننت أنه ما رآني، فقال: أجلس، ما في هذه الورقة؟ قلت: يقرأها سيدنا، فقال: أقرأها أنت، فكررت عليه، وهو يرد علي فقرأتها، فقال: ما حملك على هذا؟ فحكيت له، فقال: وقف عليها أحد؟ فقلت: لا، فقال قطعها.
قال: وأخبرني برهان الدين إبراهيم المصري الحنفي الطبيب، وكان قد استوطن قوص سنين، قال: كنت أباشر وقفاً، فأخذه مني شمس الدين محمد ابن أخي الشيخ، وولاه لآخر، فعز علي، فنظمت أبياتاً في الشيخ، فبلغته، فأنا أمشي خلفه
مرة فإذا به قد التفت إلي وقال: يا فقيه، بلغني أنك قد هجوتني، فسكت فقال: أنشدني، فألح علي فأنشدته:
وليت فولى الزهد عنك بأسره ... وبان لنا غير الذي كنت تظهر
ركنت إلى الدنيا وعاشرت أهلها ... ولو كان عن جد لقد كنت تعذر
فسكت زمانا وقال: ما حملك على هذا؟ فقلت: أنا رجل فقير، وأنا أباشر وقفاً أخذه مني فلان، فقال: ما علمت هذا، أنت على حالك، فباشرت الوقف مدةً، وخطر لي الحج، فجئت إليه استأذنه، فدخلت خلفه، فالتفت إلي وقال: أمعك هجو آخر؟ فقلت: لا، ولكني قصدت الحج، وجئت أستأذن سيدي، فقال: مع السلامة ما نغير عليك.
وقال ناصر الدين شافع: من شعر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قوله:
تجاوزت حد الأكثرين إلى العلا ... وسافرت واستبقيتهم في المعاوز
وخضت بحاراً ليس يعرف قدرها ... وألقيت نفسي في فسيح المفاوز
ولججت في الأفكار ثم تراجع اخ ... تياري إلى استحسان دين العجائز
وكتب إليه ناصر الدين حسن بن النقيب الفقيسي لما قدم الديار المصرية في سنة أربع وسبعين وست مئة:
أأنت كالشافعي إذ حل مصراً ... فهو فيها علماً وإن فات عصرا
قد رأيناه مذ قدمت علينا ... وسمعناه بعد ما حل قبرا
وارتضيناك مالكاً وإماماً ... فامض فينا الأحكام نهياً وأمرا