سمع من عثمان بن علي، وإبراهيم بن خليل، وفرج الخادم، وعبد الله بن الخشوعي، وعدة. وخرج له الدمياطي " مشيخة "، وسمعها منه قديماً.
وكان مديماً للاشتغال، ورعاً زاهداً متواضعاً مفسراً، من كبار الحنفية، أعاد بالمنصورية والناصرية والظاهرية والصالحية، وحمل عنه الطلبة من سماعاته " جزء " الذهلي على ابن خطيب القرافة سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشر شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة سبع وأربعين وست مئة.
محمد بن علي بن الحسين بن سالم
الشيخ المقرئ الصالح الحاج، بقية المسندين، شمس الدين، أبو جعفر السلمي المرداسي بن الموازيني.
سماعه سنة اثنتين وعشرين وبعدها، إذ كان عند الملقن.
سمع أبا القاسم بن صصرى، والبهاء عبد الرحمن، وتفرد بالرواية عنهما، وسمع من إسماعيل بن ظفر، وأبي سليمان بن الحافظ، والشيخ الضياء.
وورث من أبيه ثروةً وعقاراً، وجاور مدة، وأنفق في البر والقرب، ثم أعطى ملكه لابنته، وبقى لنفسه كل يوم درهمين، ولبس العسلي وتزهد، وحدث بالحرم، وانحطم بالهرم، وثقل سمعه وضعف بصره.
وحدث عنه ابن الخباز وباقي الطلبة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين منتصف ذي الحجة سنة ثمان وسبع مئة.
ومولده سنة خمس عشرة تقريباً.
محمد بن علي
الإمام الفاضل الفقيه النحوي الأصولي تاج الدين البارنباري الشافعي.
أخبرني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي، رحمه الله تعالى، قال: قرأ المذكور على الشيخ حسن الراشدي القراءات السبع بالفاضلية، وقرأ المعقول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني، وحفظ " التعجيز "، وكان يستحضره إلى آخر وقت، ويعرفه جيداً، وحفظ " الجزولية "، واستمر على حفظ القرآن إلى أن مات.
وكان جيد المناظرة، متوقد الذهن في الفقه والأصولين والعربية والمنطق، وكان عديم التكلف في ملبسه، ولم يكن بيده غير فقاهات بالمدارس، كان يلقب بطوير الليل.
توفي رحمه الله تعالى سنة سبع عشرة وسبع مئة.
وقال لي شيخنا قاضي القضاة تقي الدين، قال لي ابن الرفعة: من عندكم من الفضلاء في درس الظاهرية؟ فقلت له: قطب الدين السنباطي، وفلان، وفلان، وعددت حتى انتهيت إلى ذكر البارنباري، فقال: ما في من ذكرت مثله.
ومن مباحثه في السؤال الذي يورد في قوله تعالى: " لا تأخذه سنة ولا نوم " وتقديره أن السنة أعم من النوم، ويلزم من نفي العام نفي الخاص، فكيف قال " ولا نوم " بعد قوله " لا تأخذه سنة "؟ وقد أجاب الناس على هذا بأجوبة كثيرة، ومن أحسنها ما قاله البارنباري هذا، قال: الأمر في الآية على خلاف ما فهم، والمنفي أولاً إنما هو الخاص وثانياً العام ويعرف ذلك من قوله " لا تأخذه " أي لا تغلبه، ولا يلزم من أخذ السنة التي هي قليل من النوم أو النعاس عدم أخذ النوم له، فقال " ولا نوم " فعلى هذا فالسؤال منتف، وإنما يصح إيراده أن لو قيل لا يحصل له سنة ولا نوم. وهو جواب بليغ، قال مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي: إلا أن لك أن تقول: فلم لا اكتفي بنفي أخذ النوم على هذا التقدير الذي قررت، وما الفائدة في السنة.
ومن سؤالات تاج الدين طوير الليل: سوى الأصحاب بين المانع الحسي والمانع الشرعي فيما إذا باع جاريةً حاملاً بحر أو باع جارية إلا حملها، فإن الصحيح فيهما البطلان، ولم يفعلوا ذلك فيما إذا باع داراً مستأجرة، فإن الصحيح فيها الصحة، والبطلان فيما إذا باع داراً واستثنى منفعتها شهراً.
وأجاب، وقد سئل: كيف يقول الغزالي إن النية في الصلاة بالشروط أشبه وهي بشرط أن تكون مقارنة للتكبير، والتكبير ركن، فيتحد زمان الركن والشرط مع كون الركن لا بد أن يكون داخل النية والشرط خارجاً؟ بأن المراد بالداخل ما تتقوم به الماهية ولا تصدق بدونه وبالخارج ما ليس كذلك سواء أقارن الداخل في الزمان أم لا، فالترتيب ليس في الزمان، والنية لا تتقوم بها الصلاة، لجواز أن توجد بلا نية، وتكون صلاة فاسدة، وكذلك ترك الأفعال الكثيرة في الصلاة فإنه شرط مع أنه لا يوجد إلا داخل الصلاة.
قال مولانا قاضي القضاة تاج الدين السبكي: هذا جوابه، وهو على حسنه قد يقال عليه: هذا يتم إذا قلنا: إن الصلاة موضوعة لما هو أعم من الصحيح والفاسد لتصدق صلاة صحيحة وصلاة فاسدة، أما إذا قلنا: إنما هي موضوعة للصحيح فقط، فحيث انتقى شرطها لا تكون موجودة. وقد حكى الرافعي الخلاف في أن لفظ العبادات هل هو موضوع لما هو أعم من الصحيح والفاسد أو هو مختص بالصحيح حيث قال في كتاب الإيمان: وسيأتي خلاف أن لفظ العبادات هل هو موضوع لما هو أعم من الصحيح والفاسد، أو مختص بالصحيح؟ وإن كان لم يف بما وعد إذ لم يحكه بعد، على ما رأيناه.
محمد بن علي بن محمد بن غانم
الشيخ الفاضل القاضي بدر الدين ابن الشيخ علاء الدين بن غانم، تقدم ذكر أبيه وعمه وأخيه وابن عمه.
كان من جملة كتاب الإنشاء، كان على الاشتغال مكباً وإلى التفهم منصباً لا يثنيه عن ذلك ثان، ولا له من بيته في هذا ثان، يكون في ديوان الإنشاء جالسا، وتراه في مختصر ابن الحاجب دارسا، كثير الصمت، عليه وقار وسمت، يفيض جماعة الإنشاء فيما يفيضون فيه، وهو مشغول بنفسه وصلاح حاله وتلافيه. يتشدد في الكتابة فلا يكتب إلا ما وافق الشريعه، وكان مضمونه إلى الحق ذريعه. وكتب كثيراً وعلق تراجم والتقط ذلك من التواريخ والمعاجم، وكان غاوياً باقتناء الكتب، رافعاً عن البذل فيها أذيال الحجب، على مسكة كانت في يده، وشح سكن في خلده.
وكان جميل الصورة في صباه، مصونا في مرباه. ثم إنه سأل الإعفاء من ديوان الإنشاء، فأجيب إلى ما قصده، وتناول ما رصده.
ولم يزل على ذلك إلى أن سلك سبيل من مضى من الأمم، وأصبح وقد عد في الرمم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر جمادى الأولى سنة أربعين وسبع مئة.
وكان منجمعاً عن الناس لا يتكلم فيما لا يعنيه، يكرر على محافظه الليل والنهار. وكان قد حفظ القرآن و" المنهاج " و" مختصر " ابن الحاجب و" الحاجبية " و"
الملحة "، وعرض ذلك على الشيخ كمال الدين، وعلى الشيخ برهان وعليه تفقه.
ولما توجه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى قضاء حلب وصار بها كتب له إذناً بالإفتاء، وجهزه إليه إلى دمشق، وفي آخر أمره سأل الإعفاء من كتابه الإنشاء وأن يكون له نظير معلومه على الجامع الأموي، فأجيب إلى ذلك. وكان بيده تدريس القليجية الشافعية والشريفية عوضاً عن القاضي نجم الدين الدمشقي، وباشر العمادية والدماغية عوضاً عن الشيخ بدر الدين بن أبي اليسر ابن الصائغ لما توجه لخطابة القدس، وكان يحمل المعلوم إلى أقارب الشيخ بدر الدين، ولما عاد ابن الصائغ إلى دمشق استمر بدر الدين في تدريسهما، فوشى به الأمير حسام الدين بن النجيبي مشد الأوقاف إلى الأمير سيف الدين تنكز، فأمر بإعادة المدرستين المذكورتين إلى ابن الصائغ، وكان قد عين لخطابة القدس عوضاً عن ابن الصائغ فغض ذلك منه.
ولما توجه الشيخ برهان الدين إلى الحجاز ألقى عنه الدرس بالباذرائية، وكان معه عدة وظائف من قراءات على الكراسي وغير ذلك مما يقارب الألف درهم في كل شهر.
وكان جماعة للكتب، أبيع له لما مات قريب الألفي مجلدة، وعلق على " المنهاج " تعليقه، وكان يحب الصالحين.
محمد بن علي بن محمد بن سعيد
ابن حمزة الشيخ الصدر الرئيس شرف الدين بن الصدر علاء الدين التميمي، ابن القلانسي.
من بيت كبير، وكان صاحب ثروة، تزوج في شبابه بابنة قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة، وهو صاحب حمام الزهور بالصالحية، وهو خال عز الدين بن القلانسي.
كان محباً للفقراء والصالحين، وسمع من السخاوي والقرطبي، والعز بن عساكر، وابن مسلمة، غيرهم.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الأول سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة بدمشق.
محمد بن علي بن عبد الواحد
الأنصاري السماكي الدمشقي الزملكاني، الشيخ، الإمام، العالم العلامة، ذو
الفنون، الذكي النحرير، شيخ الشافعية في عصره، كمال الدين أبو المعالي قاضي القضاة بحلب.
سمع من أبي الغنائم بن علان، والفخر علي، وابن الواسطي، وابن القواس، ويوسف بن المجاور، وعدة، وطلب الحديث.
وكان فصيحاً في قراءته متسرعاً. قال شيخنا شمس الدين الذهبي: له خبرة بالمتون، تفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري وأفتى وله نيف وعشرون سنة، وسمي بالشيخ وعمره عشرون سنة.
وقرأ العربية على الشيخ بدر الدين بن مالك، وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الخوييي وشمس الدين الأيكي.
وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي أول قدومه البلاد، أما لما عاد لم يقرأ عليه، وقرأ على قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي.
وأخبرني شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي، قال: قلت له: فرطت في المنطق، قال: كان في طلبي له تلك الأيام شخص يعرف بالإفسنجي، وكنت قد