بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 625

الفنون، الذكي النحرير، شيخ الشافعية في عصره، كمال الدين أبو المعالي قاضي القضاة بحلب.
سمع من أبي الغنائم بن علان، والفخر علي، وابن الواسطي، وابن القواس، ويوسف بن المجاور، وعدة، وطلب الحديث.
وكان فصيحاً في قراءته متسرعاً. قال شيخنا شمس الدين الذهبي: له خبرة بالمتون، تفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري وأفتى وله نيف وعشرون سنة، وسمي بالشيخ وعمره عشرون سنة.
وقرأ العربية على الشيخ بدر الدين بن مالك، وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الخوييي وشمس الدين الأيكي.
وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي أول قدومه البلاد، أما لما عاد لم يقرأ عليه، وقرأ على قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي.
وأخبرني شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي، قال: قلت له: فرطت في المنطق، قال: كان في طلبي له تلك الأيام شخص يعرف بالإفسنجي، وكنت قد


صفحه 626

درست وتميزت، أو قال، فكنت أتردد إليه على كره مني، والعلم في نفسه صعب، وعبارة الأفسنجي فيها عجمة، فإذا أردت منه زيادة بيان، أو قلت له: ما ظهر لي، جثا وأدار وجهه عني، فأنفت من تلك الحالة، وبطلت الاشتغال، أو كما قال.
قلت: أغناه فكره الصائب وذهنه الثاقب عن ذلك، لأن المنطق علم عقل لا نقل، على أنه كان يعرف منه ما يحتاج إليه في أصول الدين وأصول الفقه، فالمنطق نحو المعاني، كما أن النحو منطق الألفاظ، وابن الزملكاني كان يعرف المنطق على وجه كلي، كما أن امرأ القيس وغيره من فصحاء قريش يعرفون النحو على وجه كلي، وقال ابن سينا: واضع النحو والعروض في اللغة العربية يشبه واضع المنطق والموسيقا في اللغة اليونانية.
قلت: لعمري هذا تشبيه من عرف حقيقة هذه العلوم الأربعة، ولقد أورد بعض الأفاضل على تعلق المنطق: إن كانت هذه الآلات من الفطريات فليستغن عن تعلمها، وإلا افتقرت إلى آلة أخرى، ودار وتسلسل، وأجابه المنتصرون بأن بعضها فطري وبعضها كسبي، فاندفع الإشكال.


صفحه 627

قلت: بل الإشكال باق على حاله، فنقول فيما هو فطري ما قلناه أولاً، وفيما هو كسبي ما قلناه أولاً، وما كان الشيخ في ذلك بحيث إنه يجهل معرفة التصور والتصديق، ودلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، والضرب من الشكل المنتج والكاذب، ومواد البرهان، والمقدم والتالي، وقياس الخلف، وغير ذلك مما يدخل في الأصولين، بل كان يعرف ذلك معرفةً جيدة تامة يتسلط بها على باقي الفن، أما أنه كان يطلب منه أن يشغل في مختلطات كشف الأسرار للخونجي فلا، وقلت أنا في مقتضى حال الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى:
أغناه ثاقب ذهنه وذكاؤه ... عن أن يقلد في الأنام سواه
من كان كالشمس المنيرة ذهنه ... فجميع ما تحوي العلوم يراه
وقال: وكان الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى علامة الزمان وثلامة البهتان، قائماً بالفقه ودقائقه وغوامضه وحقائقه، لو رآه الروياني لأغرقه في بحره، أو المتولي لعزل عما أكسبه نهاية فخره، أو القفال لفتح له أبواب نصره، أو الرافعي لانحط إلى حفضه وجره. قاعداً بالأصول فقهاً وديناً، ناهداً كالأسد وقد جعلت له الأقلام عرينا، فلو رآه الحليمي لسفه رأيه، أو الباقلاني لكان باقلاً في الرواية والدراية، كأنما عناه الغزي بقوله، واقتصر به على طوله، حيث قال:


صفحه 628

لم يبرح الفقه روضاً فاق فيك له ... سحابة ورده منها وعبهره
ذو الدرس سهل المعاني في عبارته ... يكاد يحفظه من لا يكرره
أما الجدال فميدان فوارسه ... تقر أنك دون الناس عنتره
لا يرى الناس أفصح من عبارته، ولا أملح من إشارته، لو سمعه الأصمعي لم ينقل عربيه عن أعرابه، أو يونس بن حبيب لما قلده سيبويه في إعرابه، كأن عبارته السكر المذاب، أو رشف الثنايا العذاب، تدخل الأذن بلا إذن لفصاحتها، ويرشفها الذهن لصناعتها ونصاعتها.
وكان شكله يرى وهو من أحسن الأشكال، ومثله لا يرى وليه معه إلا أن يذل له الأنذال، وعدوه سوى إن كال له الأنكال، بعمة لا يحسن أحد أن يديرها ولا يصدق تصويرها، وطلعة يستحيي القمر أن يقابلها، والشمس أن تشاكلها، وشيبة عليها نور الإيمان، ورفق الإيقان، وكرم نفس لا يذكر معه صوب الغوادي، ولا النيل ذو الأصابع ولا البحر ذو الأيادي.
وأما خطه فلم يكتب أحد في زمانه مثل تعليقه، ولا يصل معه كاتب إلى تغليقه، كأن طروسه رياض دبجها الغمام، سطوره حدائق ألفاتها غصون، والهمزات عليها حمام، كأنما:
تناول من لطافته نهاراً ... وفرق فوقه ليلاً بهيما
هذا إلى معارف حواها من سائر الفنون. وأخذ من كل منها محاسن النكت وفوائد


صفحه 629

العيون، فما باشر شيئاً إلا وزانه، ونفى عنه ما شابه وشانه، تنقل في مباشرات الدوله، ونال فيها الوجاهة والعز والصون والصوله، وولي في آخر عمره قضاء قضاة حلب غصبا، ولقي فيها نصبا، وإن كان قد وجد فيها رفعا ونصبا، ثم إنه عزل منها وطلب إلى باب السلطان فما وصل، ونزع خضاب سعده ونصل، ومرض في طريق الرمل. وانبت من حياته الشمل، فعدم الوجود كماله، وما وصل جرح حياته اندماله.
وأدركه أجله في بلبيس سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وله من العمر ستون سنة.
كان مولده في شوال سنة سبع وستين وست مئة.
وحمله ولده عبد الرحمن إلى القاهرة ودفنه بالقرافة عند الشافعي رضي الله عنه.
وكان قد حفظ " التنبيه " فيما أظن و" المنتخب " في أصول الفقه، و" المحصل " في أصول الدين. وكتب المنسوب الفائق، كان يقال إنه ما كتب على نجم الدين بن البصيص أحسن منه ومن الشيخ بدر الدين حسن بن المحدث، وخطه هو أحسن، وقيل: إنه كان يكتب الكوفي طبقة.
وذكره شيخنا الذهبي في " معجمه " المختص فقال فيه: شيخنا عالم العصر، انتهى.


صفحه 630

وكان الشيخ من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، تخرج به الأصحاب، وانتفع به الأئمة. لم ير مثل كرم نفسه وعلو همته وتجمله في ملبسه ومأكله، لم تزل تلاميذه الخواص على مائدته، يحب الطالب الذكي ويجذب بضبعه من ورطة الخمول ويكبره. ويعظمه ويزهزه له، ويسير إليه في البحوث ويصوب ما يقول ويحسنه ويعجب الحاضرين منه. فعل ذلك بجماعة، ونزل للقاضي فخر الدين المصري من تدريس العادلية الصغيرة، وما رأى أحد أسعد منه في علمه وقوله، كان إذا دوغ أحداً بكلمة سوء لبسته من فرقه إلى قدمه، وكذا في الخير غضب مرة على فخر الدين المصري فقال: من أرادني وأحبني فلا يكلمه، وكان المسكين يراه الناس في الجامع فما يجسر أحد يسلم عليه، وعمل خطبة افتتحها بقوله: الحمد لله الذي جعل " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "، وكان لا يتعب التلميذ، بل إذا رأى الطالب في دروسه وذهنه جيد وقد تعب على نفسه اجتذبه إليه ونوه به وعرف بقدره، فيعرف به وينسب إليه، وإذا جاءه مبتدئ ليقرأ عليه يقل له: رح الآن إلى الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة وإلى الشيخ شمس الدين بن النقيب وإلى مجد الدين التونسي وإلى نجم الدين القحفازي، فإذا تنبهت عد إلي.
واشتهر في زمن أشياخه وتقدم عليهم إلى أن سادهم ورأس وساد في الدولة، وطار ذكره.
وصنف رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في الطلاق، ورسالة في


صفحه 631

الرد عليه في مسألة الزيارة، وصنف مصنفين في تفضيل البشر، أحدهما سماه " تحقيق الأولى في الرفيق الأعلى "، وجوده ما شاء، وشرح من " منهاج " النووي قطعاً مفرقه، وكان يلقي الدروس من " نهاية المطلب ". وله رسالة سماها " رابع أربعة " نظماً ونثراً، وشرح في " عمدة الأحكام " قطعة.
ودرس بالشامية البرانية. والظاهرية الجوانية والرواحية، وباشر في وقت دار الحديث الأشرفية تحت القلعة عوضاً عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، تقدير نصف شهر، ثم أخذها منه كمال الدين بن الشريشي في شعبان سنة عشر وسبع مئة.
وولي نظر ديوان الأفرم، ثم بطله، وولي نظر الخزانة ووكالة بيت المال، وكتب في ديوان الإنشاء مدة ووقع في الدست قدام الأفرم وغيره، فكان لا يدع أحداً يتكلم لا من وزير ولا من قاض ولا من ناظر جيش ولا من حاجب ولا من كاتب سر، ولا من مشد أوقاف ولا من والي المدينة ولا أحد له وظيفة، وكلامه في جميع ذلك ساد واف بالمقاصد، وكل ذلك لمعارفه وسعة علمه وخبرته ودربته ومعرفته بتراجم أهل العصر.
وله الإنشاء الجيد، ونثره خير من نظمه. وله التواقيع الجيدة المليحة، وكتب عن الأفرم في فتح جبل كسروان بعد البسملة: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ".


صفحه 632

ولما كان في شهر شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة رسم له السلطان بقضاء حلب، فامتنع، ودخل على الأمير سيف الدين تنكز وسأله الإعفاء، فكتب له إلى السلطان، فجاء الجواب بالتشديد في أمره وتجهيزه قولاً واحداً، فتوجه بعد ما قضى أشغاله من دمشق في رابع عشر شوال من السنة المذكورة، وتأسف الناس على فراقه.
ولما دخل إلى حلب يوم الثلاثاء سادس عشري شعبان قال له نائب حلب كانت قلوبنا قد انكسرت فجبرتها، وقال: يا حلبيين لقد سعدتم وأراد الله بكم الخير، والآن عظمت حلب بهذا الرجل. ولما وصل إلى حلب نزل بمكان يعرف بالفردوس، وكان قد توجه معه شمس الدين محمد الخياط الشاعر، فأنشده وأنشدنيه من لفظه غير مرة:
يا حاكم الحكام يا من به ... قد شرفت رتبته الفاخره
ومن سقى الشهباء إذ حلها ... بحار علم وندىً زاخره
نزلت في الفردوس فابشر به ... دارك في الدنيا وفي الآخره
وتألم أهل دمشق لفراقه وتأسفوا على بعده، لأنه كان للشافعية واسطة قلادتهم وشمس سيادتهم، وأقام في حلب مدةً وما رزق فيها سعادة، وتعكس في أيام الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وكان أصحب الناس إليه، وذلك لأنه عبث باليهود عبثاً عظيما وأخذ منهم كنيسة كانت لهم وفتحها مدرسةً، فتسلطوا عليه وبرطلوا وبذلوا، فنودي عليه في الجامع بعد صلاة الجمعة على رؤوس الأشهاد، وقاسى من ذلك شدة وتألم.