بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 638

ولما توفي رحمه الله تعالى نظم فيه المولى جمال الدين محمد بن نباته قصيدة مليحة يرثيه بها، أولها:
بلغا القاصدين أن الليالي ... قبضت جملة العلا بالكمال
وقفا في مدارس العقل والنق ... ل ونوحا معي على الأطلال
سائلاها عسى يجيب صداها ... أين ولى مجيب أهل السؤال
أين ولى بحر العلوم وأبقى ... بين أجفاننا الدموع لآلي
أين ذاك الذهن الذي قد ورثنا ... عنه ما في الحشا من الاشتعال
أين تلك الأقلام يوم انتصار ... كعوالي الرماح يوم النزال
ينقل الناس عن طريق هداها ... طرق العلم عن متون العوالي
وتفيد الجنا من اللفظ حلوا ... حين كانت نوعاً من العسال
وكنت قد اختلفت أنا والمولى شرف الدين حسين بن ريان في وقت بصفد في قول الحريري في بعض " مقاماته ":
فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب
فذهب هو في إعراب قوله: " ما فيه " إلى أن هذا في موضع نصب على أنه مفعول ثان، وذهبت أنا إلى أنه بدل اشتمال من الهاء في قوله: " يبتزه "، فكتب شرف الدين فتوى من صفد وجهزها إلى الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى، ونقلتها من خطه وهي:


صفحه 639

ما تقول السادة علماء الدهر، وفضلاء هذا العصر، لا برحوا لطالبي هذا العلم الشريف قبلة، وموطن السؤال ومحله، في رجلين تجادلا في مسألة نحوية، وهي في بيت من " المقامات الحريرية " وهو:
فلم يزل يبتزه دهره ... ما فيه من بطش وعود صليب
وذهبا إلى أن معنى " يبتزه " يسلبه، وكل منهما وافق في هذا مذهب خصمه مذهبه، وأصل سؤالهما الغريب إعراب قوله: " ما فيه من بطش وعود صليب ". لم يختلفا في نصبه، بل خلفهما فيما انتصبت به، فذهب أحدهما إلى أنه بدل اشتمال من الهاء المنصوبة في " يبتزه "، وله على ذلك استدلال، وذهب الآخر إلى أنه مفعول ثان " ليبتزه " وجعل المفعول الهاء، واختلفا في ذلك وقاصديكم جاءا وقد سألا الإجابة عن هذه المسألة.
فكتب الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى الجواب، ونقلته من خطه وهو: الله يهدي للحق، كل من المختلفين المذكورين قد نهج نهج الصواب، وأتى بحكمة وفصل خطاب، ولكل من القولين مساغ في النظر الصحيح، ولكن النظر إنما هو الترجيح، وجعل ذلك مفعولاً أقوى توجيها في الإعراب، وأدق بحثا عند ذوي الأدب. أما من جهة المعنى فإن المقام مقام تشك وأخذ بالقلوب، وتمكين، هذا


صفحه 640

المعنى أقوى إذا ذكر ما سلب، منه مع بيان المسلوب، فذكر المسلوب مقصود كذكر ما سلب، وفي ذلك من تمكين المعنى ما لا يخفى على ذوي الألباب، ووراء هذا بسط لا تحتمله هذه العجالة، والله أعلم. كتبه محمد بن علي.
قلت: لا أعلم في ذلك العصر أحداً يأتي بهذا الجواب غيره، لمعرفته بدقائق النحو وبغوامض علمي المعاني والبيان ودربته بصناعة الإنشاء.
وأما صورة الخط الذي نقلت منه هذه الفتوى فما كانت إلا قطعة روض تدبجت، أو هوامش عذار على طرس الخد تخرجت، رحمه الله وأكرم مثواه، وجعل الجنة منقلبه وعقباه.
ونقلت من كلامه تعليقاً على قوله تعالى: " التائبون العابدون " الآية: فإن قيل: كيف ترك العطف في جميع الصفات وعطف " النهي عن المنكر " على " الأمر بالمعروف " بالواو؟ قلت: للمفسرين والعلماء في الجواب عن هذا السؤال أقول، فمنها قولهم لأنها الصفة الثامنة، فهي واو الثمانية، وهذا في غاية السخافة، منها أن هذا من التفنن في الكلام، وهو جواب إقناعي، ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وهذا بعيد في الإعراب ومقصود الكلام، ومنها أن هاتين الصفتين متعلقتان بالغير فاحتاجت إلى مزية، وهو كالأجوبة التي قبله.
قال: وعندي في هذا وجه حسن، وهو أن الصفات تارة تنسق بحرف العطف


صفحه 641

وتارة تذكر بغيره، لكل مقام معنى يناسبه، فإذا كان المقام مقام تعداد صفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف، فإن أريد الجمع بين الصفتين أو التنبيه على تغايرهما عطف بالحرف أيضاً، وفي القرآن أمثلة تبين ذلك، قال الله تعالى: " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن " الآية، فأتى بالواو بين الوصفين لأن المقصود بالصفات الأول ذكرها مجتمعة، والواو قد توهم التنويع، فحذف، وأما الأبكار فلا يكن ثيبات والثيبات لا يكن أبكارا، فأتي بالواو لتضاد النوعين، وقال تعالى: " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول "، فأتى بالواو في الوصفين الأولين، وحذفهما في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب قبل التوبة، وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب، فبين الله تعالى بعطف أحدهما على الآخر أنهما مفهومان متغايران ووصفان مختلفان يجب أن يعطى كل واحد حكمه، وذلك مع العطف أبين وأرجح وأوضح، وأما شديد العقاب، وذو الطول فهما كالمتضادين، فإن شدة العقاب تقتضي اتصال الضرر، والاتصاف بالطول يقتضي اتصال النفع، فحذف ليعرف أنهما مجتمعان في ذاته المقدسة موصوفاً بهما على الاجتماع. فهو في حال اتصافه بشديد العقاب ذو


صفحه 642

الطول، فحسن ترك العطف لهذا المعنى. وفي هذه الآية التي نحن فيها يتضح معنى العطف وتركه مما ذكرناه، لأن كل صفة مما لم ينسق بالواو مغايرة للأخرى، والغرض أنهما في اجتماعهما كالوصف الواحد لموصوف واحد، فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما متلازمان أو كالمتلازمين مستمدان من مادة واحدة كغفران الذنب وقبول التوب، حسن العطف ليبين أن كل واحد معتد به على حدة، فإنه بذاته لا يكفي منه ما يحصل في ضمن الآخر، بل لا بد من أن يظهر أمره بالمعروف بصريح الأمر، ونهيه عن المنكر بصريح النهي، فاحتاج إلى العطف، وأيضاً فلما كان الأمر والنهي ضدين أحدهما طلب الاتحاد والآخر طلب الإعدام كالنوعين المتغايرين في قوله تعالى: " ثيبات وأبكاراً " فحسن العطف بالواو، فهذا ما ظهر من الجواب. والله أعلم.
قلت: وكنت أنا في زمن الصبا والإشغال قد جمعت في هذه الواو كراسة وفيها فوائد.

محمد بن علي بن أبي بكر الرقي
الشيخ الصالح الواعظ المحدث شهاب الدين بن تاج الدين المعروف ب ابن العديسة.


صفحه 643

كان شيخ الخانقاه المجاهدية ظاهر دمشق، وله مواعيد حديث يقرأ فيها في الجامع الأموي والجامع السيفي وأماكن أخر، وكان يعاني شيئاً من المواعظ في كلامه، وكان فيه تعبد وانقطاع وكرم وسخاء، وحج مرات وجاور، سمع على عمر بن القواس، ويوسف الغسولي وغيرهما، وسمع ببعلبك من الشيخ تاج الدين عبد الخالق، وحدث.
وتوفي رحمه الله تعالى بوادي الأخضر في يوم الخميس عاشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين.
ومولده ...
وأظن المجير الخياط فيه يقول:
في الدهر شيء عجيب ... مرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزير خطيب ... وابن العديسة واعظ

محمد بن علي بن سعيد الأنصاري
الشيخ الإمام الفاضل المفنن بهاء الدين أبو محمد المعروف بابن إمام المشهد.
قرأ القرآن العظيم وأتقنه بالروايات السبع على الكفري، واشتغل بالعربية على


صفحه 644

الشيخ محمد التونسي ولازم الشيخ نجم الدين القحفازي كثيراً، وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين بن تاج الدين. وسمع بمصر والإسكندرية وحلب، وبدمشق من أشياخ عصره.
وكان حسناً شكله بيناً فضله، كثير التبسم، غزير الارتياح للسيادة والتسنم. جاب البلاد وما هاب الجدال والجلاد، وقطع المفاوز بحظ هابط وعزم صاعد. وشام كل بارق، وانتجع كل راعد، إلى أن أقمر ليل حظه الدجوجي بعدما تطور في أطوار أبي زيد السروجي.
وكان قد جود الفقه والعربيه، وعلق التعاليق الأدبيه، وبلغ ما أراد من الوصول إلى الأصول، واستنفد الحاصل واستغرق المحصول. وكتب المنسوب الفائق، وقطع في حسنه الدرج والدقائق، ونظم جيداً ونثر. ورقا درج منبره، وكان كأنه في أعلاه حمام هدر:
ينمنم الخط لا يجتاب أحرفه ... والوشي مهما حكاها منه يجتاب
إلى تصانيف في أكمامها ثمر ... تجنيه بالفهم دون الكف ألباب
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به دؤلول بنة الرقم، وأصبح كف الموت من شخصه ينتقم.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في بكرة الأربعاء ثامن عشري شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.


صفحه 645

ومولده في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة.
وجمع كتاب " الأحكام " في ست مجلدات وجوده، وتناولته منه، وأجازني رواية ماله تسميعه بديوان الإنشاء في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بدمشق.
وكان قد أم بدار الحديث ثم بمسجد الكنيسة، ودرس بالقوصية، وأقام بحلب مدة، وتردد إليها مرات، ثم أقام بطرابلس مدة، وتوجه إلى صفد وأهلها على عطش، ومعه أشياء بخطه فأباعها بأوفر الأثمان، وتوجه إلى مصر مرات، وحضر سنة ست وثلاثين بين يدي السلطان الملك الناصر، وساعده القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فولاه المدرسة الأمينية بدمشق عوضاً عن القاضي علاء الدين بن القلانسي، وحضر إلى دمشق على البريد، وذكر الدرس بها في رابع شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وحضره الأعيان. ثم إنه سعى وأخذ نظرها أيضاً من الخطيب بدر الدين، ومشت بذلك حاله قليلاً، وهو من وراء السعي والطلب.
ثم إنه سعى وتولى الحسبة بدمشق بعد موت القاضي عماد الدين الشيرازي في أيام سيف الدين أرغون شاه. وكتبت أنا توقيعاً له بذلك وهو " الحمد لله الذي زاد الدين بهاء بمحمده، وزان العلم الشريف بكل حبر جمل مغيبه حسن مشهده، وكمل الفضل بكل عالم يشهد من يومه مخائل الزيادة في غده.
فحمده على نعمه التي أعلت الرتب، ونفت الشبه وكشفت الريب، وكفت المؤونة في رفعة قدر من توكل على الله واحتسب.