بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 641

وتارة تذكر بغيره، لكل مقام معنى يناسبه، فإذا كان المقام مقام تعداد صفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف، فإن أريد الجمع بين الصفتين أو التنبيه على تغايرهما عطف بالحرف أيضاً، وفي القرآن أمثلة تبين ذلك، قال الله تعالى: " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن " الآية، فأتى بالواو بين الوصفين لأن المقصود بالصفات الأول ذكرها مجتمعة، والواو قد توهم التنويع، فحذف، وأما الأبكار فلا يكن ثيبات والثيبات لا يكن أبكارا، فأتي بالواو لتضاد النوعين، وقال تعالى: " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول "، فأتى بالواو في الوصفين الأولين، وحذفهما في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب قبل التوبة، وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب، فبين الله تعالى بعطف أحدهما على الآخر أنهما مفهومان متغايران ووصفان مختلفان يجب أن يعطى كل واحد حكمه، وذلك مع العطف أبين وأرجح وأوضح، وأما شديد العقاب، وذو الطول فهما كالمتضادين، فإن شدة العقاب تقتضي اتصال الضرر، والاتصاف بالطول يقتضي اتصال النفع، فحذف ليعرف أنهما مجتمعان في ذاته المقدسة موصوفاً بهما على الاجتماع. فهو في حال اتصافه بشديد العقاب ذو


صفحه 642

الطول، فحسن ترك العطف لهذا المعنى. وفي هذه الآية التي نحن فيها يتضح معنى العطف وتركه مما ذكرناه، لأن كل صفة مما لم ينسق بالواو مغايرة للأخرى، والغرض أنهما في اجتماعهما كالوصف الواحد لموصوف واحد، فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما متلازمان أو كالمتلازمين مستمدان من مادة واحدة كغفران الذنب وقبول التوب، حسن العطف ليبين أن كل واحد معتد به على حدة، فإنه بذاته لا يكفي منه ما يحصل في ضمن الآخر، بل لا بد من أن يظهر أمره بالمعروف بصريح الأمر، ونهيه عن المنكر بصريح النهي، فاحتاج إلى العطف، وأيضاً فلما كان الأمر والنهي ضدين أحدهما طلب الاتحاد والآخر طلب الإعدام كالنوعين المتغايرين في قوله تعالى: " ثيبات وأبكاراً " فحسن العطف بالواو، فهذا ما ظهر من الجواب. والله أعلم.
قلت: وكنت أنا في زمن الصبا والإشغال قد جمعت في هذه الواو كراسة وفيها فوائد.

محمد بن علي بن أبي بكر الرقي
الشيخ الصالح الواعظ المحدث شهاب الدين بن تاج الدين المعروف ب ابن العديسة.


صفحه 643

كان شيخ الخانقاه المجاهدية ظاهر دمشق، وله مواعيد حديث يقرأ فيها في الجامع الأموي والجامع السيفي وأماكن أخر، وكان يعاني شيئاً من المواعظ في كلامه، وكان فيه تعبد وانقطاع وكرم وسخاء، وحج مرات وجاور، سمع على عمر بن القواس، ويوسف الغسولي وغيرهما، وسمع ببعلبك من الشيخ تاج الدين عبد الخالق، وحدث.
وتوفي رحمه الله تعالى بوادي الأخضر في يوم الخميس عاشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين.
ومولده ...
وأظن المجير الخياط فيه يقول:
في الدهر شيء عجيب ... مرآه يقذي اللواحظ
ابن الرزير خطيب ... وابن العديسة واعظ

محمد بن علي بن سعيد الأنصاري
الشيخ الإمام الفاضل المفنن بهاء الدين أبو محمد المعروف بابن إمام المشهد.
قرأ القرآن العظيم وأتقنه بالروايات السبع على الكفري، واشتغل بالعربية على


صفحه 644

الشيخ محمد التونسي ولازم الشيخ نجم الدين القحفازي كثيراً، وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين بن تاج الدين. وسمع بمصر والإسكندرية وحلب، وبدمشق من أشياخ عصره.
وكان حسناً شكله بيناً فضله، كثير التبسم، غزير الارتياح للسيادة والتسنم. جاب البلاد وما هاب الجدال والجلاد، وقطع المفاوز بحظ هابط وعزم صاعد. وشام كل بارق، وانتجع كل راعد، إلى أن أقمر ليل حظه الدجوجي بعدما تطور في أطوار أبي زيد السروجي.
وكان قد جود الفقه والعربيه، وعلق التعاليق الأدبيه، وبلغ ما أراد من الوصول إلى الأصول، واستنفد الحاصل واستغرق المحصول. وكتب المنسوب الفائق، وقطع في حسنه الدرج والدقائق، ونظم جيداً ونثر. ورقا درج منبره، وكان كأنه في أعلاه حمام هدر:
ينمنم الخط لا يجتاب أحرفه ... والوشي مهما حكاها منه يجتاب
إلى تصانيف في أكمامها ثمر ... تجنيه بالفهم دون الكف ألباب
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به دؤلول بنة الرقم، وأصبح كف الموت من شخصه ينتقم.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق في بكرة الأربعاء ثامن عشري شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.


صفحه 645

ومولده في ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة.
وجمع كتاب " الأحكام " في ست مجلدات وجوده، وتناولته منه، وأجازني رواية ماله تسميعه بديوان الإنشاء في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بدمشق.
وكان قد أم بدار الحديث ثم بمسجد الكنيسة، ودرس بالقوصية، وأقام بحلب مدة، وتردد إليها مرات، ثم أقام بطرابلس مدة، وتوجه إلى صفد وأهلها على عطش، ومعه أشياء بخطه فأباعها بأوفر الأثمان، وتوجه إلى مصر مرات، وحضر سنة ست وثلاثين بين يدي السلطان الملك الناصر، وساعده القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فولاه المدرسة الأمينية بدمشق عوضاً عن القاضي علاء الدين بن القلانسي، وحضر إلى دمشق على البريد، وذكر الدرس بها في رابع شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة، وحضره الأعيان. ثم إنه سعى وأخذ نظرها أيضاً من الخطيب بدر الدين، ومشت بذلك حاله قليلاً، وهو من وراء السعي والطلب.
ثم إنه سعى وتولى الحسبة بدمشق بعد موت القاضي عماد الدين الشيرازي في أيام سيف الدين أرغون شاه. وكتبت أنا توقيعاً له بذلك وهو " الحمد لله الذي زاد الدين بهاء بمحمده، وزان العلم الشريف بكل حبر جمل مغيبه حسن مشهده، وكمل الفضل بكل عالم يشهد من يومه مخائل الزيادة في غده.
فحمده على نعمه التي أعلت الرتب، ونفت الشبه وكشفت الريب، وكفت المؤونة في رفعة قدر من توكل على الله واحتسب.


صفحه 646

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً لا يدخل الشك إقرارها، ولا يمحو الإفك أنوارها، ولا يبهرج الحك دينارها.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ذو الخلق العظيم، والجود الذي اختص به وهو للخلق عميم، والفضل الذي أوتيه " من لدن حكيم عليم " صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اتبعوا أوامره، وسمعوا زواجره، ووضعوا على هامة الثريا مناقبه، ورفعوا على فرق الفرقد مفاخره. صلاة تشرف بحفظها كل جمع، وتشنف بلؤلؤ لفظها كل سمع، ما عم نظر في المصالح فأنعم، وملأ إناء الأنى قطر الإحسان فأفعم، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين وبعد: فإن النظر في مصالح الجمهور، والفكر في المنافع العامة الوافية الأجور من الأمور التي تتجمل بها الدول، وتفخر بها الأيام المختصة بمحاسنها على الليالي الأول، والنظر في أمر الحسبة الشريفة سلك ينخرط فيه هذا الجوهر الفاخر القيم، وملك تتنافس في ادخاره الأخلاق الطاهرة الشيم. كم باطل أقام به الحق منه الأود، وقوم الميل، وكم نجس أزاله به من الذراع والميزان والكيل، وكم غش أخرب الله به عشه في معايش النهار والليل، وكم زغل طهر به الكم فولى وقد شمر الذيل.


صفحه 647

وكان الجناب العالي الشيخي البهائي ممن اشتهر فضله، ونزع في قوس الإحسان فأصاب الصواب نبله الذي أرسله نبله، وخدم العلم الشريف حتى عز في عصره أن يوجد في فنونه مثله، وتفرع عن أصل زكا فكان والده رحمه الله تعالى ليثاً وقد شب له منه شبله.
أما القراءات فباع صاحب القصيدة معه فيها قصير، ومسلك مصنف " التيسير " أصبح وهو عسير.
وأما العربية فأين صاحب " الجمل " من هذا التفصيل. وأين صاحب " الحجة " من هذا التعليل.
وأما الفقه فلو رآه الروياني علم أن بحره في حوضه قطره، ولو سمعه النووي لأطلع من كلامه بروضته في كل شطر سطر زهره.
وأما الأصول فالإمام يتأخر عن محراب فخره، والسيف لا يثبت له عند هزه.
وأما الخطابة فهو من فرسان منابرها، وأبطال محاربيها ومحابرها. كم أذاب حصاة قلب تحت منبره، وأذرى بها دمعاً إذا جرى تعثر في محجره.
وأما الكتابة فما فتح ابن البواب لغيره فيها بابا، ولا رفع ابن مقلة فيها لغيره أهدابا، فشهدة شهدت له بالحلاوة نصاً. وياقوت أصبح في خاتمه فصا، هذا إلى سياسة حلب بها أشطر الأمور، وعلم بها مصالح الجمهور، وملك بعرفانها أزمةً تسقط


صفحه 648

على حبها طير المصالح. ويصبح راجي العدل بها وميزانه راجح، وتصدق بتوخيها المنى والمناجح.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني أن يرتب في الحسبة الشريفة بالشام المحروس، لأن هذا العقد بجيده لائق، وهذا التاج لا يعوقه عن مفرقه عائق، وهذا الميدان لا يجري معه فيه سابق ولا سائق.
فليباشر ذلك مباشرة من هذبته العلوم، وتدرب بالقواعد الشرعية فاستدل بالمنطوق على المفهوم، وساد بنفسه العصامية، فكان له من الرياسة سرب معلوم، وملك من السياسة ما يعرف به وجه الظالم من المظلوم، فقد وليناك هذه الوظيفة وأنت ملء قالبها، وعذقنا أمرها بك، وأنت أولى من قالبها وقال بها. فتمم نقصها بكمالك، ومش الناس فيها على أقوام المسالك. وأقم المهابة فإنها ترعى هؤلاء الرعاع، ومالك فيها إلا مذهب مالك، وافعل ما تقتضيه معرفتك من احتكار ومنع، وانخفاض سعر ورفع، وتحرير ما يخرج من دار الضرب من النقود وتصحيح العيار، فكم درهم ودينار هو في المعدوم معدوم، وقد يتغطى الزين بالرين ويشتبه الشيء الحسن بالشين، وضبط ما يمتد فيه باع الذراع، ويتحرك به لسان الميزان ويبتلعه فم الصاع، ومنع العطارين من بيع العقاقير الغريبة لمن هو مجهول،