بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 667

ووجد في بيته بخان الخطيب بحماة، وهو سكنه، ميتاً بعد ثلاثة أيام وهو جالس، ووجد له خمسة وسبعون ديناراً مصرية هرجة، وثلاث مئة درهم، وقماش بدنه بيع بخمس مئة درهم، وكتبه مجلدات بيعت بست مئة درهم.
واجتمعت به غير مرة بالقاهرة ودمشق وصفد وحماة، وكان خفيفاً على القلوب حسن العشرة، كثير النادرة، حلو التنديب، قد برته الأيام في صحبة الناس ومخالطة الأكياس. وكان حسن الشكل ظريف الملبس يتأنق في مأكله ومشاربه، ولكنه ما كان يجلس في بيته إلا وحوله عفاش كثير من الزبادي والأواني، وكان يطبخ قدامه، فلهذا كان كثير العفاش. وأما محاضرته فلا تمل، وكانت له بديهة عظيمة وعنده جرأة وقوة عين زائدة، مع النظم الحلو والكتابة الحسنة. وما أحقه بقول الشريف الرضي في ابن حجاج رحمهم الله تعالى أجمعين وهي:
وما كنت أحسب أن الزما ... ن يغل مضارب ذاك اللسان
ليبك الزمان طويلاً علي ... ك فقد كنت خفة روح الزمان
أنشدته لنفسي بصفد سنة أربع وثلاثين وسبع مئة:
يا حسنه رشأ تخلى الليث عن ... وثباته وثباته في حربه
تروي السقام جفونه عن خصره ... عن عهده وعن الصبا عن صبه
فأنشدني هو رحمه الله تعالى لنفسه:
بأبي غزال غزل هدب جفونه ... يكسو الضنا صباً أذيب بصده
يروى حديث السقم جسم محبه ... عن جفنه عن خصره عن عهده


صفحه 668

وأنشدني هو لنفسه رحمه الله تعالى في التاريخ:
مر في الفستقي يجلو علينا ... طلعة حلوة الرضاب شهيه
قلت: من للفقير لو ذاق في السط ... لة من ذي الحلاوة الفستقيه
فأنشدت أنا لنفسي:
في فستقي اللون لما بدا ... يميس مثل الغصن المورق
من وقد مر على صبه ... وما ألذ المن بالفستق
وأنشدته أيضاً لنفسي:
لما بدا في الفستقي معذبي ... ناديت من وجدي وفرط تحرقي
كانت لوجهك في الفؤاد حلاوة ... كملت لذتها بهذا الفستقي
وأنشدته أنا لنفسي أيضاً:
لا تقيسوا إلى الحمامة حزني ... إن فضلي تدري به العشاق
أنا أملي الغرام عن ظهر قلب ... وهي تملي وحولها الأوراق
فأنشدني هو لنفسه رحمه الله تعالى:
أتشكى مع البعاد إليكم ... برقيق العتاب فرط اشتياقي
وكأني الورقاء من فرقة الإل ... ف تلهت بالسجع في الأوراق
وكتب هو إلي وقد قدمت إلى حماة لتلقي النائب الجديد لحلب في المحرم سنة ستين وسبع مئة:
مملكة الشهبا على الشهب علت ... فاستبشرت بالخير والفلاح
لما شكت سراً فساد حالها ... أعانها السلطان بالصلاح


صفحه 669

يقبل الأرض التي ابتهلت أول أمرها بعلو قدرها، وابتهجت في سرها بمقدم كاتب سرها، فلله درها دولة اقتضت آراؤها الشريفة لمملكتها الحلبية بمن صانها وزانها، وارتضت آلاؤها المنيفة من أصلح شانها الذي شانها، فجانست أوامرها العالية بين مقام أعلم خليل، وبين مقام أكرم خليل، وآنسته رشدا بتقدم فاضل زمانه، وإن كان اللائق بالتقديم والتفضيل، فأقرت عيناً بآيات الفضائل السجية الصلاحية، وأقرت وألقت في ساحتها من ساعتها عصاها واستقرت، ومدت وارف ظلها عليها الرياسة والسيادة فما ساءت حين سرت. وينهي أن المملوك ممن سرته هذه البشرى التي ردت شوارد الأدب بعد مفرها إلى مقرها، وأسبغت ظلالها على سر الصناعتين بعد هجير هجرها، فلقد دلت على الهدى، وجلت صدأ الصدا بأنوارها وأنوائها، وجلت في حلبة المعالي على أبلقها وشقرائها بشهبائها، فلله الحمد على منة لا ترد إلا منه، وله الشكر على نعمة لا تصد إلا عنه.
زنتم رغم الحسود محلها ... كنتم أحق بها وكنتم أهلها
والقصد أن مولانا يعفي خطأها وخطلها، ويسامح بحلمه جهلها، ويسبل عليها ستر معروفه لأنه مالك الحل والعقد، وإليه مرجع النقل والنقد، لا زال جابراً بقبوله وإقباله، ساتراً بخلاله الكريمة ما خفي عن المملوك من إخلاله بمحمد وآله إن شاء الله تعالى.


صفحه 670

محمد بن علي بن عبد الواحد
ابن يحيى بن عبد الرحيم، الشيخ الإمام العالم الفاضل المفسر المحدث شمس الدين أبو أمامة الدكالي، بالدال المهملة المضمومة وكاف بعدها ألف ولام وياء النسبة، ودكال: قلعة بالمغرب، المعروف بابن النقاش.
كان شكلاً حسنا، راق سناء وسنا، حلو الصورة والشكالة، يريح بمحاضرته ألم من شكا له، يستحضر من التفسير كثيراً، ويحل من غرائبه محلاً أثيراً. وكانت طريقه في التفسير غريبة، يأتي فيها بكل عجيبة، ما رأيت له في ذلك نظيراً، ولا توهمت أن غيره من أبناء جنسه يكون على ما يأتي به قديرا. حصل من الدنيا جانبا، وأكب على السعي فيها فما كل اجتهاده ولا نبا. وكان يدخل إلى الملك الناصر حسن، وقاده الله إليه بغير رسن، وعمل على شيخه قطب الدين الهرماس، فأبعده عنه حتى كأنه ما خطر بين يديه ولا ماس. وكان يصحب أمراء الدولة، حتى صار له في كل جو جولة. فنال مرامه وتعدى أقرانه، وتجاوز الغاية في علو المكانة.


صفحه 671

يكاد من صحة العزيمة ما ... يفعل قبل الفعال ينفعل
ولم يزل على حاله إلى أن محيت من الحياة سكة ابن النقاش، وتلقاها الدهر بعد البشر بالتقطيب والإيحاش.
وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته في القاهرة في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وكنت سألته عن مولده فقال: في نصف شهر رجب سنة عشرين وسبع مئة.
أخبرني أنه قرأ القرآن على الشيخ برهان الدين الرشيدي كاملاً، وقرأ العربية عليه وعلى الشيخ محب الدين أبي عبد الله بن الصائع الأندلسي، وعلى العلامة أثير الدين، قال: وقرأت " ألفية ابن مالك " على ابن معاوية، وسمعت في شرح " التسهيل " وغيره على أثير الدين، قال: وحفظت " الحاوي " في الفقه، وأنا أول من حفظه بالقاهرة، و" منهاج الأصول " للبيضاوي على العلامة قاضي القضاء تقي الدين السبكي وعلى الشيخ شهاب الدين الأنصاري وعلى غيرهما، قال: وعلقت مثلاً على " التسهيل "، وقرأت " العمدة في الأحكام " وألفت " شرحاً " لها يجيء في ثماني مجلدات، قال: وألفت كتاباً سميته " كاشف الغمة عن شافعية الأمة في أحاديث الرافعي " قال: وسميته " توضح الألفية وإلحاقها بالجرجانية "، وكتاب " النظائر وفروق المذهب " و" تفسير آيات وسور ".
وكان قد قدم إلى دمشق، واجتمعت به في شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة، ونزل لما جاء إلى دمشق عند العلامة قاضي القضاء تقي الدين السبكي، وكانت


صفحه 672

بينه وبين النائب علاء الدين أمير علي المادريني نائب الشام معرفة من مصر، فأكرمه وأقبل عليه وأحسن رعايته، وتوجه إلى حماة لمعرفة بينه وبين الأمير سيف الدين طازيرق نائب حماة، وقامت له سوق بدمشق، ورزق منها الحظ والحظوة، وعمل مجلساً بالجامع الأموي في التفسير، وتكلم فيها كلاماً كثيراً، واستحضر أحكاماً وأقوالاً ومذاهب ورقائق وتصوفاً بجنان ثابت ولسان فصيح من غير توقف، ووسع فيه المجال، وأبدع فيه الجمال، ولما فرغ منه كتبت أنا إليه:
أتينا المجلس حبر الورى ... فسر القلوب بما فسرا
وحرك أعطافنا نشوة ... ولا تسأل عما جرى
فشبهتها بغصون سمت ... وشبهته بنسيم سرى
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح قاضي القضاة تقي الدين السبكي لما كان بالقاهرة:
طرقت وقد نامت عيون الحسد ... وتوارت الرقباء غير الغرقد
والعسكر الزنجي رمح سماكه ... قان وعضب الفجر لم يتجرد
والليل قد نشرت غلائل مسكه ... لما طوى الإمساء حلة عسجد
وسرى يجر على المجرة ذيله ... إذ طوقت من شهبها بمقلد
ربعية حلت بأكناف الحشا ... ودموعها بين النقا والأنجد
غراء يفضح خدها ولحاظها ... مرأى الغرالة والغزال الأغيد


صفحه 673

خلصت إلي ودون ربعي حاجز ... من سيل أجفاني ونار توقدي
وأتت ولم تضرب لوصل موعدا ... أحلى المنى ما لم يكن عن موعد
تهفو بمعطفها الشمول كما هفت ... أيدي الشمائل بالقضيب الأملد
أرجت بقاع الرقمتين وشعبها ... وتشرفت أعلام ذاك المعهد
شرف المجالس شيخنا علم الفخا ... ر الأوحدي الألمعي الأمجدي
ياقوت سلك البحر أحكم نظمه ... فالدر بين مرصع ومنضد
عين السيادة حل منها رتبة ... كيوان يرصدها بعين الأرمد
وهي طويلة وقد أوردتها في ترجمته في " تاريخي الكبير ".
وكتبت أنا إليه ملغزاً في فيل، وهو:
يا إمام الأنام في كل علم ... وإليه الورى ترى منتهاه
وهو شمس التحقيق في كل فن ... وسواه يكون فيه سهاه
أيما اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الإله
حيوان والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه
فيك تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكساً يكون لي ثلثاه
فأبنه لا زلت في ظل سعد ... ما تملى طرف بطيب كراه
فكت هو الجواب عن ذلك:


صفحه 674

يا إماماً قد حاز علماً وفضلاً ... وسمواً على الورى بنداه
وهو للدين والعلوم صلاح ... جل رب بكل حسن حباه
إن لغزاً أبدعت فيه لعمري ... يقصر الفهم عن بلوغ مداه
قلبه بالعراق في النخل باد ... وهو بالهند كل عين تراه
ما أحب الشطرنج إلا بدا لي ... منه خصم داع لحربي أخاه
هو عني باد فإنه راح منه ... آخر عدت جهراً أراه
دمت لي مهديا جواهر علم ... لك كل الورى ترى منتهاه

محمد بن علي
بن عبد الرحيم
الشيخ علم الدين بن بهاء الدين بن الإمام محيي الدين، عرف بابن الدميري.
أجاز لي رحمه الله تعالى في سنة ...
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة بدار الزعفران بزقاق القناديل بمصر.
وتوفي رحمه الله تعالى ...
محمد بن علي
الأمير ناصر الدين بن الأمير علاء الدين بن الفراء.
كان والده علاء الدين بن الفراء أمير طبلخاناه، وهو مقدم البريدية، وكان هذا