بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 74

ولم يزل في جبروته يتشدد، وفي قسوته يتمرغ ويتمرد، إلى أن قصمت بالمنون عرى غروره وبات وليه في حزنه، وعدوه في سروره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ليلة الأحد رابع شوال سنة ست وخمسين وسبع مئة، وقد تعدى الخمسين.
ومن الغريب أنه في بلاد الساحل بغزة قد توجه للقسم وأرجف بأنه مات. وكان ذلك في شعبان، وأظنه بلغه الخبر، فنجز أشغاله، وحضر إلى دمشق، ورأى الناس نفسه وما به قلبه. ثم إنه توجه لقبض مغل زرع، فأرجف بموته، فحضر في آخريات رمضان وهو متوعك، وركب وجاء لدار السعادة في ليالي العيد، وهو يتجلد، ويري أنه ممن يخلد:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
فأقام على حاله بعد ذلك، وتوفي سامحه الله ...
وأول أمره كان من جملة البريدية، وكان فيه حذق ومعرفة وخبرة، فجهز الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى - بمشافهة فيها قوة وغلظة، إلى الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب، فبلغه المشافهة بعبارة فجة مؤلمة، فبقيت في قلب ألطنبغا.


صفحه 75

ولما جاء نائب الشام أراد أذاه، فقطع خبزه وتهدده، وكان قجا رجلاً فسعى في إصلاح أمره، وسكنت القضية.
ولم يزل على حاله في جملة البريدية، إلى أن جاءت واقعة بيبغاروس، فاحتاج الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى المطالعة بأمره، فكتب مطالعة، واستنجد بالمصريين في سرعة إنجاده، وندب سيف الدين قجا في التوجه بالمطالعة، فتوجه بها، وكان ذلك مهماً كبيراً، فجاء قجا وقد أعطي إمرة عشرة، ثم إنه أخذ تقدمة البريدية وأخذ في الترامي إلى الأمير سيف الدين صرغتمش، والانتماء إليه.
فلما كان السلطان الملك الصالح صالح بدمشق أعطي طبلخاناه، وتحدث في أمر شد زرع وطفس وإربد، ثم إنه توجه في أواخر سنة خمس وخمسين وسبع مئة إلى مصر وأثبت محاضر بوقفيه زرع وطفس وإربد، وأنه هو مشدها، وأبطل من كان فيها مباشراً، واستخدم غيرهم.
وزادت عظمته ووجاهته، وتسلطه إلى أن مات - رحمه الله تعالى - في وسط عزه.
وكتبت له توقيعاً بتقدمة البريدية عوضاً عن ناصر الدين محمد بن القرايلي، لما توفي إلى رحمة الله تعالى، في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، ارتجالاً من رأس القلم وهو: " أما بعد حمد الله على نعمه التي جردت من أولياء هذه الدولة القاهرة سيفا، ومنعت بجده جنفاً من الأيام التي زادت خطباً وحيفا، وجمعت بمضائه من المصالح ما كانت الأطماع لا تؤمل أن تراه طيفا، وصلاته على سيدنا محمد،


صفحه 76

وآله وصحبه الذين نصروا حزبه، وتظاهروا على قمع عداه، فحازوا من المعالي أرفع رتبه، وتضافروا على اتباع هداه، فلم يكن بين الكواكب وبينهم نسبه، صلاةً يملأ البر بريدها، ويكاثر موج البحر عديدها، ما تقعقع من البريد لجام، وزعزع من المهمات ريح تثير السحب السجام، وسلامه إلى يوم الدين.
فإن أولى من غدق به أمر البريد المنصور، وأضيفت إليه أمر التقدمة على فرسانه الذين يسابقون البروق اللامعة في الديجور، من قدمت خدمته في الدولة القاهرة، وساق في مهماته الشريفة، فشخصت لسيره، وسراه عيون النجوم الزاهره، وقطع المسافة في وقت تقصر عنه فيها الطيور الطائرة، كم تألق برق دجنة فسبقه في شق جيب الظلام، وأتى في مهم فبلغ الغاية قبل وصول خبره على أجنحة الحمام.
يكاد من السرعة يأتي، وما جف ختم كتابه، ولا ارتسم ظله على الأرض، ولا اعتقل الخيال بركابه، وتحمل من أسرار الملوك مشافهات لم يبدها من القلم لسان، وأدى فيها الأمانة التي لم تحملها الجبال وحملها الإنسان.
وكان المجلس السامي الأميري السيفي قجا الصالحي، هو الذي تضمنته هذه الإشارة، ومن ربا ذكره نفح عبير هذه العباره. وعلى شخصه دلت هذه الأدلة، وعليه وقع اختيار هذه الإماره. فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي أن يرتب مقدماً على جماعة البريدية الشاميين عوضاً عمن كان بها على عادة ابن الفراء، لما كان أمير عشرة، لأنه نصل تجرع العدو منه الغصة لما تجرد، وأصل تفرع


صفحه 77

بالمحاسن وبالمزايا تفرد، قد عرف الأيام وخبرها، ودرب الأمور ودبرها، وقطع مفاوز المباشرات وعبرها.
فليباشر ذلك مباشرة من مارس هذه الوظيفة طول عمره ولم يركن إلى زيد الزمان ولا عمره، وليرتب الجماعة نوباً يتدالون الخدمة، ويختر لكل شغل بريدياً يكون في ذلك المهم عالي الهمة، ويعامل باللطف كبيرهم، وصغيرهم، ويبذل البشر إذا رأى جليلهم ولا يعرف الناس حقيرهم. حتى يعترف الجميع بفضله الجليل الجلي، ويقولوا إن القرايلي ما يلي، وتعود أيامهم بيضاً بعدما سجا الدجا، ويقول أحدهم: ذهب ناصرنا، فجاء قجا، يعمر أرجاء الرجا، والوصايا كثيرة وتقوى الله تعالى عمدة إن ازدجر، وعمل للآخرة وادكر، وخاف من سفر ينتهي به إما إلى جنة عدن، وإما إلى سقر.
فلا يصحب غيرها خليلا، ولا يلمح من سواها وجهاً جميلا، والله يعلي درجته، ويحرس مهجته، والخط الكريم أعلاه، حجه في العمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.

قجليس
الأمير سيف الدين الناصري السلاح دار.
كان خيراً، لطيفا، حسن العشرة ظريفا، يحب العلماء ويؤثرهم، ويتعصب لهم وينصرهم، ويخلص بجاهه لهم المناصب، ويدفع عنهم كل عذاب واصب.
إلا أن أستاذه الملك الناصر يقذف به في كل هوه، ويعتمد عليه في كل واقعة مرجوه، فما أمسك في الشام أمير إلا على يده، ولا كسف قمر منبر إلا بتتبع رصده،


صفحه 78

فكان إذا سمع الناس بخروجه من مصر تزلزلت أقدامهم، تحققوا أنه متى وصل تحتم إعدامهم.
وكان من كبار الخواص عند أستاذه المقربين، وأمراء الألوف الذي أصبحوا على وفق مراده مجربين.
ولم يزل على حاله إلى أن سقي بكأس سقي به سواه وضمه قبره وحواه.
وتوفي - رحمه الله تعالى في نصف صفر ليلة الثلاثاء، سنة إحدة وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
وكان عارفاً بعلم المواقيت يضع الأسطرلابات والأرباع والرخامات المليحة، ويتقنها، ويعرف عدة صنائع، وعنده آلاتها المليحة الفائقة الظريفة.
واقتنى من المجلدات النفيسة شيئاً كثيراً إلى الغاية. وكان الفضلاء يترددون إليه خصوصاً أرباب المعقول، كان يتردد إليه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني، وله عنده مملوك بإقطاع جعله أستاذ داره. ويتردد إليه شرف الدين بن مختار الحنفي وغيرهما من الفقهاء وغيرهم.
وكان جميل المودة، حسن الصحبة لطيفاً ظريفاً، حسن العشرة، ولكنه له سمعة في الشام سيئة لما ذكرته من أن السلطان يندبه في المهمات وثوقاً بعقله.
وكانت طبلخانته في القاهرة ما لأحد مثلها، لأنه اعتنى بصناعها وانتقاهم، وأحضر بعضهم من البلاد.
وكان قد تزوج ابنة الأمير سيف الدين الملك، كان يقال: إنه في القاهرة ليس لها


صفحه 79

نظير، وكان يحبها محبة مفرطة، وينفق عليها نفقة عظيمة إلى الغاية، ولا تنقطع الأغاني من داره ليلاً ولا نهاراً من الجواري المطربات الفائقات. فكانت إذا دخلت إلى الطهارة وخرجت تلقينها وزفينها، وكذلك إذا أرادت النوم مع زوجها يعملن لها زفة.
وأخذت يوماً منه إذناً لتنزل إلى المنظرة التي له على البحر مدة ثمانية أيام، فأعطاها لكل يوم مبلغ ألفي درهم، وأباعت هي من قماشها شيئاً بعشرة آلاف درهم، وطلعت إلى القلعة قبل الميعاد بيومين، وقالت: فرغت النفقة.
ولما مات - رحمه الله تعالى - ما انتفع بها أحد بعده، لأنه حصل لها مرض سوداوي، وتوفيت - رحمها الله تعالى -.

اللقب والنسب
القحفازي: الشيخ نجم الدين، علي بن داود.
القدسي: علاء الدين الشافعي علي بن أيوب. وشرف الدين محمد بن موسى.
ابن قدس: محمد بن أحمد.

قدودار الأمير سيف الدين
متولي القاهرة، ولاه السلطان الملك الناصر محمد القاهرة، بعد الأمير علم الدين سنجر الخازن في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، فوليها وأحسن إلى الناس أول ولايته، ولم يزل فيها إلى أن توجه إلى الحجاز فحج وجاء.


صفحه 80

توفي - رحمه الله تعالى - سادس عشرة صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.

قرابغا، الأمير سيف الدين
قرابغا دوادار الأمير سيف الدين أرغون شاه.
لم نر ولم نسمع بداودار كانت له منزلة هذا عند أستاذه، على أنه كان قد قاسى منه شدائد في أول أمره ثم سخره - الله تعالى - له أخيراً.
كان لا يخالفه فيما يراه، ولا يخفي عنه ما ألم به في باطنه أو اعتراه. وكانت آراؤه عليه مباركه، وليس له فيها مع أحد مشاركه، قد تحقق نصحه ومحبته، وتيقن خبرته بحاله ودربته، فقوله عنده، قول حذام وأمره على كل حال لزام، وثور نعمه طائله، وسعادة هائله، في مدة يسيرة جداً، ووقت كأنه زمن الورد إذا رد وتردى. هذا مع أنه كان لا يعرف باللسان العربي كلمة واحدة، ولا درى ما اللفظة الفائتة من الفائدة.
ولكن اختطف من وسط هذه السعاده، واقتطف من روض هذه السياده، وخلت منه الديار، وشط منه المزار.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الاثنين حادي عشري شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ودفن في تربة زوجه كسباي عند دار الأمير شمس الدين حمزة التركماني بالقبيبات.


صفحه 81

أخبرني القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام، قال: لم أدخل على هذا أرغون شاه قط فرأيته جالساً قدامه، بل إلى جانبه، ولا رأيته يتحدث هو وأستاذه، وعنده مملوك آخر، انتهى.
وكان يرجع إلى قوله ومهما أشار به فهو الذي يكون والعمل عليه، ولم يكن مشترى ماله بل السلطان الملك الناصر وهبه له على عادة إنعاماته، وزوجه بجاريته كسباي، وهي أعز جواريه، وأحظاهن عنده.
وكان بعد ذلك لا يصبر أستاذها عنها، ولما خرج معه إلى صفد، أعطي إمرة عشرة، ولما توجه إلى مصر وأعطي نيابة حلب أعطي قرابغا إمرة طبلخاناه.
ولما حضر إلى دمشق أعطاه أستاذه من عنده زيادة على إقطاع الطبلخاناه قرية بيت جن، وهي تعمل مئة ألف درهم، وأعطاه في كل سنة مئتي ألف درهم، غير الذي ينعم به على الدوام والاستمرار من الخيل والذهب والقماش.
مرضت زوجه كسباي المذكورة في أيام الطاعون وبصقت دماً وماتت في اليوم الثالث، ودفنت في تربة أنشأها لها في جمعة، فدفنت في يوم الخميس سادس عشر شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ثم إنه مات ابنها ودايته بعدها بيومين. ثم إنه هو بصق دماً، ومات يوم الاثنين في التاريخ، فلحقهما بعد خمسة أيام وحمل من دار حمزة إلى باب النصير، وخرج أستاذه وصلى عليه مع الأمراء والقضاة، والناس ولم يتبعه أستاذه - رحمهما الله تعالى -.