بالمحاسن وبالمزايا تفرد، قد عرف الأيام وخبرها، ودرب الأمور ودبرها، وقطع مفاوز المباشرات وعبرها.
فليباشر ذلك مباشرة من مارس هذه الوظيفة طول عمره ولم يركن إلى زيد الزمان ولا عمره، وليرتب الجماعة نوباً يتدالون الخدمة، ويختر لكل شغل بريدياً يكون في ذلك المهم عالي الهمة، ويعامل باللطف كبيرهم، وصغيرهم، ويبذل البشر إذا رأى جليلهم ولا يعرف الناس حقيرهم. حتى يعترف الجميع بفضله الجليل الجلي، ويقولوا إن القرايلي ما يلي، وتعود أيامهم بيضاً بعدما سجا الدجا، ويقول أحدهم: ذهب ناصرنا، فجاء قجا، يعمر أرجاء الرجا، والوصايا كثيرة وتقوى الله تعالى عمدة إن ازدجر، وعمل للآخرة وادكر، وخاف من سفر ينتهي به إما إلى جنة عدن، وإما إلى سقر.
فلا يصحب غيرها خليلا، ولا يلمح من سواها وجهاً جميلا، والله يعلي درجته، ويحرس مهجته، والخط الكريم أعلاه، حجه في العمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
قجليس
الأمير سيف الدين الناصري السلاح دار.
كان خيراً، لطيفا، حسن العشرة ظريفا، يحب العلماء ويؤثرهم، ويتعصب لهم وينصرهم، ويخلص بجاهه لهم المناصب، ويدفع عنهم كل عذاب واصب.
إلا أن أستاذه الملك الناصر يقذف به في كل هوه، ويعتمد عليه في كل واقعة مرجوه، فما أمسك في الشام أمير إلا على يده، ولا كسف قمر منبر إلا بتتبع رصده،
فكان إذا سمع الناس بخروجه من مصر تزلزلت أقدامهم، تحققوا أنه متى وصل تحتم إعدامهم.
وكان من كبار الخواص عند أستاذه المقربين، وأمراء الألوف الذي أصبحوا على وفق مراده مجربين.
ولم يزل على حاله إلى أن سقي بكأس سقي به سواه وضمه قبره وحواه.
وتوفي - رحمه الله تعالى في نصف صفر ليلة الثلاثاء، سنة إحدة وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
وكان عارفاً بعلم المواقيت يضع الأسطرلابات والأرباع والرخامات المليحة، ويتقنها، ويعرف عدة صنائع، وعنده آلاتها المليحة الفائقة الظريفة.
واقتنى من المجلدات النفيسة شيئاً كثيراً إلى الغاية. وكان الفضلاء يترددون إليه خصوصاً أرباب المعقول، كان يتردد إليه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني، وله عنده مملوك بإقطاع جعله أستاذ داره. ويتردد إليه شرف الدين بن مختار الحنفي وغيرهما من الفقهاء وغيرهم.
وكان جميل المودة، حسن الصحبة لطيفاً ظريفاً، حسن العشرة، ولكنه له سمعة في الشام سيئة لما ذكرته من أن السلطان يندبه في المهمات وثوقاً بعقله.
وكانت طبلخانته في القاهرة ما لأحد مثلها، لأنه اعتنى بصناعها وانتقاهم، وأحضر بعضهم من البلاد.
وكان قد تزوج ابنة الأمير سيف الدين الملك، كان يقال: إنه في القاهرة ليس لها
نظير، وكان يحبها محبة مفرطة، وينفق عليها نفقة عظيمة إلى الغاية، ولا تنقطع الأغاني من داره ليلاً ولا نهاراً من الجواري المطربات الفائقات. فكانت إذا دخلت إلى الطهارة وخرجت تلقينها وزفينها، وكذلك إذا أرادت النوم مع زوجها يعملن لها زفة.
وأخذت يوماً منه إذناً لتنزل إلى المنظرة التي له على البحر مدة ثمانية أيام، فأعطاها لكل يوم مبلغ ألفي درهم، وأباعت هي من قماشها شيئاً بعشرة آلاف درهم، وطلعت إلى القلعة قبل الميعاد بيومين، وقالت: فرغت النفقة.
ولما مات - رحمه الله تعالى - ما انتفع بها أحد بعده، لأنه حصل لها مرض سوداوي، وتوفيت - رحمها الله تعالى -.
اللقب والنسب
القحفازي: الشيخ نجم الدين، علي بن داود.
القدسي: علاء الدين الشافعي علي بن أيوب. وشرف الدين محمد بن موسى.
ابن قدس: محمد بن أحمد.
قدودار الأمير سيف الدين
متولي القاهرة، ولاه السلطان الملك الناصر محمد القاهرة، بعد الأمير علم الدين سنجر الخازن في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، فوليها وأحسن إلى الناس أول ولايته، ولم يزل فيها إلى أن توجه إلى الحجاز فحج وجاء.
توفي - رحمه الله تعالى - سادس عشرة صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.
قرابغا، الأمير سيف الدين
قرابغا دوادار الأمير سيف الدين أرغون شاه.
لم نر ولم نسمع بداودار كانت له منزلة هذا عند أستاذه، على أنه كان قد قاسى منه شدائد في أول أمره ثم سخره - الله تعالى - له أخيراً.
كان لا يخالفه فيما يراه، ولا يخفي عنه ما ألم به في باطنه أو اعتراه. وكانت آراؤه عليه مباركه، وليس له فيها مع أحد مشاركه، قد تحقق نصحه ومحبته، وتيقن خبرته بحاله ودربته، فقوله عنده، قول حذام وأمره على كل حال لزام، وثور نعمه طائله، وسعادة هائله، في مدة يسيرة جداً، ووقت كأنه زمن الورد إذا رد وتردى. هذا مع أنه كان لا يعرف باللسان العربي كلمة واحدة، ولا درى ما اللفظة الفائتة من الفائدة.
ولكن اختطف من وسط هذه السعاده، واقتطف من روض هذه السياده، وخلت منه الديار، وشط منه المزار.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الاثنين حادي عشري شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ودفن في تربة زوجه كسباي عند دار الأمير شمس الدين حمزة التركماني بالقبيبات.
أخبرني القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام، قال: لم أدخل على هذا أرغون شاه قط فرأيته جالساً قدامه، بل إلى جانبه، ولا رأيته يتحدث هو وأستاذه، وعنده مملوك آخر، انتهى.
وكان يرجع إلى قوله ومهما أشار به فهو الذي يكون والعمل عليه، ولم يكن مشترى ماله بل السلطان الملك الناصر وهبه له على عادة إنعاماته، وزوجه بجاريته كسباي، وهي أعز جواريه، وأحظاهن عنده.
وكان بعد ذلك لا يصبر أستاذها عنها، ولما خرج معه إلى صفد، أعطي إمرة عشرة، ولما توجه إلى مصر وأعطي نيابة حلب أعطي قرابغا إمرة طبلخاناه.
ولما حضر إلى دمشق أعطاه أستاذه من عنده زيادة على إقطاع الطبلخاناه قرية بيت جن، وهي تعمل مئة ألف درهم، وأعطاه في كل سنة مئتي ألف درهم، غير الذي ينعم به على الدوام والاستمرار من الخيل والذهب والقماش.
مرضت زوجه كسباي المذكورة في أيام الطاعون وبصقت دماً وماتت في اليوم الثالث، ودفنت في تربة أنشأها لها في جمعة، فدفنت في يوم الخميس سادس عشر شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ثم إنه مات ابنها ودايته بعدها بيومين. ثم إنه هو بصق دماً، ومات يوم الاثنين في التاريخ، فلحقهما بعد خمسة أيام وحمل من دار حمزة إلى باب النصير، وخرج أستاذه وصلى عليه مع الأمراء والقضاة، والناس ولم يتبعه أستاذه - رحمهما الله تعالى -.
وكان لي ربيب يدعى مراد، يحمل دواتي فوصف له، فدخل إلى قاعة الإنشاء، وأخذه بيده وراح وسلمه إلى طواشي أرغون شاه. وقال: هذا مملوك ملك الأمراء، فكتبت إلى القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء في هذا:
يا سيداً صرت ظل جنابه ... لي جنة إن جاد دهري أو بغا
أترى الزمان معاندي ومحاربي ... حتى رماني في الورى بقرابغا
قرابغا، الأمير سيف الدين
ابن أخت الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام.
حضر معه إلى دمشق، وكان في مصر من جملة السلاح دارية للسلطان الملك الناصر حسن، وكان خاله، قد قال له في مصر: يا قرابغا، إن كنت تجيء معي على أنك ابن أختي تشفع وتتكلم فيما لا يعنيك، فلا تجيء، وإن كنت جئت كأنك أجنبي لا يكون لك في شيء كلام، فتعال. فحضر معه، وأقام قليلاً، ورتب له في كل يوم مبلغ خمسين درهماً، إلى أن انحلت طبلخاناه، فأخذها وكان لا يجسر أن يتحدث مع خاله في شيء، وإنما كان الناس يخدمونه لأجل الصورة الظاهرة.
وكان أسمر طوالاً غليظاً، إلا أنه أرق من نسيم، وألطف من كأس تسنيم، حسن الأخلاق، يتصف بما راق، وما لاق، ويسجع على عوده كأنه الورقاء بين الأوراق، نادم جماعة من أهل دمشق وأجمعوا على لطفه، وجنوا ثمار الإحسان من عطفه، ولما توجه خاله إلى نيابة طرابلس توجه معه، ولم يحل عن تلك الحال، ولا ذاك الصنع الذي صنعه.
ولما توفي خاله - رحمه الله تعالى - توجه إلى مصر فأقام بها، إلى أن اضمحل وتلاشى، وأصبح على نار المنية فراشا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ...
قراجا بن دلغادر
بدال مهملة، ولام ساكنة، وغين معجمة وبعدها ألف ودال مهملة وراء: الأمير زين الدين النائب بالأبلستين.
كان من أمراء التركمان، وارتمى إلى الأمير سيف الدين تنكز وانتمى إليه، فأقامه وأحبه وعظمه، وكان ميله إليه أحد الأمور التي نقمها السلطان على تنكز لأنه كان يراجعه في أمره كثيراً، ويقول له: اعزله عن الأبلستين، فيراجعه في أمره، لأن ابن دلغادر كان الواقع بينه وبين الأمير أرتنا حاكم البلاد الرومية.
ولما هرب الأمير سيف الدين طشتمر، حمص أخضر نائب حلب المحروسة توجه إليه، واستجار به فآواه، وأقام عنده إلى أن انتصر الناصر أحمد على قوصون، وطلب طشتمر، فحضر من البلاد الرومية وابن دلغادر معه، وتوجه معه إلى مصر، وما صدق بالخروج من القاهرة، ورأى نفسه قد عدى حلب وقويت نفسه عليه من ذلك الوقت ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نائب حلب، وتواقعا وانتصر ابن دلغادر عليه.
ولما جاء الأمير سيف الدين أرغون شاه إلى حلب نائباً دخل معه، وكان يكاتبه
دائماً ويهاديه ولما قدم دمشق استمر الود بينهما، وأخذ لابنه الأمير صارم الدين طبلخاناه بدمشق، وكانت بيده، وهو عند والده.
ولما وصل الأمير سيف الدين بيبغاروس إلى حلب وأراد الخروج على السلطان الملك الصالح صالح، راسله واتفق معه، وحضر معه في تركمانه إلى دمشق، وتسيب تركمانه يفسدون في الأرض، ويعبثون فنهبوا الأموال، وافتضوا الفروج، وسبوا الحريم، وسفكوا الدماء، واعتمدوا ما لا يعتمد الكفار في الإسلام.
ثم إنه لما تحقق خروج السلطان الملك الصالح، ووصوله إلى لد خامر على بيبغاروس، وتوجه على البقاع إلى بلاده، وساق قدامه ما وجده للناس من خيول. فأخذ لأهل صفد جشاراً فيه أكثر من خمس مئة فرس.
ولما هرب بيبغاروس وأحمد وبكلمش وغيرهم، توجهوا إليه إلى الأبلستين فتقرب بإمساكهم، وجهز أولاً أحمد وبكلمش إلى حلب، ثم أمسك بيبغاروس من الأبلستين وجهزه إلى حلب، فجرى ما جرى، على ما هو مذكور في تراجمهم، ثم إن الأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طاز قاما في أمره قياماً عظيماً، وجهزا الأمير عز الدين طقطاي الدوادار إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي نائب حلب وصمما عليه. وقالا: لا بد من الخروج إليه بالعساكر، وخراب أبلستين، فتوجه بما معه من العساكر الحلبية وغيرهم من عساكر الثغور، ووصلوا إلى الأبلستين، وقاست العساكر شدائد عظيمة، وأهوالاً فنيت فيها خيولهم وجمالهم، ومشوا على أرجلهم في عدة