بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 79

نظير، وكان يحبها محبة مفرطة، وينفق عليها نفقة عظيمة إلى الغاية، ولا تنقطع الأغاني من داره ليلاً ولا نهاراً من الجواري المطربات الفائقات. فكانت إذا دخلت إلى الطهارة وخرجت تلقينها وزفينها، وكذلك إذا أرادت النوم مع زوجها يعملن لها زفة.
وأخذت يوماً منه إذناً لتنزل إلى المنظرة التي له على البحر مدة ثمانية أيام، فأعطاها لكل يوم مبلغ ألفي درهم، وأباعت هي من قماشها شيئاً بعشرة آلاف درهم، وطلعت إلى القلعة قبل الميعاد بيومين، وقالت: فرغت النفقة.
ولما مات - رحمه الله تعالى - ما انتفع بها أحد بعده، لأنه حصل لها مرض سوداوي، وتوفيت - رحمها الله تعالى -.

اللقب والنسب
القحفازي: الشيخ نجم الدين، علي بن داود.
القدسي: علاء الدين الشافعي علي بن أيوب. وشرف الدين محمد بن موسى.
ابن قدس: محمد بن أحمد.

قدودار الأمير سيف الدين
متولي القاهرة، ولاه السلطان الملك الناصر محمد القاهرة، بعد الأمير علم الدين سنجر الخازن في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة، فوليها وأحسن إلى الناس أول ولايته، ولم يزل فيها إلى أن توجه إلى الحجاز فحج وجاء.


صفحه 80

توفي - رحمه الله تعالى - سادس عشرة صفر سنة ثلاثين وسبع مئة.

قرابغا، الأمير سيف الدين
قرابغا دوادار الأمير سيف الدين أرغون شاه.
لم نر ولم نسمع بداودار كانت له منزلة هذا عند أستاذه، على أنه كان قد قاسى منه شدائد في أول أمره ثم سخره - الله تعالى - له أخيراً.
كان لا يخالفه فيما يراه، ولا يخفي عنه ما ألم به في باطنه أو اعتراه. وكانت آراؤه عليه مباركه، وليس له فيها مع أحد مشاركه، قد تحقق نصحه ومحبته، وتيقن خبرته بحاله ودربته، فقوله عنده، قول حذام وأمره على كل حال لزام، وثور نعمه طائله، وسعادة هائله، في مدة يسيرة جداً، ووقت كأنه زمن الورد إذا رد وتردى. هذا مع أنه كان لا يعرف باللسان العربي كلمة واحدة، ولا درى ما اللفظة الفائتة من الفائدة.
ولكن اختطف من وسط هذه السعاده، واقتطف من روض هذه السياده، وخلت منه الديار، وشط منه المزار.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الاثنين حادي عشري شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة. ودفن في تربة زوجه كسباي عند دار الأمير شمس الدين حمزة التركماني بالقبيبات.


صفحه 81

أخبرني القاضي ناصر الدين كاتب السر بالشام، قال: لم أدخل على هذا أرغون شاه قط فرأيته جالساً قدامه، بل إلى جانبه، ولا رأيته يتحدث هو وأستاذه، وعنده مملوك آخر، انتهى.
وكان يرجع إلى قوله ومهما أشار به فهو الذي يكون والعمل عليه، ولم يكن مشترى ماله بل السلطان الملك الناصر وهبه له على عادة إنعاماته، وزوجه بجاريته كسباي، وهي أعز جواريه، وأحظاهن عنده.
وكان بعد ذلك لا يصبر أستاذها عنها، ولما خرج معه إلى صفد، أعطي إمرة عشرة، ولما توجه إلى مصر وأعطي نيابة حلب أعطي قرابغا إمرة طبلخاناه.
ولما حضر إلى دمشق أعطاه أستاذه من عنده زيادة على إقطاع الطبلخاناه قرية بيت جن، وهي تعمل مئة ألف درهم، وأعطاه في كل سنة مئتي ألف درهم، غير الذي ينعم به على الدوام والاستمرار من الخيل والذهب والقماش.
مرضت زوجه كسباي المذكورة في أيام الطاعون وبصقت دماً وماتت في اليوم الثالث، ودفنت في تربة أنشأها لها في جمعة، فدفنت في يوم الخميس سادس عشر شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ثم إنه مات ابنها ودايته بعدها بيومين. ثم إنه هو بصق دماً، ومات يوم الاثنين في التاريخ، فلحقهما بعد خمسة أيام وحمل من دار حمزة إلى باب النصير، وخرج أستاذه وصلى عليه مع الأمراء والقضاة، والناس ولم يتبعه أستاذه - رحمهما الله تعالى -.


صفحه 82

وكان لي ربيب يدعى مراد، يحمل دواتي فوصف له، فدخل إلى قاعة الإنشاء، وأخذه بيده وراح وسلمه إلى طواشي أرغون شاه. وقال: هذا مملوك ملك الأمراء، فكتبت إلى القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء في هذا:
يا سيداً صرت ظل جنابه ... لي جنة إن جاد دهري أو بغا
أترى الزمان معاندي ومحاربي ... حتى رماني في الورى بقرابغا

قرابغا، الأمير سيف الدين
ابن أخت الأمير سيف الدين أيتمش نائب الشام.
حضر معه إلى دمشق، وكان في مصر من جملة السلاح دارية للسلطان الملك الناصر حسن، وكان خاله، قد قال له في مصر: يا قرابغا، إن كنت تجيء معي على أنك ابن أختي تشفع وتتكلم فيما لا يعنيك، فلا تجيء، وإن كنت جئت كأنك أجنبي لا يكون لك في شيء كلام، فتعال. فحضر معه، وأقام قليلاً، ورتب له في كل يوم مبلغ خمسين درهماً، إلى أن انحلت طبلخاناه، فأخذها وكان لا يجسر أن يتحدث مع خاله في شيء، وإنما كان الناس يخدمونه لأجل الصورة الظاهرة.
وكان أسمر طوالاً غليظاً، إلا أنه أرق من نسيم، وألطف من كأس تسنيم، حسن الأخلاق، يتصف بما راق، وما لاق، ويسجع على عوده كأنه الورقاء بين الأوراق، نادم جماعة من أهل دمشق وأجمعوا على لطفه، وجنوا ثمار الإحسان من عطفه، ولما توجه خاله إلى نيابة طرابلس توجه معه، ولم يحل عن تلك الحال، ولا ذاك الصنع الذي صنعه.


صفحه 83

ولما توفي خاله - رحمه الله تعالى - توجه إلى مصر فأقام بها، إلى أن اضمحل وتلاشى، وأصبح على نار المنية فراشا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ...

قراجا بن دلغادر
بدال مهملة، ولام ساكنة، وغين معجمة وبعدها ألف ودال مهملة وراء: الأمير زين الدين النائب بالأبلستين.
كان من أمراء التركمان، وارتمى إلى الأمير سيف الدين تنكز وانتمى إليه، فأقامه وأحبه وعظمه، وكان ميله إليه أحد الأمور التي نقمها السلطان على تنكز لأنه كان يراجعه في أمره كثيراً، ويقول له: اعزله عن الأبلستين، فيراجعه في أمره، لأن ابن دلغادر كان الواقع بينه وبين الأمير أرتنا حاكم البلاد الرومية.
ولما هرب الأمير سيف الدين طشتمر، حمص أخضر نائب حلب المحروسة توجه إليه، واستجار به فآواه، وأقام عنده إلى أن انتصر الناصر أحمد على قوصون، وطلب طشتمر، فحضر من البلاد الرومية وابن دلغادر معه، وتوجه معه إلى مصر، وما صدق بالخروج من القاهرة، ورأى نفسه قد عدى حلب وقويت نفسه عليه من ذلك الوقت ووقع بينه وبين الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي نائب حلب، وتواقعا وانتصر ابن دلغادر عليه.
ولما جاء الأمير سيف الدين أرغون شاه إلى حلب نائباً دخل معه، وكان يكاتبه


صفحه 84

دائماً ويهاديه ولما قدم دمشق استمر الود بينهما، وأخذ لابنه الأمير صارم الدين طبلخاناه بدمشق، وكانت بيده، وهو عند والده.
ولما وصل الأمير سيف الدين بيبغاروس إلى حلب وأراد الخروج على السلطان الملك الصالح صالح، راسله واتفق معه، وحضر معه في تركمانه إلى دمشق، وتسيب تركمانه يفسدون في الأرض، ويعبثون فنهبوا الأموال، وافتضوا الفروج، وسبوا الحريم، وسفكوا الدماء، واعتمدوا ما لا يعتمد الكفار في الإسلام.
ثم إنه لما تحقق خروج السلطان الملك الصالح، ووصوله إلى لد خامر على بيبغاروس، وتوجه على البقاع إلى بلاده، وساق قدامه ما وجده للناس من خيول. فأخذ لأهل صفد جشاراً فيه أكثر من خمس مئة فرس.
ولما هرب بيبغاروس وأحمد وبكلمش وغيرهم، توجهوا إليه إلى الأبلستين فتقرب بإمساكهم، وجهز أولاً أحمد وبكلمش إلى حلب، ثم أمسك بيبغاروس من الأبلستين وجهزه إلى حلب، فجرى ما جرى، على ما هو مذكور في تراجمهم، ثم إن الأمير سيف الدين شيخو، والأمير سيف الدين طاز قاما في أمره قياماً عظيماً، وجهزا الأمير عز الدين طقطاي الدوادار إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي نائب حلب وصمما عليه. وقالا: لا بد من الخروج إليه بالعساكر، وخراب أبلستين، فتوجه بما معه من العساكر الحلبية وغيرهم من عساكر الثغور، ووصلوا إلى الأبلستين، وقاست العساكر شدائد عظيمة، وأهوالاً فنيت فيها خيولهم وجمالهم، ومشوا على أرجلهم في عدة


صفحه 85

أماكن، ووجدوا أهوالاً صعبة، وهرب منهم خلق فخرب الأبلستين وحرقها وخرب قراها، وتبعه بالعساكر إلى قريب قيصرية، وأحاطت به العساكر من هنا، وعساكر ابن أرتنا من هناك، فأمسكه قطلوشاه من أمراء المغول بالروم، وجهزه إلى ابن أرتنا.
وكتب نائب حلب إلى ابن أرتنا يطلبه، فدافعه من وقت إلى وقت إلى أن بعثه في الآخر مقيداً.
ودخل إلى حلب يوم السبت ثاني عشري شعبان سنة أربع وخمسين وسبع مئة. فثقل النائب قيوده وأغلاله واعتقله بقلعة حلب، وجهز سيفه إلى السلطان صحبة مملوكه علاء الدين طيبغا المقدم.
ولما كان يوم الاثنين خامس عشر شهر رمضان، وصل إلى دمشق وجهز إلى مصر صحبة عسكر يوصله إلى غزة. ووصل إلى مصر فأقام في الاعتقال مدة، ثم إنه وسط وعلق على باب زويلة قطعتين ثلاثة أيام، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وسبع مئة. فسبحان مبيد الجبارين.
وكنت قد قلت لما أمسك ابن دلغادر أحمد وبكلمش وبيبغاروس وحضرهم إلى حلب، وذلك موالياً:
قد جيت في الغدر زايد با بن دلغادر ... وما تركت لفعلك في الورى عاذر


صفحه 86

وخنت من آمنك وانقاد لك صاغر ... سودت وجهك في الأول وفي الآخر
ولما كان بيبغاروس على دمشق وتوجهنا نحن مع النائب بالشام الأمير سيف الدين أرغون الكاملي إلى لد وأقمنا بها زائداً عن أربعين يوماً، وفي كل يوم نسمع من الأخبار ما ينكد عيشنا من جهة أهل دمشق وأهلنا وأولادنا، جاءني من القاضي شرف الدين حسين بن ريان كتاب قبل خروجي من دمشق، فلما عدت من لد كتبت جوابه، وجاء منه: " وحاول المملوك الجواب فجاءت هذه العوائق التي ما احتسبت والحوادث التي لم تكن كيوم القيامة، فإن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت، يا مولانا: هذه مصائب عمت وطمت وصرحت بالشر وما عمت، وقيدت إليها الأهوال وزمت ودعت الجفلى إلى مآدبها وأصم المسامع نعي نوادبها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قول من ضاقت به حيلته، واتسعت عليه بالهموم ليلته:
وكان ما كان مما كنت أذكره ... فظن شراً ولا تسأل عن الخبر
ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة، وفجر هذه الليلة العاتمه، فقد بلغت القلوب الحناجر، وحزت الغلاصم بالخناجر، وكسرت براني الصبر، وحسد من امتطى ظهر الأرض من استكن في جوانح القبر، وهذه رزية شموس التثبت بها كاسفه، وليس لها من دون الله كاشفه، اللهم اكشف هذه البلية عن البريه، ولق النفوس الظالمة ووق البريه، وأجرنا على عادة وعجل فك أسرنا بأسرنا، إنك بالإجابة جدير، وعلى كشف هذه اللأواء قدير ".