بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 121

لقد أنسَتْ لي دارٌ بهم ... ومن قبلها أصبحت كالصّريم
مشَوا كالطّواويس في ملبسٍ ... بهيِّ البرود بهيج الرّقوم
كأني أشاهدُهم كالقُضاة ... بسمتٍ عليهم كسمتِ الحليم
وإلا أزمّة دارٍ غدت ... بهم حرَماً آمناً كالحريم
ولا فرقَ بيني وبين الخَصيّ ... فلمَ لا أراهم بعين الحميمِ
ونعمَ الفِداُ لهم قد بعثت ... من الفاتنات ذوات الشّحوم
أعدتَ الشباب الى مطبخي ... وقد كان شابَ بحمل الهُموم
وعادت قُدوري زنجيةً ... فأعْجبْ بزنجية عند رومي
وطال لسانٌ لناري به ... خصمتُ خُطوباً غدت من خصومي
وأمسيتُ ضيفَك في منزلي ... ومن فيه ضيفٌ لضيف الكريمِ
قلت: قوله: زنجية عند رومي ظرّف فيه الى الغاية، لأن السّراج رحمه الله تعالى كان أشقر أزرق، ولذلك قال، ومن خطه نقلت:
ومن رآني والحمار مَركبي ... وزرقتي للروم عِرقٌ قد ضربْ
قال وقد أبصر وجهي مُقبلاً ... لا فارسَ الخيل ولا وجهَ العربْ
ونقلت من خطّ السراج الوراق قصدة مدح بها الصاحب تاج الدين أولها:
أترومُ صبري دون ذاك الرّيم ... هيهاتَ لمتُ عليه غير ملومِ
لو شاهدَت عيناكَ ما شاهدتُه ... لرجعتَ في أمري الى التّسليم
مُخضرُّ آسٍ واحْمِرارُ شقائقٍ ... أنا منهُما في جنة وجحيمِ


صفحه 122

ومعاطفٌ من دونهنّ روادفٌ ... أنا منهما في مقعد ومُقيم
سَلْ طرفَه عن شعره الدّاجي فلن ... يُخبرك عن طول الدُجى كسقيم
يا غُصن قامته إليك تحيتي ... مع كل ماطرةٍ وكل نسيم
إن الجمال له بغير مُنازع ... والوجدُ لي فيه بغير قسيم
وكذا العُلا لمحمّد بن محمّد ب ... ن عليّ بن محمد بن سليم
نسبٌ كمطّرد الكُعوب فلا تَرى ... إلا كريماً ينتمي لكريم
منها:
وشبيبة حرس التُقى أطرافها ... فلها محلّ الشيب في التعظيمِ
وإذا تحرّمتِ المسائلُ باسْمه ... جلّى عن التحليل والتحريم
إن قال لا يخلو فما من علةٍ ... تبقى لصحةِ ذلك التقسيم
أما إذا جارى أخاهُ أحمداً ... شاهدتَ بحري نائلٍ وعُلومِ
بحرانِ إن شئتَ النّدى، نجمان إن ... شِئتَ الهُدى، غَوثانِ في الإقليم
وكتب الصاحب تاج الدين الى الورّاق يعزيه في حمار له سقط في بئر فنفق:
يَفديك جحشُك إذ مضى متردّياً ... وبتالدٍ يُفدى الأديبُ وطارفِ
عدم الشّعير فلا رآه ولا يرى ... تَبناً وراح من الظّمأ كالتّالف
ورأى البُويرةَ غير خافٍ ماؤها ... فرأى حُشاشةَ نفسه لمخاوف
فهو الشهيد لكم بوافرِ فضلُكُم ... هذي المكارم لا حمامة خاطِفِ
قومٌ يموت حمارُهُم عطشاً لقد ... أزرَوا بحاتم في الزّمان السّالف
قلت: قوله: لا حمامة خاطف يشير فيها الى أبيات ابن عنين التي مدح بها


صفحه 123

الإمام فخر الدين الرازي وهو على المنبر فجاءت إليه حمامة وراءها جارح، فقال ابن عنين أبياتاً منها:
جاءت سليمان الزّمان حمامةٌ ... والموتُ يلمع من جناحَيْ خاطفِ
مَن أعلمَ الورقاءَ أن محلّكم ... حرمُ وأنك ملجأُ للخائفِ
وأجاب الوراق للصاحب تاج الدين بقصيدة طويلة، ومن خطّه نقلت:
أذنَتْ قُطوف ثمارها للقاطف ... وثنت بأنفاس النّسيم معاطفي
منها، فيما يتعلّق بالحمار:
ولكمْ بكيتُ عليه عهدِ مرابع ... ومراتع رُشّت بدمعي الذارفِ
يُمسي على يُسري وعُسري صابراً ... بمعارفٍ تلهيه دون معالفِ
وقد استمرّ على القناعة يقتدي ... بي وهي في ذا الوقت جلّ وظائفي
ودعاهُ للبئر الصّدى فأجابه ... واعتاقَهُ صرفُ الحمام الآزِفِ
وهو المُدلُّ بألْفةٍ طالت وما ... أنسى حقوق مرابعي ومآلفي
وموافقي في كل ما حاولته ... في الدهر غير مواقفي ومخالفي
دورانُ طاحونٍ لساقية لنق ... لِ الماء في شاتٍ ويوم صائفِ
لكنْ بماء البئر راح بنقلةٍ ... فثلاثُ شاماتٍ بموتٍ جارِفِ
ونظم الصاحب يوماً بيتا وهو:
توفي الجمال الفائزيّ وإنه ... لخَيرُ صديقٍ كان في زمنِ العُسرِ


صفحه 124

وأمر الوراق بإجازته فقال:
فيا ربّ عاملْهُ بألطافك التي ... يكونُ بها في الفائزين لدى الحشرِ
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين:
توهّم واشينا بليلٍ مزارنا ... فجاء ليسعى بيننا بالتّباعد
فعانقته حتى اتّحدْنا تلازُماً ... فلم يرَ واشينا سوى فرد واحدِ
قلت: هو مأخوذ من قول الأول:
كأنني عانقْتُ ريحانَة ... تنفّستْ في ليلها الباردِ
فلو تَرانا في قميص الدُجى ... حسبتَنا في جسدٍ واحد
وقلت أنا وقد كنا بمرح الغسّولة في يوم من الربيع، فورد علينا برد شديد الى الغاية:
أتانا فجأة بردٌ شديد ... أنا للمدح فيه غير جاحدْ
لأني كنتُ عن إلفي بَعيداً ... فصيّرني ومَن أهواه واحِدْ
وكتب شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود الى الصاحب تاج الدين مع رأس فانوس أهداه وفيه صورة الفلك:
أيا مولى أعوذ مجْد ... هـ بالروح والمُلكِ
ومَن بِسَنا مفاخره ... تُضيء غياهبُ الحلكِ
بعثتَ بما أبَوه إذا ... يصحّف من كُنى مَلك
يُريك الشّمس في جُنح الدجا ... في قبّة الفلكِ


صفحه 125

فكتب الصاحب تاج الدين الجواب:
أتَتني من الحبر الكريم هديةٌ ... بها من أبي فانوسَ نسبةَ ناسِبْ
وما أبعدَ الفانوس إلا لريبةٍ ... مَطالبها مرجوة في الغباهِبْ
شياطينُها ترجو انقضاضَ شِهابها ... وتأمَلُ منه أن تفوزَ بثاقِبْ
وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في يوم عند الصاحب تاج الدين، فقام الى الصلاة، ورمى إليه بخاتم فضة فصّه زبرجد، ولما انفتل من الصلاة أنشده الشيخ شهاب الدين محمود لنفسه:
يا سيّد الوزراء يا مَن كفُّه ... أربى نَداهُ على سماح حاتمِ
أشبهتَ في الخلق الوصيّ وفعله ... لما تصدّق في الصلاة بخاتم
ومن شعر الصاحب تاج الدين مُلغزاً في الورد:
ومعركة أبطالُها قد تخضّبت ... أكفُهم من شدة الضّرب عندما
لهم عندها ثأرٌ وللنار عنبرٌ ... تأجج حتى يترك الوردَ أدهما
ومنه يمدح الشيخ خضر المكّاري:
وجُزت بميدان العبادة غاية ... تُذكرني يومَ السّباقِ ابنَ أدهَما
ونظم يوماً بيتاً وهو:
ألا قاتل الله الحمامة إنها ... أذابت فُؤاد الصّبّ لما تغّنَت
وقال للوراق: أجزه. فقال قصيدة أولها:
أطارحُها شكوى الغرام وبثّه ... فما صدحتْ إلا أجبتُ بأنّة
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين هذه الموشّحة وقد التزم فيها الحاء قبل اللام وهي:


صفحه 126

قد أنحلالجسم أسمرْ أكحلْوأوحلْالقلبُ فيه مُذ حلْ
يميلُ ... وعنه لا أميلُ
يحول ... وعنه لا أحول
أقول ... إذ زاد بين النُحولُ
أما حلّعِقدَ الصَّدود ينحلّويرحلْعن جسمي المُزَحّلْ
برَغمي ... كم يستبيحُ ظُلمي
ويرمي ... بحربه لسلمي
وجسمي ... مع التزام سُقمي
منحّلْوقد غدا مرحّلْفكم حلسفكَ دمي وما حلْ
متوّجْ ... بالحُسن هذا الأبهَجْ
مدبّجْ ... عِذاره بالبنفسجْ
مفلَّجْ ... يرنو بطَرفٍ أدعجْ
مكحّلْوريقه المنحّلْمُفحّلْبالعنبر المحَلحَل
كم أبعَدْ ... وكم أبيتُ مُكمَدْ
ويعمَد ... بهجرِهِ لا يفقَدْ
ويجهَدْ ... في ارتضاء مَن قَدْ
تمحّلْوالحاسدون وحّلْومحّلوالوعد منهُ أمْحَلْ


صفحه 127

قَلاني ... واشتطّ هذا الجاني
رماني ... في عُشقه زماني
خلاني ... أشكو لمن يراني
قد أنحَلالجسمَ أسمرْ أكحلوأوحَلالقلب منه مُذ حَلْ

محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله
القاضي نجم الدين بن جمال الدين بن محب الدين الطبري الآمُلي الشافعي، قاضي مكة.
كان فقيهاً جيداً، كريماً سيّداً، سديداً في أحكامه أيّدا. فيه لُطف أخلاق، وحُسن صحبة وود في يوميّ الفراق والتلاق. له نظمٌ يتأرجح به الروض، ويتدرج به الماء العذب في الحوض.
لم يزل على حاله الى أن غاب نجمه في الثرى وعدمته أم القرى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة، في أول جمعة من جمادى الآخرة بمكة شرّفها الله تعالى.
ومولده سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وكان قد سمع من عمّ جده يعقوب بن أبي بكر الطبري جامع الترمذي.


صفحه 128

وسمع من جده محب الدين، ومن الفاروثي - وله إجازة من الحافظ أبي بكر بن مُسْدىً، وأخذ عنه شيخنا البرزالي وجمال الدين الغانمي، والواني، وآخرون.
وما خلف بمكة مثله، وكان بارعاً في الفقه، وولي بعده ابنه الإمام شهاب الدين أحمد.
قال لي الشيخ تاج الدين اليمني قال: أنشدته قصيدة في سنة عشر وسبع مئة امتدحته بها عند منصرفي من دمشق قاصداً اليمن، ومنها:
جادَ عِهادُ المطر ... عهدَ منًى والمشعَرِ
ولا عدا ربوعها ... سحّ السحاب الممطر
منازلٌ كم لي بها ... من ليل وصل مُقمر
والبَينُ في بينونةٍ ... بوصلنا لم يشعُرِ
قال: فلما فرغتُ من إنشادها أنشدني بديها:
أقسمتُ حقاً بالصّفا ... يا ابن الكرام الغُررِ
شعرُك هذا فائق ... أشعار أهل الحضَر
ما ناله حبيبُه ... ولا الوليد البحتري