الإمام فخر الدين الرازي وهو على المنبر فجاءت إليه حمامة وراءها جارح، فقال ابن عنين أبياتاً منها:
جاءت سليمان الزّمان حمامةٌ ... والموتُ يلمع من جناحَيْ خاطفِ
مَن أعلمَ الورقاءَ أن محلّكم ... حرمُ وأنك ملجأُ للخائفِ
وأجاب الوراق للصاحب تاج الدين بقصيدة طويلة، ومن خطّه نقلت:
أذنَتْ قُطوف ثمارها للقاطف ... وثنت بأنفاس النّسيم معاطفي
منها، فيما يتعلّق بالحمار:
ولكمْ بكيتُ عليه عهدِ مرابع ... ومراتع رُشّت بدمعي الذارفِ
يُمسي على يُسري وعُسري صابراً ... بمعارفٍ تلهيه دون معالفِ
وقد استمرّ على القناعة يقتدي ... بي وهي في ذا الوقت جلّ وظائفي
ودعاهُ للبئر الصّدى فأجابه ... واعتاقَهُ صرفُ الحمام الآزِفِ
وهو المُدلُّ بألْفةٍ طالت وما ... أنسى حقوق مرابعي ومآلفي
وموافقي في كل ما حاولته ... في الدهر غير مواقفي ومخالفي
دورانُ طاحونٍ لساقية لنق ... لِ الماء في شاتٍ ويوم صائفِ
لكنْ بماء البئر راح بنقلةٍ ... فثلاثُ شاماتٍ بموتٍ جارِفِ
ونظم الصاحب يوماً بيتا وهو:
توفي الجمال الفائزيّ وإنه ... لخَيرُ صديقٍ كان في زمنِ العُسرِ
وأمر الوراق بإجازته فقال:
فيا ربّ عاملْهُ بألطافك التي ... يكونُ بها في الفائزين لدى الحشرِ
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين:
توهّم واشينا بليلٍ مزارنا ... فجاء ليسعى بيننا بالتّباعد
فعانقته حتى اتّحدْنا تلازُماً ... فلم يرَ واشينا سوى فرد واحدِ
قلت: هو مأخوذ من قول الأول:
كأنني عانقْتُ ريحانَة ... تنفّستْ في ليلها الباردِ
فلو تَرانا في قميص الدُجى ... حسبتَنا في جسدٍ واحد
وقلت أنا وقد كنا بمرح الغسّولة في يوم من الربيع، فورد علينا برد شديد الى الغاية:
أتانا فجأة بردٌ شديد ... أنا للمدح فيه غير جاحدْ
لأني كنتُ عن إلفي بَعيداً ... فصيّرني ومَن أهواه واحِدْ
وكتب شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود الى الصاحب تاج الدين مع رأس فانوس أهداه وفيه صورة الفلك:
أيا مولى أعوذ مجْد ... هـ بالروح والمُلكِ
ومَن بِسَنا مفاخره ... تُضيء غياهبُ الحلكِ
بعثتَ بما أبَوه إذا ... يصحّف من كُنى مَلك
يُريك الشّمس في جُنح الدجا ... في قبّة الفلكِ
فكتب الصاحب تاج الدين الجواب:
أتَتني من الحبر الكريم هديةٌ ... بها من أبي فانوسَ نسبةَ ناسِبْ
وما أبعدَ الفانوس إلا لريبةٍ ... مَطالبها مرجوة في الغباهِبْ
شياطينُها ترجو انقضاضَ شِهابها ... وتأمَلُ منه أن تفوزَ بثاقِبْ
وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في يوم عند الصاحب تاج الدين، فقام الى الصلاة، ورمى إليه بخاتم فضة فصّه زبرجد، ولما انفتل من الصلاة أنشده الشيخ شهاب الدين محمود لنفسه:
يا سيّد الوزراء يا مَن كفُّه ... أربى نَداهُ على سماح حاتمِ
أشبهتَ في الخلق الوصيّ وفعله ... لما تصدّق في الصلاة بخاتم
ومن شعر الصاحب تاج الدين مُلغزاً في الورد:
ومعركة أبطالُها قد تخضّبت ... أكفُهم من شدة الضّرب عندما
لهم عندها ثأرٌ وللنار عنبرٌ ... تأجج حتى يترك الوردَ أدهما
ومنه يمدح الشيخ خضر المكّاري:
وجُزت بميدان العبادة غاية ... تُذكرني يومَ السّباقِ ابنَ أدهَما
ونظم يوماً بيتاً وهو:
ألا قاتل الله الحمامة إنها ... أذابت فُؤاد الصّبّ لما تغّنَت
وقال للوراق: أجزه. فقال قصيدة أولها:
أطارحُها شكوى الغرام وبثّه ... فما صدحتْ إلا أجبتُ بأنّة
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين هذه الموشّحة وقد التزم فيها الحاء قبل اللام وهي:
قد أنحلالجسم أسمرْ أكحلْوأوحلْالقلبُ فيه مُذ حلْ
يميلُ ... وعنه لا أميلُ
يحول ... وعنه لا أحول
أقول ... إذ زاد بين النُحولُ
أما حلّعِقدَ الصَّدود ينحلّويرحلْعن جسمي المُزَحّلْ
برَغمي ... كم يستبيحُ ظُلمي
ويرمي ... بحربه لسلمي
وجسمي ... مع التزام سُقمي
منحّلْوقد غدا مرحّلْفكم حلسفكَ دمي وما حلْ
متوّجْ ... بالحُسن هذا الأبهَجْ
مدبّجْ ... عِذاره بالبنفسجْ
مفلَّجْ ... يرنو بطَرفٍ أدعجْ
مكحّلْوريقه المنحّلْمُفحّلْبالعنبر المحَلحَل
كم أبعَدْ ... وكم أبيتُ مُكمَدْ
ويعمَد ... بهجرِهِ لا يفقَدْ
ويجهَدْ ... في ارتضاء مَن قَدْ
تمحّلْوالحاسدون وحّلْومحّلوالوعد منهُ أمْحَلْ
قَلاني ... واشتطّ هذا الجاني
رماني ... في عُشقه زماني
خلاني ... أشكو لمن يراني
قد أنحَلالجسمَ أسمرْ أكحلوأوحَلالقلب منه مُذ حَلْ
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله
القاضي نجم الدين بن جمال الدين بن محب الدين الطبري الآمُلي الشافعي، قاضي مكة.
كان فقيهاً جيداً، كريماً سيّداً، سديداً في أحكامه أيّدا. فيه لُطف أخلاق، وحُسن صحبة وود في يوميّ الفراق والتلاق. له نظمٌ يتأرجح به الروض، ويتدرج به الماء العذب في الحوض.
لم يزل على حاله الى أن غاب نجمه في الثرى وعدمته أم القرى.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة، في أول جمعة من جمادى الآخرة بمكة شرّفها الله تعالى.
ومولده سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وكان قد سمع من عمّ جده يعقوب بن أبي بكر الطبري جامع الترمذي.
وسمع من جده محب الدين، ومن الفاروثي - وله إجازة من الحافظ أبي بكر بن مُسْدىً، وأخذ عنه شيخنا البرزالي وجمال الدين الغانمي، والواني، وآخرون.
وما خلف بمكة مثله، وكان بارعاً في الفقه، وولي بعده ابنه الإمام شهاب الدين أحمد.
قال لي الشيخ تاج الدين اليمني قال: أنشدته قصيدة في سنة عشر وسبع مئة امتدحته بها عند منصرفي من دمشق قاصداً اليمن، ومنها:
جادَ عِهادُ المطر ... عهدَ منًى والمشعَرِ
ولا عدا ربوعها ... سحّ السحاب الممطر
منازلٌ كم لي بها ... من ليل وصل مُقمر
والبَينُ في بينونةٍ ... بوصلنا لم يشعُرِ
قال: فلما فرغتُ من إنشادها أنشدني بديها:
أقسمتُ حقاً بالصّفا ... يا ابن الكرام الغُررِ
شعرُك هذا فائق ... أشعار أهل الحضَر
ما ناله حبيبُه ... ولا الوليد البحتري
قال: وأنشدني القاضي نجم الدين المذكور قصيدة يمدح بها الملك المظفّر عند قدومه من اليمن أوّلها:
إن لم أروّ الرَّبع من أجفاني ... بعد البعاد دماً فما أجفاني
وأنشدني من لفظه بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة الشيخ محب الدين أبو عبد الله محمد بن الصائغ المغربي الأموي، قال: أنشدني القاضي نجم الدين الطبري لنفسه:
أشبيهة البدر المنير إذا بدا ... حُسناً وليس البدرُ من أشباهك
مأسور حُسنك إن يكن متشفِّعاً ... فإليك في الحسن البديع بجاهك
أشفى أسىً أعيا الأساة رواؤه ... وشفاهُ يحصل بارتشاف شفاهك
فصليه واغتنمي بقاء حياته ... لا تقطعيه جفاً بحق إلاهك
قال: فنظمت قصيدة في هذا الوزن واللزوم والرويّ، وقد ذكرتها في ترجمة محب الدين المذكور آنفاً.
محمد بن محمد بن أبي بكر
قاضي القضاة تاج الدين المالكي بالديار المصرية ابن قاضي القضاة علم الدين الأخنائي، تقدّم ذكر والده علم الدين في مكانه من هذا التاريخ.
كان من بيت كلهم قضاه، وبيت كله رياحين، إذا كان غيره عِضاه. باشر القضاء بمصر بعد عمه، وطلع في منصبه كالبدر ليلة تمّه.
ولم يزل الى أن أخنى عليه الذي أخنى على لبد ولم يترك له في الحياة من سبد ولا لبد.
وتوفي رحمه الله تعالى في ... ورد الخبر الى دمشق بوفاته في أواخر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده في ...
وكان قد ولي القضاء بعد عمه قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي في سنة تسع وأربعين وسبع مئة، وتولّى بعد تاج الدين المذكور قضاء المالكية بالديار المصرية أخوه قاضي القضاة بُرهان الدين ابراهيم، وسمع الحجّار ووزيرة، فيما أظن، بالديار المصرية، وأظنه حدّث بالبخاري عنه في مكة أو المدينة.