صرف السلطان الملك الاصر محمد قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف عن القضاء استناب قاضي القضاة بدرُ الدين بن جماعة ابن رشيق هذا في القاهرة مدة الى أن أعيد ابن مخلوف الى القضاء، وكان يكتب في الإجازات، من نظمه:
أجَزْتُ لهم أبقاهم الله كل ما ... رويتُ عن الأشياخ في سالف الدهر
وما سمعت أذناي عن كل عالم ... وما جاد من نظمي وما راق من نثري
على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريء من التصحيف عار من النكر
وبالله توفيقي عليه توكّلي ... له الحمد في الحالين: في العسر واليسر
محمد بن محمد بن علي
الفقيه المحدّث مجد الدين الأنصاري الدمشقي الشافعي المعروف بابن الصيرفي، سبط المحتسب ابن الحبّوبي.
كان شاباً متواضعاً ساكناً، نسخ للناس ولنفسه وعمل المعجم، وجلس مع الشهود، وحدّث عن محمد بن النشبي، والتقي بن أبي اليُسر، وأحمد بن أبي الخير، وابن مالك، وابن البخاري، وحضر المدارس، وعاش أبوه بعد موته نحواً من عشر سنين وكان لمجد الدين نظمٌ.
وتوفي رحمه الله تعالى في ... سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن أحمد أبي القاسم
المرتضى العلوي الشريف المعروف بالقُمّي بضم القاف وتشديد الميم.
داخل التتار لما أتى غازان الى دمشق وتوجه إليهم وعاد الى دمشق ومعه أربعة من التتار، وكسر أقفال باب توما، ونزلوا بالباذرائية في يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وست مئة. وشرع يدلّ التتار على عورات المسلمين الى أن أمسك وحمل الى القلعة في يوم الأربعاء رابع عشري جمادى الأولى، وبعد ذلك كُحِّل الحاج مَنْدَوه وقطع لسانه. وفي ليلة الرابع من شوال سُمّر الشريف القُمي هو وابن العُوفي والبرددار وابن خُطليشي المزّي على الجمال، وشنق اثنان: كاتب مصطبة الوالي وآخر يهودي، وقُطع لسان ابن طاعن وقطعت يد الدّلدرمي ورجله وكُحل الشجاع همّام.
محمد بن محمد بن علي
ابن ابراهيم ابن حُريث القُرشي العبْدَري البلنْسي ثم السّبتي المالكي المقرئ.
حدّث بالموطأ عن أبي الحسين ابن أبي الربيع، عن ابن بقي. وتفنن في العلوم والقراءات والعربية، وولي خطابة سبتة مدة، وأقرأ الفقه مدة ثلاثين عاماً، ثم إنه تزهّد، ووقف كتباً بألف دينار، ووقف عقاره وحج وجاور بالحرمين، وحدّث بمكة.
وبها توفي رحمه الله تعالى في ... سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
محمد بن محمد بن عبد القاهر
ابن هبة الله بن عبد القادر بن عبد الواحد بن هبة الله بن طاهر بن يوسف، الصدر ضياء الدين أبو المعالي النصيبي الحلبي.
كان رئيساً كبيراً فاضلاً، حسن الكتابة. وزر بحماة، وولي المناصب، ودرّس بعصرونية حلب، وحدّث بالكثير.
سمع من ابن شدّاد، والموفق عبد اللطيف، والكاشغري، وابن روزبة، وابن اللتي، وابن خليل، وقرأ بنفسه على المشايخ.
سمع منه شيخنا علم الدين البرزالي بحلب سبعة أجزاء منها المئة السريجيّة وثلاثيات البخاري، والأول من مسند عمار بن ياسر.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة ست وتسعين وست مئة بحلب.
ومولده بها في صفر سنة ثماني عشرة وست مئة.
محمد بن محمد بن محمود بن مكي
ابن عيسى بن دمرتاش، الدمشقي، العدل، شهاب الدين أبو عبد الله.
كان أديباً، فطناً، لبيباً، إذا دعا المعنى الغامض كان له مجيباً، وإذا نظمه كان
عجيباً، له غوصٌ على المعاني، وألفاظه أطربُ من المثالث والمثاني، له مقاطيعُ أعذبُ من أيّام الوصال، وأشهى من حبيب كرُمت منه الخصال.
لم يزل بدمشق على حاله الى أن نعق غراب بينه، ونزل بحيّه وافد حَينه.
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة السبت خامس صفر سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده في ...
كان أولاً في شبيبته جُندياً بحماة، وخدم بها صاحبها الملك المنصور، صحب بها مجير الدين محمد بن تميم الحموي الشاعر، وأقام معه بحماة، وبسببه دخل في الجندية، وكان يثني على مكارمه. وأقام بحماة مدة عشرين سنة، ولما أسنّ وكبر بطّل الجندية ودخل في زي العدول، وجلس بمركز الرواحية، ورأيته في سنة ثماني عشرة وسبع مئة وفيما بعد ذلك، وأظنه كان مخلاً بإحدى عينيه.
أنشدني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: أنشدنا ظهير الدين البارزي قال: أنشدني المذكور لنفسه:
أقول لمسواكِ الحبيب لك الهنا ... برشْف فم ما ناله ثغرُ عاشق
فقال وفي أحشائه حُرقة الجوى ... مقالة صبّ للديار مُفارق
تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى ... أعلِّله بين العُذَيبِ وبارق
قلت: وما أحلى قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:
وعود أراكة يجلو الثنايا ... من البيض الدُمى جلْي المرايا
يقول مُساجل الأغصان فخْرا ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
وقول محيي الدين بن قرناص:
سألتك يا عود الأراكة أن تعُدْ ... الى ثغر مَن أهوى فقبّلْه مُشفقا
ورِدْ من ثنيّات العُذيب مُنَيهلاً ... تسلسل ما بين الأبيرق والنقا
وقال: أنشدني المذكور لنفسه:
ولما التقينا بعد بين وفي الحشا ... لواعج شوقٍ في الفؤاد يُخيّمُ
أراد اختباري بالحديث فما أرى ... سوى نظرٍ فيه الجوى يتكلمُ
وأنشدني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أنشدني لنفسه:
ومُهفهَف الأعطاف معسول اللّمى ... كالغصن يعطفه النسيم إذا سرى
قال اسقني فأتيته بزجاجة ... ملئت قراحاً وهو لاهٍ لا يرى
وتأرجحت برضابه وأمدَّها ... من نار وجنته شعاعاً أحمرا
ثم انثنى ثملاً وقد أسكرتهُ ... برضابه وبوجنتيه وما درى
قلت: هو مولَّدٌ من قول الملك الأمجد، وفيه زيادة:
طلبتُ لماءٍ في إناء فجاءني ... غلام بها صرفاً فأوسعته زجرا
فقال هي الماء القراح وإنما ... تجلّى لها خدي فأوهمك الخمرا
ومن شعره، وهو مما نقلته من خطه:
حتام لا تصل المُدام فقد أتت ... لك في النسيم من الحبيب وعودُ
والنهر من طرب يصفّق فرحة ... والغُصنُ يرقُص والرياض تميدُ
وأنشدني الشيخ الإمام العالم نجم الدين القحفاري قال: أنشدني المذكور لنفسه:
قال لي ساحر اللواحظ صف لي ... هيَفي قلت: يا مليح القوام
لك قدٌ لولا جوارح عيني ... ك لغنت عليه وُرْق الحمام
قلت: قد اشتهر هذا المعنى بين شعراء العصر وأولعوا به، ومما نظمته أنا فيه:
ذو قامة من لينها ... بيد النسيم يكاد يُعقَدْ
لولا جوارح لحظه ... غنى الحمام بها وغرد
ونقلت له من خطه:
قد سنتُ سرَّ هواكم ضناً به ... إن المتيم بالهوى لضنين
فوشت به عيني ولم أك عالماً ... من قبلها أن الوشاة عيون
ونقلت منه له:
روى دمع عيني عن غرامي فأشكلا ... ولكنه ورّى الحديث فأشكلا
وأسنده عن واقديّ أضالعي ... فأضحى صحيحاً بالغرام مُعَلّلا
ونقلت منه له:
وافى النسيم وقد تحمل منكم ... لُطفاً يقصِّرُ فهْمهُ عن عِلمه
وشكا السقام وما درى ما قد جرى ... وأنا أحقّ من الرسول بسقمه
ونقلت منه له:
إن طال ليلي بعدكم فلطوله ... عُذرٌ وذاك لما أقاسي منكم
لم تَسْرِ فيه نجومُه لكنها ... وقفَت لتسمع ما أحدِّث عنكم
ونقلت منه له:
عجباً لمشغوف يَفوه بذكركم ... ماذا يقول وما عساه يمدحُ
والكون إما صامت فمعظمٌ ... حرماتكم أو ناطق فمسبِّحُ
ونقلت منه له:
مَن لأسير أمست قرينته ... في الدوح عن حاله تسائلهُ
فهو يغني مَبْدا الحزين لها ... وهي بأوراقها تراسلهُ
قلت: ما أعرف هذا العنى في أحسن من قول البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي:
قامت على ساقٍ تُطارحُني الهوى ... ما بين صَحبي في الدجى ورفاقي
ورْقاءُ قد أخذت فنونَ الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق
أنّى تباريني أسىً وكآبة ... وصبابة وجوى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الهوى عن خاطري ... وهي التي تملي عن الأوراق
وقلت أنا في هذه المادة مع اعترافي بالتقصير عنهما:
لا تقيسوا الى الحمامة حزني ... أنا فضلي تَدري به العشاق
أنا أملي الغرام عن ظهر قلب ... وهي تملي وحولها الأوراق
ونقلت من خط ابن دمرتاش له:
حتى إذا رقّ جلبابُ الدجى وسرتْ ... من تحت أذياله مسكيّة النفس
تبسّم الصبح إعجاباً بخلوَتِنا ... ووصْلِنا الطاهر الخالي من الدنس
ونقلت منه له:
بالروح أفدي منطقياً علا ... برتبة النحو على نَشْوِه
منطقه العذب الشهي الذي ... قد جذب القلب الى نحوه
ونقلت منه له:
جيادك يا من طبّق الأرض عدْلُه ... وحاز بأعلى الجدّ أعلى المناصب
إذا سابقتها في المهامهِ غرّةً ... رياح الصّبا عادت لها كالجنائب
ولو لم تكن في ظهرها كعبة المنى ... لما شبهت آثارها بالمحارب
ونقلت منه له:
يا سيدي أوحشْتَ قوماً ما لهم ... عن حسن منظرك الجميل بديلُ
وتعللت شمس النهار فما لها ... من بعد بُعدك بكرةٌ وأصيلُ
وبكى السحابُ مُساعداً لتفجعي ... من طول هجرك والنسيم عليلُ
ومن شعره:
انظر الى الأزهار تلق رؤوسها ... شابت وطفل ثمارها ما أدركا
وعبيرها قد ضاع من أكمامها ... وغدا بأذيال الصبا متمسكا
ومنه: